
فنّان عربيّ > كانون الثاني/يناير > 2008العربي أرزقي (الجزائر) خلق عالمٍ متآكل
خلق عالمٍ متآكليدعونا العربي أرزقي إلى هيامٍ داخل عالمٍ معقَّد، لا يمكن الإحاطة به، عالمٌ لم يكتشفه أحد، تُعاد قولبته باستمرار، وتتفكّك فيه المادة لكي تعود فتتركّب. المواد المستخدَمة: القماش، الورق، الورق المقصوص والملصقات، القماش المجعّد، كلّها ليست سوى حججٍ مرئيّة لتركيب عالمٍ غريب: انفجارٌ تنبثق منه الكرة الأرضية. بالألوان الداكِنة، وصبغة الفحم الحجري وفحم الأنتراسيت والطين؛ ألوانٌ مظلمة، وحليّة، العديد من الفروقات في الألوان والعناصر حيث يكتسب كلّ تفصيلٍ أهمّيته: انفجار من النُقَط يوحي بزبد البحر، هنا تكدّسٌ من التربة العضويّة، من الغرين، هنا حزّاز الصخر، وهناك آثارٌ لمعادنٍ صدئة، ثم فتات صخرٍ ناتجٍ عن انفجارٍ بركانيّ، تدفقات الحممم البركانيّة السوداء للوحةٍ تبكي... انعكاسات عالمٍ متأجّج، في غليان، في تقهقر (...). يدخل العربي في قلب التفصيل ليعيد إليه حجمه: عالمٌ صغيرٌ جدّاً، تمّ تفحّصه بدقّة، حيّزٌ يمّحي فيه الضوء ويتضاءل لتظهر الظلال والعتمة والليل... وفي زاوية، في مكانٍ ما، نقطة متميّزة من الكون، لطخةٌ ملوّنة نافرة. ضوءٌ لا يزال محجوباً لكنّه يبدأ بالظهور. هكذا يحافظ العربي على تفاؤله: شيئاً فشيئاً تستعيد المشاهد مكانها، قويّة بشكل مذهل، مُضخّمة بفعل التحوّل. ثمّ يتجوّل داخل عالم البحث هذا وإعادة البناء المستمرّة، مفعماً بطاقة الخلق، قوّة يستقيها من أحشاء الأرض، من عمق جذور الأشجار، طاقة تخلق شعوراً بالاضطراب والانزعاج. وعلى أرضٍ أُعيد تركيبها، يمكننا البحث عن الجزائر، الأرض الأم للعربي أرزقي. لكنّها لا تظهر. تبقى مستورة تحت لغة الرسم المعاصر. وإن أثارت الألوان المستعملة تضاريس لوّحتها الشمس، فهي على صورة الطبيعة التي يتفحّصها: كرةٌ متآكلةٌ توحي منذ الآن ببوادر عملية خلقٍ جديدة وتندرج ضمن دورة الانبعاث اللامتناهية. إيزابيل روسّو باريس-1992 ما وراء مدى النظرالرسم التجريدي، إمّا نحبه إمّا لا. لكن مهما قيل عنه، فهو يؤثّر في الجميع. غالباً ما يضيع الزائر الجاهل، الذي تستدعيه هذه الأعمال التي لا تشبه شيئاً، كون حساسيته تفتقر للمعالم وسط هذا العالم المجهول. هكذا على صعيد الإسترعاء المرئي، يمكننا أن نكون منغلقين بشكلٍ تام على هذا الشكل الفني. لذا "ما وراء مدى النظر"، الأمر يتطلّب بعض الحشرية، هل أن الإطّلاع على السيق الذي يتّبعه الفنان هو الحلّ الوحيد الذي يسمح بالولوج إلى عملٍ مجرّد في وجه رفض الصورة. دعوة إذن الى رحلةٍ قصيرة في أرضٍ مجهولة للقاء الرسّام العربي أرزقي... غالباً ما يكمن البحث في الرسم التجريدي في استخدام مختلف المواد والركائز والعمل على الألوان. ولكن عند العربي، الورق هو المادة الأساس المفضّلة مع... استعمالٍ منهجي للورق الممضوغ الذي يفبركه الفنان بيده. يلجأ العربي أيضاً إلى الزفت وذلك منذ بداية سيرته الفنيّة لإعادة خلق اللون الأسود المهيمِن على مجمل أعماله، ويستخدم الخُرَق ويديه أيضاً وكلّ ما في متناوله للصق الألوان بالورق مباشرةً. هكذا نلاحظ عند العربي رغبة في العودة إلى زمن الرسم الأوّل حيث الفنان يصنّع ركائزه بنفسه (القماش، الورق...) وألوانه (الخضاب المستخرج من المعادن الموجودة في الطبيعة والتي تُسحّق وتُمزَج بالوسائط أو الروابط كزيت الكتّان او ايضاً التربنتين. لا يقوم البحث فقط على مستوى تجسيد العمل بل ايضاً وفق حالةٍ نفسية، وأحياناً فلسفةٍ تسيطر على بلورة اللوحة. ذلك أن الفنّ التجريدي لا يقوم إلاّ عبر هذه الروحانية التي تسمح وحدها بتجسيد عملٍ يسمّى تجريدي. فعند العربي، يرتبط الاهتمام بالحاضر (...) من خلال رؤية بيولوجية للحياة وعناصرها الأربعة، الماء (ألوان مسيّلة في الماء، وجود حركات متراكزة في أعماله تذكّر بالموج)، الأرض (استخدام الزفت)، الهواء (الذي سمح بتنشيف الرسم والورق الممضوغ)، والنار (سيطرة الألوان الدافئة واستخدام النار مباشرةً على اللوحات). خلال عمله، كان العربي يدرك دائماً أن عليه الدخول في تنافسٍ مع الطبيعة، وهي عبارةٌ يقرّ بأنها مدّعية لأنّ من يقول منافسة يقول فوزٌ في النهاية على الخصم. لذا فإن العربي يُرجِع هذه الثنائية إلى أحجام صغيرة جداً، أي إلى سطح اللوحة وإلى علاقات شخصية مع الطبيعة كالاحتفاظ بأوراقٍ عادية، فقط بهدف نزعها من الطبيعة التي كانت ستستخدمها لأغراضٍ أخرى. اليونس دحماني ولد العربي أرزقي في 1955 في أيت-العزيز (ولاية بويرة، الجزائر) وهو يعيش ويعمل هناك. قام بمعارض شخصيّة كثيرة في بلده وفي أوروبا وفي الإمارات، وهو يقوم أيضاً بأعمال المخرج السينمائي والمسرحي، كما يصمّم ديكورات وصوراً لمعارض.
|