العالم العربي والإسلامي > نيسان/إبريل > 2009

خاصّ النشرة العربيّة

آلان غريش

تبدّل الأزمنة: الإنسانيّ بديلاً للسياسي

إلى ما يرمز اسم فلسطين؟

في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، احتلّت فيتنام وجنوب إفريقيا موقعاً خاصاً في العلاقات الدولية، تخطّى الحدود والحواجز ليرمز إلى نضال جيلٍ بأكمله. فابتداءً من الستينات، كانت حرب فيتنام نقطة التقاطع لحركتين: الثورات الوطنية التي ستطيح بالإمبراطوريات التي شيّدتها، بشكلٍ خاص، المملكة المتحدة وفرنسا؛ والتوجّه نحو الاشتراكية والتحوّلات الاجتماعية العميقة. وسوف تجسّد هذه الحرب "المقاومة البطولية" لأمّةٍ صغيرة ضد القوّة الرئيسية في العالم، الولايات المتحدة، التي كانت تحاول فرض هيمنتها على المستوى الدولي. وقد رمز الشعب الفيتنامي الصغير إلى ثورة المعذّبين في الارض؛ وكان الرأي العام، بما فيه الشمالي، يعتبر المقاومة المسلّحة خياراً شرعيّاً وليس إرهاباً.

كذلك، تكثّف التضامن ضد التمييز العنصري في جنوب إفريقيا خلال الثمانينات. وأكثر ما شنّع هذا النظام عاملان أساسيّان: العنصرية المؤسّساتية (نظام الأبارتايد) وطابعه الاستعماري. وبقيت المواجهة بين الشرق والغرب حاضرة، لأن الاتحاد السوفياتي لم يخفِ تأييده للمؤتمر الوطني الافريقي (ANC)؛ في حين كان عددٌ من الدول الغربية، من بينها الولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة المتحدة وإسرائيل، يتعاونون مع نظام التمييز العنصري، رغم إداناتهم المبدئية. وكان نضال المؤتمر الوطني الافريقي والسيد نيلسون مانديلا، الذي اعتبر "إرهابياً" بنظر رونالد ريغان والسيدة مارغريت تاتشر، يجسّد التوق إلى المساواة الإنسانية وإلى مجتمع "قوس قزح" العدالة.

منذ 1975، ومع انتصار الشعب الفيتنامي، بدأ انحسار حركات التضامن السياسية. وبدأنا نشهد نزع التسييس عنها: فقد حلّت منظمة "أطباء بلا حدود" مكان الألوية الأممية (المتضامنين بالسلاح مع قضايا التحرّر في العالم)، والضحايا مكان المقاومين، وأُحلَّ الانساني محلّ السياسي، واعتُبر الكفاح المسلح إرهاباً. ارتكز هذا التطوّر، بالتأكيد، إلى الخيبات التي رافقت المعركة ضد الاستعمار وموجة الاستقلال: إذ لا يوصِل كل نضالٍ إلى العدالة؛ فاستخدام النضال المسلح ليس مُحرِّراً بحدّ ذاته؛ إذ بإمكانه أن يؤدّي إلى أشكالٍ من الأنظمة السلطوية وغير الديمقراطية؛ وحتّى مناضلو الحرية يمكنهم أن يتحوّلوا إلى دكتاتوريين طغاة. ولكنّ تجربة جنوب إفريقيا قد أظهرت بأن إرادة التغيير الثوري ليست بالضرورة مرادفةً لنظام الـ"غولاغ".


حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان