مراجعة كتب > تموز/يوليو > 2008

ابراهيم ورده

جون ماك كاين، العائد

بين المراوغات السياسيّة والصفقات

بدا السيد جون ماك كاين متعثّراً عند انطلاق الانتخابات الأوليّة داخل الحزب الجمهوري. ولكن مع أنّه كان متخلّفاً في استفتاءات الرأي وراء المفضّلين للفوز، رودولف جولياني وميت رومني، فقد كان يحوز على ورقةٍ رابحةٍ رئيسيّة: دعم وسائل الإعلام التي قدّمته باعتباره المرشّح الوحيد المقنِع، ورسمت عنه صورةً إيجابية جداً. فكيف نجح المرشّح الجمهوري في كسب ودّ الصحافيين الذين يصنعون الرأي العام؟

بدأ كل شيء في نهاية الثمانينات مع قضية "الكيتنغ الخمسة" - الأعضاء الخمسة في مجلس الشيوخ، ومنهم السيّد ماك كاين، المتهمين بالفساد في فضيحة صناديق الإدّخار. فمن أجل استعادة عذريّته السياسية، سعى ممثل ولاية أريزونا في مجلس الشيوخ، والذي أتى إلى السياسة بعد خمسة أعوامٍ أمضاها في المعتقلات الفيتنامية الشمالية، إلى استمالة أكثر الصحافيين نفوذاً. أمّا طريقته فقامت على أنّه جاهزٌ دائماً، وكذلك على الظهور بمظهر البراءة وإدخالهم إلى حميميّته وخصوصاً مديحهم [1]. وما أثار الإعجاب كان خطابه عن سيرته الذاتية القائم على موضوع الخلاص المحبّب (المحبّب لدى معاقري الخمرة التائبين مثلاً) [2].

هكذا ولدت أسطورة "المافريك" maverick - وهو الاسم الذي يعطى في الغرب الأميركي للعجول غير المدموغة التي تعيش خارج القطيع - الخاصّة بهذا الرجل السياسيّ المتمرّد، خارج المعايير. هكذا يحاول الصحافي مات ويلش تفكيك الأسطورة الميثولوجيّة المحيطة بهذا العائد البالغ من العمر 71 عاماً. هذا المناضل من أجل تنقية الحياة السياسية، ولا ينفكّ ينتقد المصالح الخاصة وهو مستمرٌّ في الاستفادة من كرمها. إذ أنّ راعي البقر الطالع من الشعب هذا هو في الواقع نتاجٌ صافٍ للنخبة الحاكمة: إبن وحفيد أميرال، ترعرع في واشنطن وتزوّج (ثانيةً) من وريثةٍ شابّة وغنيّة.

مراوغاته وتغيير مواقفه وتورّطه تكذّب صورة استقلاليّته وحريّته وصراحة خطابه وفكرة الرجل المستعدّ للتضحية بمصيره السياسي من أجل مبادئه. فهذا الذي هاجم بعنف اليمين المسيحي عاد وتراجع دون الشعور بالمهانة. وبعد علاقات سيّئة جداً مع جورج والكر بوش (وقد لا يكون اقترع له في العام 2000) وحتّى التفكير بالانتقال إلى المعسكر الديموقراطي، انتهى به الأمر للاصطفاف خلف كافّة مواقف الرئيس الحالي تقريباً (خصوصاً فيما يتعلّق بالعراق) كي يطرح نفسه خليفةً له. على هذا الصعيد، قد تحدّد "سيرة" البطل برنامجه السياسي، في حال انتخابه. ذلك أنّ "رافع المظالم" هذا القريب جداً من المجمّع الصناعي-العسكري، قد سبق وأعلن استعداده للبقاء "مئة عام في العراق" ومهاجمة إيران وطرد روسيا من مجموعة الثمانية الكبار [3].


* أستاذ مساعد في جامعة "تافتز" (مدفورد، ماساتشوستس، الولايات المتحدة). من مؤلفاته: Propagande impériale & guerre financière contre le terrorisme, Agone - Le Monde diplomatique, Marseille-Paris, 2007. The Financial War on Terror, I.B. Tauris, Londres, 2005.

[1] David Brock et Paul Waldman, Free Ride: John McCain and the Media, Anchor 2008, 240 pages, $13.95.

[2] Matt Welch, McCain: The Myth of a Maverick, Palgrave McMillan, New York 2007, 256 pages, $27.95.

[3] Serge Halimi, “Les projets très impériaux du sénateur John McCain”, http://www.monde-diplomatique.fr/ca...

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان