
السلطة السياسية والإعلام في أوروبا > تموز/يوليو > 2008جان كلود سرجانإستقلالية مزعجة
كان للتقرير الذي رُفِعَ إلى الحكومة البريطانية في 28 كانون الثاني/يناير 2004 من قبل لجنة التحقيق برئاسة لورد هاتون، وقع الصاعقة [1]. إذ كان السيد طوني بلير قد شكّل هذه اللجنة للتحقيق في انتحار دايفيد كيلي في شهر تموز/يوليو 2003. فهذا الخبير في الأسلحة الكيميائية والجرثومية الذي يعمل لحساب وزارة الدفاع، أبلغ صحافيين من هيئة الإذاعة البريطانية (الـ"بي بي سي") عن شكوكه حول حقيقة التهديد العراقي الذي استُخدِمَ لتبرير التدخّل العسكري البريطاني. تدهورت العلاقات عندها بين الـ"بي بي سي" ورئاسة الوزراء التي، وعلى لسان المدير الإعلامي لدى رئيس الحكومة، السيد أليستر كامبل، انتقدت تشكيك "الشركة" (الكوربورايشن" Corporation كما يسمّون هذه الهيئة هناك) خلال تغطيتها العمليات في العراق. وستتحوّل هذه العداوة الكامنة إلى حربٍ مفتوحة إثر مداخلة الصحافي المتخصّص في شؤون الدفاع، اندرو غيليغان، بتاريخ 29 أيار/مايو 2003، في برنامج "اليوم" Today وهو البرنامج الإخباري الرئيسي على "راديو 4". استند غيليغان إلى مصدرٍ موثوق، تبيّن في النهاية أنّه دايفيد كيلي، ليشير إلى أنّ الملف الذي وضع في أيلول/سبتمبر 2002 بين أيدي البرلمانيين قد جرى "تبهيره" بطلبٍ من رئاسة الوزراء. ويتّهم الصحافي ضمناً رئيس الحكومة بأنّه هو الذي طلب من أجهزة المخابرات التي أعدّت الملفّ تضمينه الإشارة إلى وجود أسلحة دمارٍ شامل يمكن تفعيلها خلال 45 دقيقة. بعد الاستماع إلى 74 شاهداً من بينهم السيد بلير ووزير الدفاع والمسؤولين الكبار في أجهزة الاستخبارات، والاستير كامبل، ومسؤولي الـ"بي بي سي"، أعفت اللجنة عملياً الجهاز السياسي من أيّة مسؤولية في توفير الظروف التي دفعت دايفيد كيلي إلى وضع حدٍّ لحياته. في المقابل، أشير بأصابع الاتهام إلى الـ"بي بي سي"، وجاءت خلاصات لجنة هاتون لتدينها صراحةً: "تبيّن أن نظام الرقابة التحريرية المقرّ من قبل هيئة الإذاعة البريطانية لا يعمل كما يجب، بمعنى أنّه سمح للسيد غيليغان بمداخلةٍ على الهواء في الساعة 6,07 (29/5) دون أن يكون المسؤولون عن التحرير مطّلعين على النصّ الذي سيقرأه ودون أن يطرحوا على أنفسهم السؤال حول السماح ببثّه أم لا". بعد هذا التشكيك في احترافية الـ"بي بي سي"، لم يتوانى المسؤولون الكبار فيها عن استخلاص النتائج؛ فقام رئيس مجلس الحكّام، غافين دايفيس، في اليوم التالي لصدور التقرير، بتقديم استقالته، ليلحَقَ به بعد ساعات المدير العام غريغ دايك الذي كان حوّل الـ"بي بي سي 1" إلى أكثر المحطّات شعبيةً بين التلفزيونات العموميّة. وتمّ تكريس الأسابيع التالي للتحقيقات الداخلية وأفعال الندامة، حيث وجّه الرئيس الانتقالي لمجلس الحكّام، رسالة اعتذارٍ إلى السلطات السياسية، وإلى تطهير كلّ من تورّط في قضية غيليغان.
* أستاذ في جامعة باريس الثالثة، صاحب كتاب:
Auteur de Les Médias britanniques, Paris/Gap, Ophrys/Ploton, 2004.
[1] يمكن مراجعة تقرير هاتون على الموقع www.the-hutton-inquiry.org.uk/ .
|