
جغرافيا سياسية > كانون الثاني/يناير > 2008جان ارنو ديرينزسنجق "نوفي بازار": مجرّد ممرّ أم ملتقى للتبادل؟
ينطوي اسم سنجق "نوفي بازار" هذا تحديداً على غرائبيّة ذات وزن. فعبارة سنجق تُشير إلى دائرة اقليمية في ظل الأمبراطورية العثمانية، فقط "نوفي بازار" تشير إلى منطقة محدّدة ولو أنّها لا تتمتّع بوحدةٍ إدارية. ففي العام 1878، حصلت الأمبراطورية النمساوية-المجرية على انتدابٍ عسكريّ على هذا السنجق، حيث كان هدف فيينا هو منع التواصل الحدودي بين صربيا و الجبل الأسود. بيد أن السنجق بقي نظرياً تحت السيادة العثمانية حتى الحروب البلقانية. وفي العام 1913، تمّ تقسيمه بين صربيا في الشمال والجبل الأسود في الجنوب. وكان يمكن لهذه المنطقة أن تتحوّل الى كيانٍ فيديراليّ تابعٍ ليوغوسلافيا، لا سيما وأن لجنة مناهضة للفاشية ومطالبة بتحرير السنجق قامت خلال الحرب العالمية الثانية. لكن ميلوفان دجيلاس المكلّف برسم الحدود الداخلية ليوغوسلافيا الجديدة اختار إعادة العمل بالتقسيم المناطقي للعام 1913، فوزّع السنجق عام 1945 على جمهوريتّي صربيا والجبل الأسود المتحدتين فيدرالياً. كان نوفي بازار لوقتٍ طويل محطّة للقوافل في البلقان، وقام ازدهار المدينة على ميولها التجارية التي تشهد عليها بصورةٍ ما مقبرةٌ يهوديّة أصابها اليوم الإهمال. وتعيش اليوم في السنجق ثلاث قوميّات: السلافيون المسلمون والذين باتوا يعرّفون عن أنفسهم بالـ"بوسنيّين" (البشناق) وهم يمثّلون حوالى 55 في المئة من سكان المنطقة الخمسمئة ألف؛ والمسيحيون الأرثوذكس الذين يعرّفون عن أنفسهم بكونهم صرباً في القسم الشمالي من السنجق، أو بين صربٍٍ أو "مونتينغريين" في قسمه الجنوبي. يشكّل السنجق ممراُ يربط كوسوفو بالبوسنة. ويرى فيه بعض المهووسين محوراً ينتظم حوله "الخطّ الأخضر" (المسلم) الذي يعبر البلقان. ولكنّ هذا التفكير يتجاهل أن المبادلات بين الشرق والغرب ضعيفة، إضافةً الى أن السكان المسلمين يتمركزون شرق السنجق (أقضية نوفي بازار، سجينيقا وتوتين في صربيا، روزاجيه في الجبل الأسود). فقد تعرّض المسلمون للتهجير من الجزء الغربي للسنجق على يد "التشيتنيك"، أي القوميين الصرب خلال الحرب العالمية الثانية. وقد سجّلت حالات تطهيرٍ عرقيّ جديدة خلال حروب التسعينات (في أقضية بلييفليا في الجبل الأسود وبريبوج في صربيا). فـ"تنظيف" وادي نهر الدرينا من سكانه المسلمين كان أحد الأهداف الدائمة للقوميين الصرب. وما تزال التوترات بين القوميات قوية فيما تحاول تيارات وهابية، هامشية ولكن نشطة، استغلال التردّد الانتمائي للمسلمين. ويشكّل السنجق ملتقى للمصالح المافياوية - فالشبكات الإجرامية الصربية ومن الجبل الأسود والبوسنية والألبانية تلتقي في نوفي بازار - لكنّه يمكن أن يعود مركزاً للمبادلات التجارية والثقافية في بلقان مسالم، مفتوح الحدود والتي يمكن أن تشمل منطقة أوروبية للسنجق.
* صحافيّ، رئيس تحرير Courrier des Balkans, الصادرة في بلغراد
من مؤلفاته مع كاترين ساماري Les conflits yougoslaves de A a Z, L’Atelier, Paris, 2000. مؤخراً نشر جان-أرنو ديرينز كتاب: Kosovo, annee zero, aux editions Paris Mediterranee. نشر مؤخراً مع لوران جيسلين كتاب
Comprendre les Balkans. Histoire, sociétés, perspectives, Non Lieu, Paris, 2007.
|