
مراجعة كتب > تموز/يوليو > 2008قراءاتناتالي كاريهمصائر نيجيرية
نيجيريا في السبعينات من القرن الماضي: يلهو توأمان متمرّدان، مامو ولامامو على تلال قرية "كيتي"، ويتشاركان في ألف تجربة، إذ يكرهان والدهما - زير النساء الذي يحمّلونه مسؤولية موت والدتهما - ويحلمان بالمغامرة وبالمجد. ويكتبان ايضاً، مامو أوّلاً، لائحة أولويات حياتهما: إكره الوالد، إخدع الموت وكن مشهوراً. ذلك أن مامو، المصاب كوالدته بفقر الدم المزمِن، يعرف أنّه لن يعيش طويلاً. وتأتي عودة العمّ هارونا كشبحٍ لنزاع بيافرا والمحاط ببعض الهالة، بالرغم من حياته الممزقة إرباً، لتقنع التوأمان نهائيّاً أن عليهما الالتزام في النضال لقطف ثمار المجد. ولكنّ هذه النضالات ستأخذ أوجهاً مختلفة، لأنّه بينما تمكّن لامامو من الفرار خارج البلاد للانخراط بالتمرّدين، عجز مامو عن اللحاق به بسبب أزمة حادّة أقعدته. هكذا ستأخذ المصائر المتكاملة للمراهقَين المتقاربَين دروباً متباعدة ولو أن التواطؤ - والشوق الناجم عن الفراق - قد بقي كما هو. فيشارك لامامو في النزاعات التي تدمي القارة الافريقية: تشاد، تمرّد الطوارق في مالي، الحرب الأهلية في ليبيريا... أمّا "مامو"، الذي صار مدرّساً، فقد بقي في القرية وعاش جسدياً تقريباً تجربة الزمن الذي يسير بين الانتظار والضجر: "كان ينتظر شيئاً ما، أيّ شيء يحدث؛ وفي هذه الأثناء، يقيس مرور الوقت من خلال الأظلال المنعكسة من الأشجار ومن الجدران، وبفضل الصمت بين وقع الخطوة والخطوة، بين وحيٍ ووحي، على مرّ الثواني، والدقائق، والساعات والأيام التي تتجمع لتكوّن الفصول". فإذا كان شقيقه "يصنع" في الطرف الآخر التاريخ و"يعيشه"، فهو يكتبه. هكذا يرسم هيلون هابيلا ببراعةٍ جميلة ودون تنميط، مصائر فرديّة في سيرورتها (التوأمان مامو ولامامو، العمّ إيليا المدافع المتحمّس عن التعليم...) ليكتب تاريخ قريةٍ عادية: المعركة من أجل بقاء المدرسة، وصول التيار الكهربائي، الفساد شبه "العادي"، الانتخابات المزوّرة، تحديات السلطة، الأموال المسلوبة... لكنه في هذا السياق يجول بصورة واسعة القارة الافريقية بآمالها ونضالاتها وخارطة نزاعاتها... ذلك أن المصائر الفردية ووجه القارة مرتبطان بشكلٍ وثيق، كما يشير إليه مامو بعد أن يقرّر كتابة قصّة قريته باعتبار أن "على التاريخ الحقيقي أن يهتمّ لحياة كل فردٍ من الأفراد العاديين الذين يعملون بكدٍّ ويحلمون ويعانون ويتحمّلون أكبر الأثقال التي يرميها العصر فوق كاهل الأمة"، وأنّه "إذا تمكّن المؤرّخ من التقاط هذه الحيوات، بما فيها الذكريات العائلية، فإنّه سيقترب من كتابة "السيرة التاريخية" للأمّة - لأننا عندما نتحدّث عن الأمة فإننا نشير بالضرورة إلى سكانها وبالتالي فليس تاريخ الأمة سوى تاريخ هؤلاء الناس". وفي ما يتجاوز التأمّل التاريخي، تقدّم الرواية رؤية شبه فلسفية للزمن والذاكرة وعودة الذكريات. ألا يتمّ قياس الوقت بحسب ذكريات طفولة كلّ فرد، في هذا العمر الرائع حيث كل لحظة هي اكتمال؟ "لكن جنّة الحب الطفولي الخضراء..." يرنّ بيت الشعر لبودلير هذا مقابل العديد من المقاطع المفعمة بذاكرة شاعرية لا تصدّق، كما تدلّ عليها صفحات الكتاب الأخيرة حيث التداخل الرائع لماضٍ يحيا في الحاضر، لاغياً المسافات ومؤكّداً قول مامو: "العالم جديد اليوم كما في اليوم الأول للخلق، ولا قحط بل وفرة في الأشياء التي يمكن قولها".
|