مراجعة كتب > كانون الثاني/يناير > 2008

أدبٌّ عالميّ

بلانش فاندوكاستيل

انغلاقٌ مستحيل

تبدأ هذه الرواية في تشرين الثاني/نوفمبر 1993 بالتقدّم المخيف لمجموعةٍ إرهابية مسلّحة باتجاه النيل وهدفها تدمير معبد الأقصر. من بين الرجال التسعة هناك مجاهدين قدامى عائدين من أفغانستان، ورجلٌ غربيّ، جوشين "عبدالله" ساواتسكي الألماني الشاب الذي اعتنق الاسلام. وتنجح السلطات المصرية في منع وقوع الاعتداء في اللحظة الأخيرة. هكذا يعتقل عبدالله، الصامد "الذي مسّه الرحمن" في أحد السجون المصريّة. وبالرغم من التعذيب والإعدام الذي ربما ينتظره، يبقى مغلق الذهن، مقتنعاً بالمكافأة العظيمة التي تنتظره بعد الحياة الأرضية. وهكذا يواجه في زنزانته داخل السجن الفائق الحراسة، السفير الألماني المكلّف استرداده، كلاوس سيسمار، وهو رجل مريضٌ ومعذّب. وتتوالى الحوارات التي ستقود الدبلوماسي إلى دروب الضياع.

يعجز سيسمار عن أيجاد أجوبة في سياق بحثه العبثي عن تفسيرٍ عاديّ لهذا التحوّل السرّي والجذري - طفولة صعبة، خيبة غرامية، إدمان متعدّد على المخدرات - : "هل يمكن لرؤيتا العالم من قبل العلمانيين والمؤمنين أن تتباعدا بحيث لا تلتقيان أبداً؟". إذ لا يمكن لمنطق الوحي الإلهي الذي يؤمن به معتنق الديانة أن ينعكس، حتى مقابل عقلانية رجل مشبع بإيديولوجية الأنوار. وفي مواجهة هذا المأزق الذي لا خروج منه، سيعمد سيسمار إلى التوغّل في المجتمع المصري، مديراً ظهره لمعسكره الخاص، ما يبعده شيئاً فشيئاً عن مهمّته الرسمية. وبعد خيبته إثر لقائه مع الشيخ "البصل"، ممثل الإسلام المستنير، يعود إلى قراءة القرآن، يستوحي من الحسّ الشعبي وصولاً إلى ما يقوله سائقه من أن "الشيخ "البصل" يعبّر عن ما ترغب الحكومة في سماعه والحكومة تريد سماع ما هو مرغوبٌ في الصحافة الغربيّة".

ضمن هذا السرد المخاتل والجذّاب، يقطّر كريستوف بيترز أسئلة جوهرية حول أزمة عالم ما بعد الحداثة وعلاقته بالدائرة الدينية. سعيٌ خاسر سلفاً سيبدأ بالنسبة للسفير المهووس بفكرة "إدراك آليّة عمل هذه الديانة التي تجعل شباناً أذكياء يعتقدون أنفسهم قدّيسين قبل أن يتحوّلوا إلى قتلة". هذا ما سيعيد سيسمار إلى تخبّطه الشخصي يوم كان مناضلاً ضمن "الفصائل الحمراء المسلّحة" في ألمانيا الغربية، فيضيع ضمن دوارٍ يجتاح القارئ.

في المجابهة بين المنطق التدميري الصارِم للأصوليّ والحاجة الحيويّة التي تنتاب الدبلوماسي لفهم الكائن البشري، يبحث الكاتب عن أسباب انتشار "الجهاد". الاحتلال الغربي الطويل الأمد لبلدانٍ يعيش فيها العديد من المسلمين، الدعم لأنظمة استبدادية، التنمية الاقتصادية والسياسية غير المنصفة، كلّها غذّت الإسلاميين وأكسبتهم وزناً، ولكنّها كلّها أسبابٌ لا ترضي سيسمر الذي ينزع دوماً إلى مراجعة النفس. وتزيد تعقيدات الحياة الدبلوماسية والمخالفات المستمرّة التي ترتكبها السلطات المصرية بحقّ المعاهدات الدولية، من اضطراب المهمّة الموكلة اليه. التعزية الوحيدة تأتيه من العلاقات الحقيقية أو المتوهّمة مع ثلاث نساء: فرنسواز، كاتمة أسراره في سفارة فرنسا، زوجته إيناس، وأروى الخطيبة المصرية السابقة لسواتسكي والتي يخيّم ظلّها على الرواية كبداية استكانة. فحين ودّعها سواتسكي، قبل ذهابه إلى المعركة، قالت له مذكّرة: "الإسلام دين سلام".


UNE CHAMBRE AU PARADIS de Christoph Peters (traduit de l’allemand par Elisabeth Landes, Sabine Wespieser, Paris, 2007, 365 pages, 24 euros)

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان