سينما وكتب > شباط/فبراير > 2009

قراءات

دومينيك فيدال

غوبلز وهيدريك

في قلب الآلة النازية

من أجل تحليل نظامٍ مثل النازية طالما قام عمل آليّاته على شخصيّة كبار قادته، يشكّل أدب السيرة مفتاحاً رئيسياً. رأينا ذلك مع كتاب "هتلر" للكاتب إيان كيرشو [1] الذي يقدّم من دون شك، بصفحاته الـ2789، المقاربة الأكثر شمولاً واكتمالاً للرايخ الثالث. لكن كلّ السير لا تتساوى. فبعضها يخطّ أساساً مصيراً فرديّاً تدرجه ضمن السياق الجماعي في زمنه. وعلى العكس، تتخصّص السير الأخرى في هذا السياق أساساً باعتبار أنّ الشخصية المعنيّة ليست سوى مفتاح لدخول الأبواب.

كتاب "غوبلز" [2] للمشارك في صحيفتنا ليونيل ريشار ينتَمي الى الفئة الأولى. فإذا كان قارئ الفرنسية قد بات قادراً على الوصول تقريباً إلى كامل "يوميّاته" بين 1932 و1945 [3] فإن المؤلّفات المكرّسة لملهم الدعاية النازية نادرة جداً بالفرنسية. بالطبع، صفحة بعد صفحة، يسجّل المؤلف "فنّ" غوبلز في تحريك الجماهير: تنظيم التجمّعات الضخمة والاستعراضات، والاستخدام الواسع للإذاعة وتسخير السينما، إلخ. لكنه يسرد أيضاً وبدقّة كبيرة مسيرة هذا البرجوازي الامتثالي الشاب، المولود ضمن عائلة من الفلاّحين الذين أصابهم الإثراء، المعاق والمكتئب، والفاشل حتّى لقائه بالحركة القومية-الاشتراكية.

فبعيداً عن الانتهازية التي كشفها البعض في سلوكه، سيكرّس الرجل، انطلاقاً من عمق قناعاته القوميّة والمناهضة للشيوعية والساميّين، حياته للفوهرر الذي سيجعل منه أحد أعمدة نظامه بعد هينزيش هيملر وهيرمان غورينغ. يصف المؤرّخ ببراعة كيف تجذّر هذا الكادر الكبير ضمن الإيديولوجية التي سجن نفسه فيها، مع توالي هزائم الجيش الألماني Wehrmacht. ففي الأوّل من أيار/مايو 1945، غداة انتحار هتلر، فضّل قتل أولاده قبل أن ينتحر مع زوجته في مخبأ رئاسة الحكومة بدل الوقوع بين أيدي السوفييت. هل كان لديه شعورٌ مسبق؟ حين كتب عن معبوده مقالاً قبل أحد عشر سنة جاء فيه: "لقد دعانا إلى تعلّم وفاء الفروسية الألمانية القديم؛ وهذا ما نودّ الاحتفاظ به تجاهه حتّى النصر، أو حتى الغرق".

مؤلف إدوار هوسون الكبير، "هايدريش أو الحلّ النهائي" [4] يهتمّ خصوصاً بالقسم الثاني من العنوان. صحيحٌ أنّه بعد فترة شبابٍ برجوازية دون مشاكل، ترتبط حياة من وضعه هيملر في إيلول/سبتمبر 1939 على رأس "المكتب المركزي للأمن" مع "إنجازه الكبير"، أي مشروع الإبادة النازية. ويشكّل هذا الكتاب الهام أكثر من سيرة، فهو مرحلة جديدة في سعي المؤرخ الشاب: إدراكٌ لماذا ومتى وكيف: فبعد المرضى النفسيين والمثقّفين البولونيين والكوادر السوفيتية، عمد الرايخ الثالث إلى إبادة اليهود.

في كتابه السابق [5]، كان هوسون قد اقترح "روزنامة" جديدة للمذبحة اليهودية تقوم على القناعة بأنّ القرار بحدّ ذاته يعود إلى تشرين الثاني/نوفمبر 1941. وهو هنا يدعّم أطروحته بعددٍ كبيرٍ من الوثائق، إضافةً إلى إعادة قراءة مضيئة على الوقائع المسجّلة لمؤتمر فانسيه Wannsee في كانون الثاني/يناير 1942، يبرهن فيها أن قسماً كبيراً من الأمر قد كتب قبل الهجوم النازي على الاتحاد السوفيتي. إذ توضّح هذه المقاربة التجديدية كيف أنّه بعد أن تمّ التخلّي عن خطّة "مدغشقر" ومشروع "المحميّة اليهودية في سيبيريا" بسبب الهزائم العسكرية الألمانية، تحوّلت "المحرقة بطلقات الرصاص" إلى عملية إبادة صناعية بواسطة الغاز.

نشير أخيراً إلى الكتاب المجدّد لأنتونيلا سالاموني [6] التي تغوص في المحفوظات الموضوعة مؤخّراً بتصرّف الجمهور، كي تقدّم أوّل تحليلٍ شامل للمذبحة اليهودية التي دبّرتها قوات الصاعقة الألمانية Einsatzgruppen SS في الاتحاد السوفيتي، وتسلّط الضوء ايضا على تردّد الكرملين عن الاعتراف بخصوصيتها. بعد سبعين عاماً، ما زال موقع "بابي يار" ينتظر النصب التذكاري الرامز إلى إبادة النازيين لما بين مليونين وثلاثة ملايين يهوديٍّ سوفيتي...


[1] Ian Kershaw, Hitler, deux vol., Fayard, Paris, 2000. ويقدّم الناشر منذ أيلول/سبتمبر 2008 نسخة مختصرة من هذا العمل بكتابٍ من... 1200 صفحة.

[2] Lionel Richard, Goebbels. Portrait d’un manipulateur, André Versaille éditeur, Bruxelles, 2008, 278 pages, 19 euros.

[3] Trois volumes chez Taillandier, Paris, 2006 et 2007.

[4] Edouard Husson, Heydrich et la solution finale, Perrin, Paris, 2008, 484 pages, 25 euros.

[5] « Nous pouvons vivre sans les juifs ». Novembre 1951. Quand et comment ils ont décidé la solution finale, Perrin, Paris, 2005.

[6] Antonella Salomoni, L’Union soviétique et la Shoah, La Découverte, Paris, 2008, 339 pages, 25 euros.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان