مراجعة كتب > كانون الثاني/يناير > 2008

قراءات

جاك دوني

في باريس، بالرغم من الرقابة الروسية

معرضٌ مزعج

"بذلت المستحيل لمنع المعرض من الانتقال إلى باريس"، هذا ما يقرّ به وزير الثقافة الروسي ألكسندر سوكولوف، في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي. فهو يعتبر هذا المعرض "عاراً على روسيا" كما يعترض على الطابع الإباحي لبعض الأعمال. لكن وبالرغم من تطفّل عهد بوتين، فإن المعرض الذي قدّم في آذار/مارس 2007 في صالة تريتياكوف الموسكوفية، ها هو ينتقل فعلاً إلى باريس [1]. وبالرغم من بتره، فإن المعرض يضمّ أكثر من 150 عملاً لفنّانين ملتزمين ضد الاغتراب الجماعي: إبداعات على شكل مواقفٍ صريحة أو أعمالٍ بتلاوين ومقاربات أكثر دقّة.

ومن بين الأعمال التي أُبعدت عن عين الجمهور، هناك مثلاً ملصق تصويري يمثّل قُبلة بين جنديين وسط الثلج الروسي. وتحت عنوان "عهد الرحمة"، وبتوقيعٍ من الثنائي السيبيري "بلو نوزيس"، لم ينجح هذا العمل في اجتياز عوائق الرقابة. الأمر نفسه واجهه ملصق تصويريّ آخر، يجمع الرئيس الأوكراني فيكتور يوشتشينكو ومُلهِمة "الثورة البرتقالية" السابقة يوليا تيموتشينكو وهما شبه عراة. نموذجان عن العشرين عملاً الذين لن يتسنّى للجمهور الباريسي مشاهدتها خلال المعرض الاستعادي الذي تخصّصه في 21 تشرين الأول/أكتوبر صالة "البيت الأحمر" للـsots art (وهذه تسمية ساخرة "للاشتراكية والفنّ"، يمكن أن تعني أيضاً فنّ المهابيل).

بالرغم من هذه النواقص، يكشف المعرض عن الطابع المعاصر لهذه الحركة الثقافية. فبعد ثلاثين عام على ابتكارها، ما تزال الشعارات المربكة لـ"الاشتراكية والفنّ" تزعج الدولة الروسية التي تحتفظ خلف بريق التغيير بآثارٍ تسلّطية. هذا ما تبرهن عليه أيضاً هذه الاستعادة، التي وفي ما يتجاوز طموحها التربوي من خلال تسلسلٍ زمنيٍّ دقيق، لا تكتفي بإظهار ابتكارات هذا الفن في عصري بريجنيف وأندروبوف في الوقت الذي صدر فيه الإعلان المؤسّس عام 1974، والذي جاء فيه: "فنّ الـsots art هو اكتشاف الانتقائي والمتناقض في نفوس معاصرينا. إنه إلغاءٌ لضمانة الخوف التي نتشارك بها في مواجهة عدم الجمالية".

الخطّان الرئيسيان لهذه الحركة هما الرمز الكليّ القوة وفنّ الانحراف به دائماً. ففي مطلع السبعينات، أرسى كل من فيتالي كومار والكسندر ميلاميد أسس الـSots art على وزن "البوب آرت"، للتلاعب بصور الدعاية الجماهيرية والفنّ الرسمي، وجعلها مضحِكة وسخيفة، مع بعض لمسات السخرية المتلاعبة.

لا شك أن ورثة هذه الحركة المتعدّدة الاختصاصات وغير المنضبطة يمكنهم تبنّي هذه الأهداف. فتكفي زيارة صالاتهم الأخيرة لإدراك رؤيتهم لما بعد البريسترويكا، الفترة القصيرة التي كانت الأكثر تساهلاً مع هذه الحركة المعترضة بليونة على الأنظمة القائمة. إذ نبتسم لرؤية قمر "سبوتنيك" مرميٌّ أرضاً على وقع موسيقى سمفونية اصطناعية مع حلقات هيروغليفية وأرنبٍ أحمرٍ صريع، وهذا عملٌ للموسكوفي الشاب روستان تافازييف. ونتلذّذ بالفيديو الحدّ الأدنى لألكسندريا خليستينا، تمجيداً لفولوديا، المنقذ في مرحلة ما بعد الاستعمار، على وقع إيقاع أنغولية ناعمة-مُرّة لسانتوكاس. ونقع مع ذلك على بعض الكليبات الغريبة المكبرتة من تأليف "بلو نوزيس" حيث تلوح كراهيتهم لحرب الشيشان القذرة وشكوكهم الهازئة بهذيان محطة "سي أن أن"، لنقدّر من بعدها حقّ تقدير ثلاثيتهم الرهيبة بوتين-بوشكين-يسوع...

فنٌّ ليس فقط "جميلاً للجمال" بل سياسيّ دائماً، ينحاز للضحك، ولو أنه خلف السخرية ترتسم أغراضٌ أكثر عتامة.


* صحافيّ

[1] « Sots art. L’art politique en Russie depuis 1972 », jusqu’au 20 janvier. La Maison rouge, 10, boulevard de la Bastille, Paris 12e. Tél. : 01-40- 01-08-81.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان