أفكار > نيسان/إبريل > 2009

ماتيو أونيل

"ويكيبيديا" أو نهاية زمن الخبرة؟

تجديد الثقافة الشعبيّة

اتّهمت وكالة الإعلان الفرنسية "يورو أر أس سي جي" (Euro RSCG) في بيانٍ لها في يونيو/حزيران الماضي موقع ويكيبيديا "بالحضّ من صورة شركات مؤشّر البورصة الفرنسية الكبرى CAC40" وإلحاق الضرر "بقيمة علاماتها الفارقة". إذ رمزاً لنجاح المعلومات غير المؤسساتيّة، أضحت دائرة المعارف التشاركيّة هذه على شبكة الانترنت تظهر في أولى النتائج على محرّكات البحث. بحيث يقوم نموذج عملها، وإن لم يكُن بدون ثغرات، على قواعد أكثر تعقيداً ممّا يمكن أن نعتقده للوهلة الأولى.

الانترنت اخترعها "الهاكرز" [1]، وهم شباب طلاب كليات الهندسة المعلوماتية المتأثّرون بالثقافة المضادّة، وبالتالي الخارجون على الأشكال التقليدية للسلطة والتراتبية [2]. فالقيمة الوحيدة المقبولة في نظرهم كانت المهارة التقنية التي يعترف بها لهم أقرانهم بكلّ استقلالية. وأكثر من ذلك، لقد اكتسب مفهوم الخبرة المستقلّة مزيداً من الأهميّة مع تطوّر البرمجيّات الالكترونية الحرّة، وهو مجالٌ لا تأخذ فيه المكافآت شكلاً مادّياً بل معنويّاً. واليوم جاء فتح باب الإنتاج المستقلّ على الشبكة لغير "الهاكرز"، أي على الـ"ويب2.0 " [3]، ليقلب المفهوم التقليدي للخبرة مع نتائجٍ قد تكون أحياناً مغيظة؛ لكنها تفتح أيضاً إمكانيات جديدة للالتزام السياسي.

وتتحقّق المشاريع المعاصرة على الشبكة في مواجهة مع الممسكين التقليديين بالسلطة. فعلى غرار البرمجيّات الإلكترونيّة، يجري إنتاج المعلومات بشكلٍ مستقلٍّ عن أجهزة الدولة أو المؤسسات التجارية. ففي المدوّنات" weblogs" والويكيّات "wikis" [4]، لا يمنح الاحترام والمسؤوليات إلى المشاركين من مشروعية الانتماء المهنيّ لإحدى المؤسسات، بل ينبُع هذا الاحترام كلّياً من نوعيّة العمل المنجَز. فعلى "ويكيبيديا"، دائرة المعارف المجانيّة التي يعدّها مستخدموها، يصنّف المحرّرون على أساس عدد مساهماتهم ونوعيّة المقالات التي عملوا عليها، وعلى سائر المعايير الأخرى التي يمكن إحصاؤها كمّياً.

كما يتّخذ رفض المفهوم الكلاسيكي للخبرة شكلاً ثانياً على الانترنت. فكيف يمكن التمييز بين الغثّ والثمين على النظام الرقمي، إذا كان بإمكان الجميع أن يعبّروا عن نفسهم، مع انعدام الشرعية المسبقة للكلّ؟ هناك حلّ، بالنسبة للشغوفين بالبرمجيّات الحرّة على "سلاش دوت" slashdot، وكذلك بالنسبة إلى عملاقَي التجارة الإلكترونيّة "أمازون" Amazone و"إي بي" e-bay، وهو قياس عدد استشارات مستخدمي الانترنت للصفحات كمّياً. وهذا ما ينطبق أيضاً على "وسائل الإعلام الاجتماعية" التي تسمح بحفظ المعلومات والتشارك بها جماعياً، من مثل "رديت Reddit" و"ديغ Digg"، وبالتأكيد بالنسبة إلى خوارزميّة ترتيب الموقع على شبكة الانترنت "بيج رانك PageRank" التي تُنتِج ترتيب الظهور على صفحات "غوغل" Google. فـ"ذكاء الجماهير"، أي التجميع الآلي لمجموع الخيارات الفرديّة المتعدّدة، يحقّق بطريقةٍ شبه سحريّة النتيجة المثلى [5]. أقلّه، هذا ما يفترض به أن يحدُث.

وتساهم الموسوعة الحرة "ويكيبيديا" في هذا الإيمان أنّ الجمهور يصحّح العلم؛ ويستخدم للتعبير عن ذلك مفهوم "فكر خليّة النحل" [6]. وكلمة wiki تعني "السريع" في لغة سكّان هاواي، ومبدأ الـ"ويكي" هو أن أياً كان يمكنه أن يخلق صفحةً على الموقع، وأن يعدّل صفحة موجودة، وأن يغيّر تنظيم الموقِع مثلاً عبر خلق وصلات مع مواقع أخرى. فالمؤلّفون الذين يتمّ تسجيلهم على الموقع، حتّى تحت أسماء مستعارة، يمكنهم أن يصنَعوا صفحتهم الخاصّة التي تحصي أعمالهم وعلامات التقدير التي حصلوا عليها من أقرانهم؛ ويمكن أن تصبح هذه الصفحة أيضاً وسيلةً للتراسل بالنسبة إليهم. كما يمكنهم أن يتابعوا التعديلات اللاحقة بالمقالات التي تهمّهم عبر إنشاء "قائمة المراقبة (أو المتابعة)watch list ".

وبما أنّ نظام إدارة المحتوى مزوّد بآلية حفظ فريدة للمعلومات، فإن كلّ تعديل يلحق بصفحةٍ يولّد نسخةً جديدة لها و"يؤرشِف" السابقة. وهذا ما يسمح بالتدقيق في تاريخ تطوّر الصفحات أو بالعودة بسهولة إلى الصيغة السابقة في حال طرأت أيّة مشكلة. والنتيجة هي عملية توسيع ضخمة للمضامين. في حين تشكّل صفحات التداول (أو صفحات النقاش) (talk pages) الجانب الخفيّ فيها؛ إذ بإمكان المحرّرين أن يتناقشوا عبرها في مضمون المقالات والسياسة العامّة للموقع. ولا تحمل المقالات أبداً توقيعاً بعكس المداولات على صفحات النقاش.

يفترِض نموذج تطوّر موقع ويكيبيديا، الذي أسماه أستاذ القانون الإسرائيلي يوحاي بانكلر "الإنتاج الجماعي على يد الأقران" (peer production)، استقلاليةً كبيرة من قبل المشاركين الذي يحدّدون توزيع المسؤوليات بينهم ذاتيّاً. صحيحٌ أن بعضهم قد ينخدِع، أو يخدَع الآخرين في ما يخصّ كفاءاتهم الفعلية؛ إلا أنّ بنكلر يعتبِر الرقابة القائمة من قبل الأقران أو المعدّل الإحصائي (إذا كان عدد المشاركين مرتفعاً بالشكل الكافي) سوف تكون كافية من أجل ضبط التقديرات الذاتية المغلوطة [7]. إذ أنّ هذا الإنتاج الجماهيري، الذي يرتكز على التواصل من ندٍّ إلى ندّ، يتعارض مع موقع صاحب الخبرة المنعزل. فقد صرّح مؤسّس الويكبيديا، جيمي وايلز، في حزيران/يونيو عام 2008، أن أيّ موسوعة (دائرة معارف) مفتوحة تتطلّب "دقةً استثنائيةً في التفكير"، وذلك لأنّه بعكس "واضعي دوائر المعارف التراتبيّة التقليدية المرتاحين"، فإنّ الناس العاملين على المشاريع المفتوحة معرّضون "للاتصالات والاعتراضات إذا اعتمدوا حججاً سيّئة أو بنوا خلاصاتهم على أفكارٍ أوّلية مغلوطة" [8].

وبعبارةٍ أخرى، لم يعد التدقيق يتجسّد، على ويكيبيديا، في "شخصٍ فرد" بل في "آليّة"، في مراكمة عدّة وجهات نظر، وفي "حكمة الجمهور". ولذا يجب تشجيع المساهمات في مسودات المقالات؛ إذ يمكنها، مع القليل من العمل الجماعي أن تتحوّل إلى لؤلؤة في عقد المعارف. مفتاح النجاح إذن هو في جلب المتطوّعين؛ ولكي تكون الأعداد كبيرة وثابتة يجب وبأيّ ثمن أن تكون التجربة الويكيبيدية "مسلّية" وبديهية، في مبادئها الأساسيّة: "يمكنك أن تراجع هذه الصفحة على الفور". ومن منافع نموذج التطوير هذا: هو أن المشاريع قادرة على أن تتحسّن بسرعةٍ قصوى. وتقتضي "حكمة الجمهور" أنه كلّما زاد عدد المشاركين، كلّما تحسّنت النوعية. وقد تمّ التحقق من هذه المسلّمة حسّياً: فبمجرّد الرجوع إلى أحد مقالات ويكيبيديا في وسائل الاعلام، يتمّ اجتذاب أناس جدد وترفع النوعية [9].

"إمكانيّة التحقّق" بدلاً من "الحقيقة"

أمّا المعيار الرسمي لتحديد ما هو موسوعيّ وتحديد المواضيع التي تستحقّ فعلاً أن تدخل في المشروع: فهو "الشهرة". ومثال خبراء وسائل الإعلام الجديدة، أساتذة الاتصالات، معبّرٌ في هذا المجال. فجيسون ميتل، الأستاذ في الـ"ميدلبوري كولدج"، هو موضوع صفحةٍ على الويكيبيديا، حاول دون جدوى أن يعمل على محوها، لأنّه "لا يرى نفسه مشهوراً كفايةً"!. لكن لماذا يشكّل جيسون ميتل وألكساندر هالافيه (الأستاذ في جامعة كوينيبياك) موضوعا صفحتين على الويكيبيديا، بينما لا يؤتى على ذكر بعض الجامعيين الأميركيين من مثل ستيف جونز أو سوزان هيرينغ، وهما موضوعيّاً أكثر شهرةً، لأنّهما نشرا عدداً من الكتب أو المقالات المؤثّرة، وفوق ذلك كلّه، هما مسؤولان عن أبرز المجلاّت الجامعية في مجال عملهما؟ هناك، بحسب ألكساندر هالافيه، سببين يفسّران ورود اسمه في الويكيبيديا: الأول أنّه قام، في العام 2006، بمداخلة في "ويكيمانيا"، أي المؤتمر السنوي لويكيبيديا؛ ثم بسبب التجربة التي قام بها حيث عمل على إدخال معلومات مغلوطة عمداً على ثلاثة عشر مقالاً على ويكيبيديا، وانتظر ليكتشف كم من الوقت يحتاج الأمر لتصحيحها [10].

تبدو إذن عملية الضمّ إلى الموسوعة رهناً بمعايير ذاتيّة بأقلّ تقدير. وهذا ما يوافق عليه جيسون ميتل، فالشهرة هي قيمة نسبيّة أكثر مما تؤكّده مجموعة "الويكيبيديين"؛ لأنها كلّياً رهن "رأي أحد المحرّرين وحكمه، وخصوصاً بالنسبة إلى الصفحات الهامشية كالتي ورد اسمي فيها". وكثيرٌ من المحرّرين البؤساء محيَتْ صفحاتهم بسبب هذا الحكم المبرم: "نقص الشهرة".

وبعد مسألة إنزال المقالات، يأتي الصراع بين الآراء ليعصِف بالمشروع. فهل "التايكواندو" مثلاً فنٌّ قتالي كوريّ أصيل أم أنّه مشتقٌّ من الفنون القتالية اليابانية؟ وهل تركيا تنتمي إلى أوروبا أم إلى الشرق؟ فهذه المسائل، والكثير غيرها، تتطلّب وقتاً قبل أن تحلّ، وأحياناً سنوات. وبالتالي فإنّ على المشاركين في الويكيبيديا أن يحترِموا تشكيلةً واسعة من الإجراءات "الديموقراطية" وقواعد التهذيب. وبما أن معظم المتنافسين هم بأسماءٍ مستعارة، يُفترض بنوعيّة الحجج وحدها أن يكون لها الغلبة. ومع ذلك يمكن إفتراض أن هناك عوامل أخرى تلعب دوراً لا بأس به. فكرانسكي، وهو محرّرٌ ضليع، يؤكّد أن الصفة الأساسية بالنسبة إلى المشارك في الويكيبيديا هي أن يتحلّى بالصبر: "فحين يقع خلاف، وعندما يكرّر الناس أخطاءهم، يجب أن نأخذ وقتاً لكي نشرح لهم قوانيننا؛ وبشكلٍ عام تصطلح كلّ الأمور".

ومن الواضح أن المشاركين الأكثر مراساً في الويكيبيديا أو الذي يتقنون المفردات الخاصّة والإجراءات هم الذين يفوزون باللعبة، مثبّطين عزيمة خصومهم. أضِف أنّه وبالرغم من أخلاقية المساواة التي يفرضها المشروع، فقد يستعين بعض المحرّرين بكفاءاتٍ أو بعناوين كتابات خارجية. فالعمل الدؤوب الذي تمتّع به "إسجايEssjay " هو الذي ساعده للوصول إلى جميع مستويات المسؤولية المتواجدة على ويكيبيديا. وقد كان ذا اعتبارٍ كبير، لدرجة أنّه تقدّم على غيره لكي تُجرى معه مقابلة من أجل نشر مقالة حول هذه الموسوعة في مجلّةٍ متميّزة مثل The New Yorker . كما اقترح عليه أن يتولّى منصب "مدير جماعة" (Community Manager) داخل ويكيا wikia، وهي منظمة ربحيّة أطلقها في العام 2004 جيمي وايلز.

لكنّ هذا العرض قضى عليه: فالسيرة الذاتية التي انزلها "إسجاي" على ويكيا لم يكن لها أي علاقة مع الصورة التي قدّمها عنه المشاركون في الويكيبيديا أو محرّرو "النيويوركر". فقد تبيّن أنّه لم يكُن في الواقع أستاذاً في الدراسات الدينية حائزاً على الدكتوراه في القانون والفلسفة، بل هو شابٌ في الرابعة والعشرين لم يحصِّل أيّ شهادة، علماً أن إسجاي كثيراً ما كان يتذرّع بوضعه كمتخصِّص لكي يربح الجولة على منافسيه. ففي أحد النقاشات حول استعمال عبارة "إجازة الطبع imprimatur " في المذهب الكاثوليكي مثلاً، راح صاحبنا هذا يدافع عن اعتماده كتاب "الكاثوليكيّة للأغبياءCatholicism for Dummies" [11] قائلاً: "أطلب دائماً من طلاّبي أن يقرؤوا هذا الكتاب، وأنا أرهن مرتبتي كحامل دكتوراة دفاعاً عن مصداقيّته" [12]. وعندما اكتشف أمره، أوضح إسجاي أنه اخترع هذه الهوية المزيّفة بهدف حماية نفسه من المضطربين نفسياً الذين يتدخّلون على الانترنت، ثم اضطرّ إلى الخروج من ويكيا ومن ويكيبيديا.

وفي هجاءٍ ساخر مناهض للويب 2.0، يندّد أندرو كين بتقديس العصر لذلك "الهاوي النبيل"؛ فهو يراه خطيراً بقدر ما هو جاهل؛ وذلك لأن المدوّنات والويكيز يفتِكون بوسائل الإعلام والناشرين الذين يصدرون المضامين "المجمّعة" من تلك التي تنتجها هذه المواقع [13]. ويستند كين على مثال وليم كونولّي ليضع صورةً مدمّرة عن عالمٍ وقع تحت سيطرة الهواة ويسخف من أشكال البراعة. فعندما حاول كونوللي، وهو عالم البيئة في مرقب القطب الجنوبي في جامعة كمبريدج، أن يصحّح بعض الأخطاء على صفحة في الويكيبيديا تتناول قضية الاحتباس الحراري، اتُّهم بأنّه "روّج لوجهة نظره الخاصّة، وبأنه قضى بشكل منظّمٍ على كلّ وجهة نظرٍ لا تتلاءم مع رأيه". وقد قاضاه معارضه المجهول الاسم أمام السلطة العليا لويكيبيديا، أي "لجنة التحكيم" حيث عوقب كونولّي لفترة محدّدة، فلم يعُد له الحقّ إلا بمداخلة واحدة يومياً [14].

هكذا يفتح إغفال الأسماء الباب أمام كلّ أشكال التلاعب. فإنزال المعلومات الكاذبة يمكن أن يكون وراءها المصلحة أو الخبث. ففي العام 2007، ابتكر فيرجيل غود الـ"ويكي سكانر" wiki-scanner، وهو عقلٌ إلكتروني يمكنه أن يحدّد هوية المنظّمات التي تعدّ مقالات للويكي. وقد انكشفت بذلك بعض حالات الترويج الذاتيّ الفاضحة: فمثلاً محا أحد المحرّرين على الويكيبيديا، والذي كان يكتب من العنوان اللإلكتروني " IP" [15] التابع للشركة الأميركية المصنّعة لآليّات التصويت الالكتروني "ديبولد Diebold"، على ما يبدو مقاطعاً طويلة تتّصل بالتحفّظات الكبيرة التي أصدرها بعض محترفي الأمن المعلوماتي بالنسبة إلى مصداقية آليّات Diebold، وكذلك المعلومة القائلة بأنّ مدير الشركة قد جمع الأموال لصالح الرئيس الأميركي جورج والكر بوش [16].

كما تتسبب أعمال التخريب بكثيرٍ من الأضرار على ويكيبيديا. وحالة التخريب الأكثر شهرةً قد أصابت جون سايغنتالر، وهو صحافيّ وأديب ومساعد لروبرت كينيدي سابقاً. فبهدف تسلية أحد زملائه، عمد ممازحٌ إلى فتح صفحة سيرة ذاتية في أيار/مايو عام 2005 أكّد فيها أن سايغنتالر، "متورّطٌ مباشرةً" في اغتيال جون كينيدي، وقد هاجر إلى الاتّحاد السوفييتي في العام 1971. ولم يتمّ اكتشاف هذه الخديعة إلاّ في أيلول/سبتمبر اللاحق. وفي تشرين الأوّل/أكتوبر، اتّصل سايغنتالر بـ"وايلز"، الذي محا الصيغ القديمة من المقالة. وتشكّل هذه القضية حالة قصوى في خطورتها. لكن كم من المعلومات الأقلّ وضوحاً في خطئها عن أشخاصٍ واقعيين لم يتمّ تصحيحها أبداً، إما لأنّ أصحابها ليسوا على علمٍ بها، أو لأنهم لا يملكون الوسائل لمعالجتها؟

هكذا تلقي قضية سايغنتالر الضوء على أحد المساوئ المزعجة لنموذج الويكيبيديا. فعلى صفحة مناقشة المقال، وبمجرّد أن انكشفت الخدعة، راح العديد من المعلّقين، وبدلاً من أن يتعاطفوا مع الضحيّة، يعبرون عن سخطهم على سايغنتالر، وهو المتغنّي المفترَض بحرية التعبير، لأنّه هدد ويكيبيديا بدلاً من أن يظهر هو نفسه الحقيقة بكلّ بساطة. هكذا فإنّ تحميل مسؤولية تصحيح الأخطاء على المستخدم يشكّل ردّاً ملائماً عندما يختار المعنيون بالأمر أن يشاركوا في المشروع، كما يحدث في البرمجيّات الحرّة؛ لكن هذا الشرط يصبح دون معنى عندما لا يكون المعنيّون مستخدمين، ولا يتمتّعون بحقّ الخيار في المشاركة أم لا.

واحتمال وقوع حدثٍ لا يعني أنه قد حدث فعلاً؛ فبكلّ بساطة ليس هناك أي ضمانٍ لأن تنجح "أعين الجماهير" في تصحيح كلّ الأخطاء. كما أنّ مجمّعي الصفحات أو الروابط مثل "ديغ Digg" لا يعتمدون مؤشّرات ملائمة للمصداقيّة، بل تلك للشعبيّة بين مستخدمي البرنامج، عاكسين بكلّ إخلاص أفضليات هؤلاء. فقد صرّح وايلز في أحد الأيام: "إذا لم يكن الأمر موجوداً على غوغل، فهذا يعني أن لا وجود له" [17].

فعلى ويكيبيديا، تحلّ "إمكانية التحقّق" مكان الحقيقة. ولكنّه عندما يحدث أن يُعمل على تفضيل البرهان الفوري على إحدى المقولات لأنّها فقط موجودة في مصدرٍ على الشبكة، على شهرة الكاتب، تصبح الثقافات الهامشية التي لم تدخل عالم التقنية الرقمية معرضّةً لأن تحجب عن الأنظار. ولأنّ صفحة الويكيبيديا تظهر بشكلٍ ثابت بين النتائج الأولى في أيّة عمليّة بحث على موقع غوغل (وذلك لأنّ صفحات الويكيبيديا تحوي العديد من الروابط مع صفحات أخرى على الموقع، ومنها مسودات المقالات، وهي غالباً ما يتمّ تحديثها)، فإنّ ذلك يعزّز الخلط بين الخبرة والشعبية [18].

وفي مسألة الدقّة في المعلومات، قامت مجلة "Nature" بمقارنة اثنين وأربعين مقالةً علمية مأخوذة من ويكيبيديا ومن موسوعة "انسكلوبيديا بريتانيكا". وقد استنتجت أنّها ذات نوعيّات متماثلة. لكنّ بريتانيكا عارضت هذا التحليل [19]. والحقيقة أنّه لا مجال للمقارنة من حيث الدقّة العلمية بين مصداقية ويكيبيديا ومصداقيّة برتانيكا. فالـ"هاكر" الذي يؤكّد أن حلّه هو الأفضل، سيسهل عليه أن يلتزِم حكم نظرائه: ولكن إمّا أن تعمل هذه الآلية أم لا تعمل. لكنّه في حالة ويكيبيديا، لا تظهر صحّة المساهمات على الفور. ولذلك فإنّ نوعية المراقبين التي تفحص المشروع الموسوعي يهمّ أكثر ربّما من عددهم؛ وأيّ مسارٍ يتحمّل فيه واضعه مسؤولية ما ينشره (بما فيها القانونية) هو أفضل موضوعياً من ورشة بناءٍ مستدامة ينقصها التماسك: فإذا كانت بعض الصفحات رائعة، فإنّ بعضها الآخر سخيفٌ جدّاً [20].

لذا تبدو صفحات العلوم الموصوفة بـ"الصلبة" على ويكيبيديا أقلّ عرضةً لإثارة الجدل؛ وذلك لأنها متخصّصة وتقنية وغير إيديولوجية. ولكن هناك استثناءات (نذكّر هنا بموضوع التسخّين المناخي)؛ في حين وبطريقة إجمالية، لا مصلحة لأحد في أن يتلِفَ مقالاً حول "التكوين النباتي"، أو حول "الفاصل الكهربائي العالي التوتّر". فهذه المساهمات يضعها منطقياً كتّابٌ أكفاء، أو ينقلون مقتطفات من كتبٍ حول الموضوع. ويتمّ إثباتها ليسوفق المعايير التي وضعتها لنفسها الموسوعات ودوائر المعارف الحرّة، أي عبر "إمكانية التحقّق"، بل وفق معايير النوعيّة التقليدية، الصالحة لأيّ مشروعٍ موسوعي.

أمّا التحليقات الغنائية فيما يخصّ الإمكانيات الديمقراطية للتواصل على الانترنت، فقد تمّ انتقادها بحزم، وعن حقّ، على أنّها تشرّع نظام تراتبي أوليغارشي مجحِف [21]. وبالطريقة نفسها، فإنّ التأكيدات القائلة بأن المضامين الحرّة سوف تضرّ باقتصاد السوق، تخدم مصالح مصنّعي المعدّات الالكترونية وباعة الاشتراكات على الشبكة، وذلك عبر "خلق" احتياجات لاستهلاك المنتجات والخدمات التي تسهّل الحصول على هذا المنّ الرقمي [22].

"بيروقراطية قبلية على الشبكة"

لكن مهما كانت هذه الحجج "اليسارويّة" ملائمة، فمن المدهش كيف نجدها تندرج في سياق تقليدٍ راسخٍ يقوم على نقد الثقافة الجماهيرية. وطالما تمّ الحكم على هذه الثقافة بأنّها سوقيّة وواهمة، وأنّها تحجب الرهانات الفعلية. فهل يمكن أن يقنع هذا الرفض أولئك الذين يغرقون في التمتّع بثقافة الجماهير؟ ويجب فعلاً أن نلاحظ أنّ الدعوات التقدّمية إلى تحقيق مصلحة الشعب وإلى التضامن والعدالة مع المقموعين، كثيراً ما تذهب سدىً. والسبب هو أنّه في مجتمعاتنا الإعلامية، التي ترتكز بشكلٍ دائم على مسألة النجاح الفردي، يحظى تحقيق الذات والإمكانيات الشخصية بفرصةٍ أكبر لتحفيز نشاطات الناس [23]. أضف أنّ الثوابت المعهودة للالتزام (حيث يقوم الملتزمون باجتماعات وبمظاهرات وبالمناداة بشعارات هادفة، قبل العودة إلى المنزل) تنقصها الحيويّة. هكذا يجب على التقدّميين بأن يأخذوا بعين الاعتبار متعتهم الفردية في النجاح على ويكيبيديا، لأنّ هذا النجاح يمكن أن يحوي بذور تجديدٍ في العمل السياسي.

إلاّ أن النقص في الدقّة في ويكيبيديا يطرح مشكلة. فالهدف من دائرة المعارف هذه هو الحقيقة؛ وليس لهذه الحقيقة هدفٌ سياسيّ بل علميّ. وبالتالي لماذا لا يُصار إلى توظيف تنسيق أشكال الحماس الفردية المتوفّرة على شكل الـ"ويكي" لأهدافٍ سياسيّة؟ فمحفّزات السوق ليست مسؤولة عن التوظيفات غير الموجّهة التي يقدّمها طوعاً محرّرو الويكيبيديا في خدمة الخير العام. والكلّ يدرك بشكلٍ عفويّ ما هي دائرة المعارف أو الموسوعة المجانيّة أو الحرّة؛ وعلى حركات اليسار أن تجِد المشاريع التي تثير هذه الدرجة من الاهتمام.

هذا ما يستدعي تحليلاً جّيداً لمسألة التنظيم الجماعي. فمرونة شروط المشاركة، وكذلك هامش الحرية الواسع المتوفّر للمشاركين، يحفّزانهم على الالتزام بمشاريعٍ تعاونية على الشبكة. وبهذا المعنى، تبدو ويكيبيديا مؤشّراً على صعود نمطٍ من التنظيم المبتكَر، وهو مزيجٌ من الخصائص البيروقراطية والقبلية والجماعية. فالمشاركون يساهمون بهذه الطريقة القوية لأنّهم بالضبط معنيّون مباشرةً بهذه "البيروقراطيات القبلية على الشبكة". فهل يمكن نقل هذه النماذج إلى محيطٍ غير رقمي، أم أنها ستبقى الحيّز السرّي لأقلّيةٍ تعرف كيف تتواصل؟


* باحثٌ من: الجامعة الاسترالية الوطنية وفي جامعة باريس الرابعة (سوربون). مؤلف كتاب (Cyberchiefs: Autonomy and Authority in Online Tribes, Pluto Press, Londres, 2009).

[1] hackers كلمة إنكليزيّة عاميّة معناها: المفبرك الشاطر، استخدمت للدلالة على المبرمجين الماهرين.

[2] أنظر : "متلاعبون جدد في مجتمع المعلومات"، جان-مارك ماناش، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، ايلول/سبتمبر 2008؛ http://www.mondiploar.com/article.p...

[3] هكذا يسمّى التطوّر على الصفحة الالكترونية نحو مزيدٍ من التفاعل والمشاركة بين مستخدمي الانترنت.

[4] هي أنظمة إدارة المضمون التي تمنح حرّية تعديل الصفحات على الشبكة لكلّ الزائرين المرخّص لهم.

[5] في حالة غوغل يقال لمستخدمي الانترنت: إن هذه المواقع هي الأكثر ملاءمةً حول هذا الموضوع، لأنّها حصلت على أكبر نسبة من "الأصوات"، على شكل روابط من مواقع أخرى، هي نفسها مواقع مهمّة وملائمة.

[6] Marshall Poe, « The Hive », Atlantic Monthly, Boston, septembre 2006.

[7] Yochai Benkler, The Wealth of Networks : How Social Production Transforms Markets and Freedom, Yale University Press, New Haven (Connecticut), 2006.

[8] اقرأ: جيمي واليس "حكمة الجموع"، صحيفة "ذي اوبزيرفر"، لندن – 22 حزيران/يونيو 2008.

[9] Andrew Lih, « Wikipedia as participatory journalism : reliable sources? Metrics for evaluating collaborative media as a news resource », Fifth International Symposium on Online Journalism, Austin (Texas), 16-17 avril 2004.

[10] الجواب: هو ثلاث ساعاتٍ كمعدّلٍ وسطي؛ لكن بما أنّه تم فرز هذه التعديلات في مجموعات فقد أصبح من الأسهل تحديدها. راجع: http://en.wikipedia.org/wiki/Alexan...

[11] Jonh Trigilio, Kenneth Brighenti, Catholicism for Dummies, Paperback, lieu, 2003.

[12] Noam Cohen, « A contributor to Wikipedia has his fictional side », New York Times, 5/3/2007.

[13] Andrew Keen, The Cult of the Amateur, Doubleday, New York, 2007. ويصبح كين في موقفٍ ضعيف أكثر عندما يوسّع انتقاده لنموذج الانترنت إلى وسائل الاعلام؛ وذلك لأنّ في مقارنة "مصداقية" معلومات كبريات وسائل الإعلام بترِهات الصفحات على الانترنت تناسياً سريعاً إلى حدٍّ ما للطريقة التي صنعت فيها وسائل الإعلام الكبيرة هذه صيتها من وجهة نظر مالكيها.

[14] المرجع نفسه، ص 43

[15] عنوان مرمز ممنوح لكومبيوتر موصول بشبكة معلوماتية، وهو بمثابة بطاقة هوية لكل جهاز كمبيوتر.

[16] John Borland, « See who’s editing Wikipedia : Diebold, the CIA, a campaign », Wired, San Francisco, 14/8/2004

[17] Schiff, « Know It All », The New Yorker, 31 avril 2006.

[18] في العام 2007 احتلت ويكيبيديا المرتبة السابعة عشرة بين المواقع التي يتمّ الدخول عليها على الانترنت، بينما دائرة المعارف بريتانيكا، مع مائة حاصل على جائزة نوبل والأربعة آلاف خبير الذين يساهمون فيها، احتلّت فقط المرتبة 5128. راجع: كين Keen، المرجع المذكور أعلاه.

[19] Encyclopaedia Britannica, « Fatally flawed : Refuting the recent study on encyclopedic accuracy by the journal Nature », mars 2006.

[20] من أجل سدّ هذه الثغرات أطلقت مشاريع من نوع "سيتيزنديوم citizndium " و"فيروبيديا Veropedia". سيتيزنديوم، الذي ينظّمه لاري سانجر، والذي في تأسيس ويكيبيديا، هدف إلى الجمع بين طاقة "الويكي" وكفاءة الاخصائيين المعروفين؛ أما فيروبيديا فإنّها "تثبّت" مقالات ويكيبيديا التي تعتبر ممتازة.

[21] Serge Halimi, « Des cyber-résistants trop euphoriques », Le Monde diplomatique, août 2000.

[22] Jean-Marc Mandosio, Après l’effondrement. Notes sur l’utopie néotechnologique, Editions de l’Encyclopédie des Nuisances, Paris, 2000.

[23] Stephen Duncombe, Dream : Re-Imagining Progressive Politics in an Age of Fantasy, The New Press, New York, 2007.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان