السلطة السياسية والإعلام في أوروبا > تموز/يوليو > 2008

نيك دايفيز

التضليل الاعلامي فنٌّ قائمٌ بذاته

نيك دايفيز صحافي مستقل أجرى تحقيقاً حول ممارسات نظرائه. وفي كتابه "أخبار الأرض المسطّحة"(1) يصِف ويوثّق القواعد العشرة التي تسمح لأيّ محرر بطبخ "معلومة" هشّة وذلك دون مخاطرة ودون حقيقة، لكنّها تتماشى مع مبادئ التسويق: تفضيل التحقيقات المخفّفة، تفادي الاصطدام بالمؤسسات، استباق رغبات القارئ المفترَضة وتغذية الهلع الأخلاقي...

القاعدة التاسعة: المشاركة في الهستيريا الجماعية

في فترات الأزمات، يجب أن تباع الأمة صيغةً راقيةً لحالتها العاطفية الخاصة. إنّه قانونٌ لا مفرّ منه؛ والمشكّكون الذين يرفضون اللحاق بهذا القانون تتمّ مطاردتهم والتشهير بهم. تطبّق القاعدة التاسعة بدايةً في مناسبة المآتم الكبرى. فإذا كانتالأمة محزونة، فعلى الجميع أن يكونوا كذلك. هكذا! وقد بلغت الذروة عند وفاة الأميرة ديانا في آب/أغسطس 1997. فشهادات الصدمة والألم التي كانت تُبثّ على مدار الساعة وبتصاعدٍ مستمرّ كانت تضاعف الصدمة والألم، في الوقت الذي كان يُدان فيه فاقدي الإيمان بحماسة وصلت إلى حدّ محاكمة الملكة نفسها لأنّها لم تبدِ مشاعر الحزن الكافية.

يحدث أن تقوم القاعدة التاسعة بتشويه الحقيقة طالما يجب أن تكون الوقائع على مستوى المشاعر. ففي آذار/مارس 2002، أثار موت الملكة الأمّ مشاكل رهيبة. فقد حصلت الوفاة يوم السبت، فهبّت ريح الذعر على صحف يوم الأحد التي سارعت إلى التعبير عن أساها على صفحاتٍ عدّة. "الأوبزرفر"، غير المعروفة بتعاطفها مع الملكيّة، غيّرت صفحتها الأولى وبدّلت صفحاتها الإخبارية العشر الأولى بسلسلة عناوينٍ كبيرة: "الملكة الأم - كان هذا القرن قرنها"، "وفاة الملكة الأم تحرم الأمّة من جدّتها المفضّلة" و"الملايين يبكون جلالتها المحبوبة". ولكن هناك مشكلة واحدة: أنّ ذلك كله لا يصمد أمام الوقائع.

فعلى التلفزيونات أن تحلّ مشكلةً حسّاسة وهي نشاف الدمع في مآقي ملايين الأفراد. فيكون الهروب إلى الخيال. ليلة السبت، يُرسَل فريقٌ تلفزيوني على وجه السرعة إلى حيّ "وست أند" ليؤكّد هجرة ملايين المحزونين الباكين للأندية والحانات وصالات السينما، فإذا به يكتشف "وست أند" على حاله الاعتيادية. يجِد أحد الصحافيين المخرِج فيقول أمام الكاميرا أن حيّ "وست أند" يعبّر من جديد عن "روح المقاومة الشجاعة" (إقدام اللندنيين الصلب مقابل القصف الألماني في الحرب العالمية الثانية). أوضح بالتالي أن الجماهير حزينة لكن، ما العمل، على الحياة أن تستمرّ. تكرّرت الظاهرة صباح اليوم التالي أمام قصر باكنغهام. ففي غياب بحرٍ من باقات الزهر والجموع المفجوعة، اكتسبت امرأة خلاسية متقدّمة في السنّ شهرةً كبيرةً ومفاجئة في المملكة المتحدة: فلسببٍ أو آخر، كانت هذه المرأة تبكي على مقربةٍ من أبواب القصر. وقد بدأ التشهير بمقدّم أخبار الـ"بي بي سي"، بيتر سيسونز، لأنّه لم يكن يضع ربطة عنقٍ سوداء.

القاعدة التاسعة تسبّبت بعدائيةٍ أقلّ ولكن بخيالٍ أكبر عند وفاة البابا يوحنا بولس الثاني في نيسان/ابريل 2005. فبدون أي تردّد، التحقت وسائل الاعلام بالإيمان المسيحي المعتبر واقعاً. "في سلام الجنّة" كان عنوان الـ"ميل أون صانداي"، بينما أوضحت "الصانداي تلغراف" أنّ "البابا كان يملك هذه السلطة الخفيّة التي تقرّب شخصاً ما من المسيح". تزاحم الجميع على آخر كلمات البابا مع أنّهم مدركون أنّها قد صدرت عن المكتب الاعلامي للفاتيكان. فقبل أسبوعٍ على وفاته، كان الحبر الأعظم قد ظهر على نافذته وحاول التوجّه إلى المؤمنين المحتشِدين في ساحة القديس بطرس. لكنّه بسبب وهنه، عجز عن التلفّظ بأيّ كلمة. يوم الأربعاء التالي، فشِلت محاولة أخرى، وفي اليوم التالي تعرّض البابا لحادثٍ في شرايين القلب وغرِقَ في الغيبوبة عاجزاً عن التنفّس بدون انبوب دُسّ في حنجرته. لكن في ساعة موته، أي يوم السبت بعد الظهر، استعاد وعيه فجأةً وأسهب في الكلام.

روايةٌ أولى تقول بأنه همس بعبارة "آمين"، وأخرى تدّعي أنّه قال "دعوني التحق ببيت الرب". وفي صياغةٍ مؤثرة أكثر، اختارت الرواية الأخيرة أن تؤكّد نجاحه في إملاء إعلانٍ رسمي: "الحبّ هو الذي يُهدي القلوب ويُعطي السلام للبشريّة التي تبدو اليوم ضائعة، يهيمن عليها الشرّ والأنانية والخوف: ربّنا القائم من بين الأموات يعطينا حبّه المُتسامح والمُصالِح والذي يفتح القلوب مجدداً للأمل".

تحدثت مع أحد الصحافيين الذين نقلوا هذا التصريح، فكان مقتنعاً أنّ البابا لم يتلفّظ بكلمةٍ واحدة ، مضيفاً: "لدى الفاتيكان ألفَي عام من الخبرة للاستفادة على أفضل وجه من وفاة البابوات. وأنا أشكّ أن يكون قد تمكّن من قول كلامٍ متماسكٍ مثل هذا أو أن يكون نجح في قول كلمةٍ واحدةٍ أياً تكن. حاولت التشكيك بلطافة بهذه الرواية وأعتقد في كل حال أن جميع المراسلين يدركوا أن البابا على الأرجح لم يقُل شيئاً - لا أحد بيننا يصدّق". لكنّهم جميعاً سايروا الأجواء. كذلك وجدوا أنفسهم مضطّرين لوصف آلاف الأشخاص المحتشِدين في باحة القديس بطرس خلال التشييع كجمهورٍ حزين. في الواقع أن القسم الأكبر كان مكوّناً من سيّاحٍ لم يزرفوا الدمع ولا رموا الزهر كما في مأتم ديانا، بل كانوا يلتقطون الصور.


* صحافي مستقل

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان