
مراجعة كتب > كانون الثاني/يناير > 2008آداب العالمجيل بوموندبلوماسيّة جنون دوريّ
السجالات الحامية التي أثارتها "الفوائد" المفترضة للاستعمار أفضت إلى نقاشٍ، مثيرٍ للاهتمام بالطبع، لكنّه وللأسف فرنسيّ داخليّ إلى حدٍّ كبير. وبينما بدا أنّ كل شيء قد قيل حول الوجود البلجيكي في إفريقيا، يوحي كتاب غي فانتيمش [1] على العكس، أن الأساسي لم يُكتَب بعد. فهو يتساءل حول نتائج المغامرة الاستعمارية الكونغولية على المعيوش الاجتماعي في بلجيكا وحول السياسة والتنمية الاقتصادية كما حول وزن بلجيكا الجيوسياسي. بعض السمات النافرة تنبعث من هذا التحليل. فبالرغم من حضوره في الخطاب الوطني الرسمي إلاّ أن الكونغو لم يحتلّ سوى مكاناً هامشياً نسبيّاً على الساحة السياسية البلجيكية الداخلية، باستثناء حين استرداد الدولة للمستعمرة الشخصيّة للملك ليوبولد خلال الحربين العالميتين، ثمّ في العام 1960 مع النهاية الدراماتيكية للاستعمار. لكن في الوقت الذي كانت تفتقد فيه بلجيكا إلى وزنٍ استراتيجيّ حقيقيّ فإنها حازت على حضورٍ دوليّ بفضل هذه المغامرة الاستعمارية. كان لهذه العملة وجهها الآخر: فبروكسيل تلقّت انتقادات منظمة الأمم المتحدة لأنّها تعامت حيال حركات التحرّر الإفريقية. فالبلجيكيّون الذين حيّرتهم صدمات الظاهرة التي لا سيطرة لهم عليها، قد سعوا، غداة الاستقلال عام 1960، إلى "تكييف السياسة الكونغولية". ومن ثم تفاهموا مع نظام موبوتو، وهم مضطرّون لاعتماد دبلوماسية يعتبر المؤلف أنّها اتسمت بالجنون الدوري. نشهد، من جهةٍ أخرى، إعادة إصدار لكتابٍ نُشر في العام 1989 لحظة احتدام الأزمة البلجيكية-الزائيرية، وهو مجموعة دراسات لجان ستنغرز [2]، رائد التاريخ الاستعماري والذي ينزَع بكلّ دقّة الأوهام عن الخرافات الذهبية والسوداء التي لا تُحصى وهي من ابتداع المدافعين كما المعارضين للاستعمار. استعيدت فصول العام 1989 دون أيّ تعديلٍ كي يتأكّد القارئ، بحسب رأي جان ستنغرز، أنّه يقرأ دراسات كتبت "في وقتها دون أفكارٍ مسبقة" من قبل مؤرّخ يهمّه فقط القيام بوظيفته. وتتناول هذه الدراسات على وجه الخصوص دور ليوبولد الثاني. وقد أُضيف إلى الطبعة الجديدة ثلاثة نصوصٍ حول الإفراط في تقدير عديد الشعب الكونغولي، ونقدٌ لكتاب آدم هوخشيلد ("أشباح الملك ليوبولد"، دار بلفون، باريس، 1998) ومقالة بعنوان "إرباكات التاريخ الاستعماري" كان ستينغرز قد نشرها عام 1979 منتقداً تراجع التعليم والبحث حول التاريخ الاستعماري في بلجيكا منذ العام 1960. يوفّر هذان الكتابان للكونغوليين مواداً ثقافية تسمح بقراءة نقديّة لكافة جوانب التاريخ الاستعماري. عليهم استخدامها بذكاء كي يتملّكوا تاريخاً، أي تاريخهم بعد أن يبعدوا عنه كل أشكال الأساطير التاريخية، إن كان مصدرها دراسات جامعيّة أم السياسيون. هكذا في خضم السجال حول موضوع "فوائد الاستعمار"، قام الرئيس جوزيف كابيلا، في شباط/فبراير 2004، بإلقاء خطابٍ أمام مجبش الشيوخ البلجيكي، حيّا فيه بحرارة طلائع المغامرة الاستعمارية في الكونغو. كتابٌ آخر ألّفه أستاذ جامعة لوفان بعد السجالات التي خلقها عرض الفيلم التلفزيوني "الملك الأبيض، المطّاط الأحمر، والموت الأسود"، لبيتر بيت حيث أدين العنف الاستعماري في عهد ليوبولد الثاني، وهو يعرض توثيقاً تاريخياً واسعاً [3]. ولكنّ الحقيقة أنّه يترك أسئلة كثيرة دون إجابة، من بينها ما جاء في العنوان: "هل كان ليوبولد الثاني ملكاً يرتكب المجازر؟". فالكاتب لا يترك للقاريء عناصر ملموسة تمكّنه من فهم المنطق المنحرف لمنظومة العنف هذه، والتي ما زال المجتمع الكونغولي يحمل آثارها.
[1] Guy Vanthemsche, La Belgique et le Congo, Nouvelle Histoire de Belgique, vol. 4, Complexe, Bruxelles, 2007, 360 pages, 19,90 euros. [2] Jean Stengers, Congo. Mythes et réalités, Racine, Bruxelles, 2005, 317 pages, 24,95 euros. [3] Michel Dumoulin, Léopold II, un roi génocidaire?, Académie royale de Belgique, Bruxelles, 2005, 122 pages, 17 euros.
|