
مراجعة كتب > كانون الثاني/يناير > 2008أدبٌ عالميّفيولان ريبولتيه المنفيّ
تشاء صدف التسميات أن يحمل ديناو منغستو الأسم نفسه لمنغستو، الكولونيل المستبد الذي حكم أثيوبيا عند منعطف الثمانينات. هرب أهل ديناو من النظام ليقيموا في الولايات المتحدة وهو في عمر السنتين. وقد جاءته فكرة هذه الرواية بمناسبة بحثٍ جامعيّ سأل خلاله أعضاء عائلته عن تاريخهم وتاريخ البلاد. شخصيته، ستيفا، غادر الحبشة غداة اعتقال والده وهو يقيم في الولايات المتحدة منذ 17 عام.وهو يتشارك المنفى مع خاله وإفريقيان مهاجران مثله، جوزف وكينيث. وقد تعارفوا بمناسبة عملهم كخدمٍ في نفس الفندق قبل أن تفترق طرقاتهم. وحده كينيث أنهى دراسته و"نجح" في أن يصبح مهندساً. هكذا تنكشِف إفريقيا كمهدٍ لذكرياتٍ قاسية عبر هذا اليأس المعاش في أميركا. فيقول جوزف: "ذكرياتنا مثل نهرٍ انفصل عن المحيط. ستنضب مع الوقت تحت أشعّة الشمس، فيما نحن نشرب ونشرب منها ولا نرتوي". تختصر أميركا بشوارع واشنطن المزدحمة، مدينة النور والصخب، لكنها نعيمٌ مستحيل. "أضحّي بكلّ شيء كي أختفي في أحد هذه الباصات، كي يبتلعني الجمهور، يبتلع وجهي وأعضائي لأختلط تماماً بهم وحيث لن يعود ممكناً التلفّظ بعبارات "أنا" و"وحيداً". يلقي ستيفا نظرةً متعاطفةً على حيّه الأسود الفقير الذي يؤمّه الشحاذون ومدمنو الكحول وبنات الهوى، شخصيات تائهة ووحيدة مثله؛ لكلٍّ هروبه، وستيفا يهرب عبر الكتب. تأتيه هذه الأخيرة بناومي، الفتاة الخلاسية الصغيرة بعمر العاشرة لتشاطره المطالعة في فترات بعد الظهر أحياناً. عندها يتوقف كلّ شيء وحتّى الزبائن عليهم أن ينتظروا. في هذا الملجأ غير المتوقع، وتحت أضواء النيون في محلّ السمانة، تختلط بشكلٍ متقطّع جوديت، الوالدة البيضاء التي جاءت لتقيم في الحيّ الذي يجري ترميمه. الأم والإبنة تدخلان على مهلٍ إلى عالم ستيفا الموحِش، في اجتذابٍ متبادل لحضورَين ونمطين من الحنان يجب اكتشافه بتؤدة. فتصبح الكتابة منيرة، كلماتها ناعمة تكشف بناءٍ هشّاً. العنوان المقتطف من "الكوميديا الإلهية" لدانته يوحي باحتمال نهاية حال التيه، لكن الأمر مؤجّل ربما. فشعور الخسارة يطغى على صورة هدايا الميلاد التي يعجز عن تقديمها أو النار التي تلتهم منزل جوديت. يخلّف ستيفا، سمّان لوغان سيركل، انطباعاً حميميّاً، شخصاً التقيناه مئة مرّة خلف صندوق دكّانه، قصةً توحي بالسفر المتعجّل والمسار المضطرب، وصولاً إلى إقامة غير ثابتة وبؤس حياةٍ عميق. قصة المنفى الكونية تجِد في هذه الرواية وجهاً إنسانياً يجسّد أخيراً كل هؤلاء "العالقين" في حياتهم.
|