مراجعة كتب > تموز/يوليو > 2008

قراءات

جان كريستوف سيرفان

بالضربة القاضية لكنّه صامد

ملاكمة افريقية

24 أيلول/سبتمبر 1922. مدرّج بوفالو في "مونروج". يُسقِط "مباريك فال"، المعروف بـ"باتلينغ سيكي"، من سانت لويس، 25 عاماً، في الجولة الخامسة النجم الفرنسي جورج كاربانتييه. ويصبح أوّل بطلٍ إفريقي للعالم في الملاكمة. هذا الرياضي الأسود الناجي من مذبحة الحرب العالميّة الأولى 1914-1918 ومن جبهة الداردانيل، كان قد اختطف في سنّ الثامنة من مسقط رأسه السنغال من قبل راقصة هولندية نقلته إلى مرسيليا. في اليوم التالي لانتصاره، يكتب الشاب "نغوين اي كواك" مقالة حماسية في إحدى الصحف الشيوعية الباريسية، يقول فيها: "منذ قيام الاستعمار، كان يُدفَع للبيض كي يحطّموا وجوه السود. ولمرّة واحدة دُفِعَ لأسودٍ كي يفعل الشيء نفسه بالبيض. نحن نهنّئ سيكي على انتصاره".

سيُعرَف كاتب هذه السطور لاحقاً بإسم "هو شي منه". لكن في ذلك اليوم، قبل ثلاثة أعوام على وفاة "السنغالي الفريد" في نيويورك، كانت المعركة محتدِمة بين هذا الأسود والبيض. "شامبيونزه" (مزج عنصري لكلمتَي البطل Champion والقرد الشمبانزي) ضد إيقونة ليافان (الفرنسي كاربانتيه). الأسود، بطل المضطّهدين، المدافع عن العمال المضربين والمدعوم من قلّةٍ من المثقّفين الفرنسيين، في مواجهة الميراث الوطني المدعوم من القسم الأكبر من الصحافة التي لن تتردّد باتهام الفائز بالغشّ. إنّها من أخطر ما يكشفه (إذ كان يفترض بسيكي أن يخسر هذه المباراة المدبّرة النتيجة سلفاً) هذا التحقيق المثير الذي يقوم به بالغريزة - فنحن لا نعرف عمليّاً شيئاً عن الملاكم - الصحافي جان-ماري بروتانيا [1]. رجلٌ يحبّ القارة الافريقية بقدر ما هو متعلّقٌ بالملاكمة. وهو يسكب هذه المباراة النموذجية في قالبٍ كتابيّ متحرّكٍ راقصٍ وموثّقٍ بالحبر المعكّر "للسنوات المجنونة" Années folles.

بعد 81 عاماً، لم تعُد الشعلة تحترق في نظرة الملاكم السنغالي... بل في عيون الملاكمات الكونغوليّات. نحن في كنشاسا عام 2006. تستعدّ البلاد للانتخابات الحرّة للمرة الأولى في تاريخها. جوزف كابيلا أم جان-بيير بامبا؟ هذا آخر هموم فتيات الطابق السفلي في ملعب "تاتا رافاييل" القديم في العاصمة الكونغولية - حيث كان انتصار محمّد علي عام 1974، "قد دخل عقل" مديرهنّ، جودكس - : "إذا ما صوّت لهم فسيتحوّلون إلى مغامرين"، أي إلى ساعين إلى المال. بالنسبة "لفتيات المباراة بدولارين" المهمّ هو البقاء على قيد الحياة. وما يعيد الحياة هو الفوز المرّ. حول محيط الذكور الذين يصعب عليهم فهم وجود ملاكمات، إلى درجة أنّهم يعتبرهنّ أحياناً عضوات في فرقة فولكلورية؛ وحول أزواجهن الذين لا يتردّدون بضربهنّ بقضبان الحديد وهنّ عاجزات عن تركهم؛ وحول البؤس الذي يقضي على طفل إحداهنّ. وعلى الشيخوخة. جمالٌ خشِن ولغةٌ فظّة، حياةٌ ضمن الحبال، كلّ ذلك بدل أن يخلق تباعداً، يعزّز التعاطف مع هذا الفيلم الوثائقي بلغة اللينغالا والذي يدوم 80 دقيقة [2]، وهو من توقيع الفريق الفرنسي الشاب والماهر نفسه الذي حقّق "رقصة جوبيتر" [3].

من باتلينغ سيكي إلى هيلين، وجانيت، وروزيت، وميمي وصديقاتهن... من نهر السنغال إلى نهر الكونغو، من كتابٍ إلى شريطٍ سينمائي: جولتان من المعركة نفسها التي تُخاض منذ قرنٍ من الزمن. وسط حلبة إفريقيا.


* صحافي.

[1] Jean Marie Bretagne, Battling Siki, éditions Philippe Rey, Paris, 2008, 192 pages, 16 euros.

[2] Victoire Terminus, les boxeuses de Kinshasa, de Renaud Barret et Florent de la Tullaye, Sciapode/Belle Kinoise, 90 minutes, France, 2008.

[3] رحلة إلى غيتوهات كنشاسا للقاء العديد من الموسيقيين المكافحين للخروج من العدم. وثائقي لرينو باريه وفلوران دو لا تولاي، 2004. DVD distribué par Abeille Musique ; tél. : 08-92-25-97-70 ; www.abeillemusique.com)

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان