
مراجعة كتب > تموز/يوليو > 2008قراءاتفرنسواز بارتيليميواقع الكابوس
على غرار "برازيل"، فيلم تيري جيليان الذي لا يُنسى، تدور أحداث هذه الرواية الكبيرة ذات الطابع الهذياني في مكانٍ ما جنوب الكرة الأرضية، في بلدٍ متخيّلٍ تسيطر عليه سلطةٌ قمعيّة. وفي مواجهة قوات الأمن يقف متمرّدو "العصبة اللاشرعية": اعتداءات، حرائق، عمليات اختطاف، إنتفاضات. عنف. الأمور تبدو واضحة. لكن كلّما تقدّمت القراءة كلّما تشابكت الأمور. فهل انتهت الحرب بانتصارٍ للحكومة؟ في مستهلّ الكتاب، نميل إلى اعتقاد ذلك، عندما تُطرح سياسة "ما بعد النزاع" post-conflict، تلك التي دفعت السلطات إلى إعطاء القرى القديمة أرقاماً بدل الأسماء. وهكذا، فمن زاويةٍ منسيّةٍ وسط الأدغال تُسمّى "1797"، يأتي الصبيّ اليتيم فيكتور. أرسله السكان إلى امرأةٍ معجبين بها: نورما، نجمة الإذاعة وصاحبة الصوت الموحي بالثقة. وهي تقدّم برنامج "إذاعة المدينة الضائعة" الذي يهدف إلى مساعدة مئات آلاف مجهولي الإقامة والمهجّرين واللاجئين في التواصل مع أقربائهم. هذا الموضوع عزيزٌ على قلبها لأن زوجها راي بين هؤلاء . لكن هل أن راي هذا، الذي سنكتشف أن له هويّتين وحياتين ومسكنين، كان يخفي وراء نشاطاته كباحثٍ في "الإتنولوجيا النباتية"، عمله السريّ كـ"مبعوثٍ" للعصبة اللاشرعية؟ تلك هي الحبكة التي يقدّمها المؤلف من البداية، والتي سندور حولها ألف دورة وصولاً إلى ما يبدو أنّه حقيقة ولو كانت منسوجة بالظلال. هكذا ستُغرق البنية المتشظية للسرد القارئ في آلةٍ لمزج الأزمنة وسحقها ومراكبتها، بحيث يُدفع إلى الشكّ في كلّ شيء. الحرب، هذا "الطاغية القاسي" الذي يشار إليه في كلّ صفحة كمؤشّر استحواذي، لم تدم سوى عشر سنوات كما هو مفترض، لكنها ألا تنبعِث في كل لحظة؟ "كان نهاراً خريفيّ جميل والحرب حطّت رحالها منذ ثلاثة أشهر..."، "بعد تسع سنواتٍ على بداية الحرب...". كذلك الغموض نفسه يحيط بأسبابها: "ما كانت المطالب ومتى تمّ التقدّم بها؟". والغموض مرّة أخرى بخصوص وجود العصبة. "هل هي ابتداعٌ أميركي؟". مبرّرٌ لقمع الدولة وسيطرتها على سكّانٍ خائفين؟ مع ذلك، وبفضل كتابة مكثّفة وغنيّة بالدقّة، تبدو أعمال التمرّد المديني حقيقيّة، حيث تقوم "الجبهة الرئيسية في ناحية تامويه، إلى شمال شرق العاصمة، مدينة الصفيح تلك بسكانها المليون على محازاة الطريق السريع الرئيسي". حقيقيٌّ أيضاً هو هذا السجن الكبير، حيث يخضع المعتقلون للمراقبة، بينما يقبع رؤساؤهم في زنازين تحت الأرض. حقيقيّ هو مركز التعذيب المسمّى "لالونا"، "كوكبٌ بلا أوكسجين ولا ألوان". فكيف لا نتذكّر ما حصل في أميركا اللاتينية وغيرها؟ هكذا بالاستناد إلى حقيقة الكابوس وعبر منح شخصياته كثافةً انسانيةً غريبةً، ينجح دانيال ألارسون، المؤلّف الشاب المولود في البيرو، لكنّه المترعرع في آلاباما والكاتب بالإنكليزية، في إعادة خلق عالمٍ يراه محروماً من الأمل.
* .صحافية
|