
مراجعة كتب > نيسان/إبريل > 2009آداب العالمجان-أرنو ديرينزأن تبلغ العشرين عاماً في صربيا يروي فلاديمير بيشتالو في "ألفيّة في بلغراد" قصة جيلٍ، ذلك الذي بلغ العشرين في مطلع الثمانينات في يوغوسلافيا، البلد القويّ آنذاك، المحترم والذي كان يثير الإعجاب كنموذجٍ لاشتراكية "بديلة". وفي بداية هذه الرواية الغزيرة، يستمع خمسة أصدقاء - بوريس، بان، ايرينا، زورا وميلان - إلى فرقة "دير سترايتس" ويحتسون نبيذ الـ"ريسلينغ" السلوفيني، وهم يتابعون مباراة كرة قدم دون الصوت. نحن في 4 آيار/مايو 1980، يوم وفاة الماريشال تيتو. حتّى لو كانوا قد تعبوا من المثاليات الثوريّة، لم يكن هؤلاء شبّان هذا الجيل ليتصوّروا أن مصير بلادهم، يوغوسلافيا، قد حكم عليه بالإعدام؛ ولكنّهم شاهدوه بعد ذلك يتفكّك في عاصفة حروب الأشقاء. هكذا فقدت جميع المعايير العادية للحياة معناها خلال عام 1992 المأساوي، عندما جنّد شبّان بلغراد إلزاميّاً لمقاتلة مواطنيهم السابقين، على بعد أقلّ من 100 كلم من العاصمة. ويشير فلاديمير بيشتالو عن حقّ إلى شعور الضياع الكبير الذي ينتاب السكّان الذي لم يستعدوا للحرب، وخصوصاً لتلك الحرب: "كما أنّ أحدهم قد قام بتغيير البطاقات التعريفيّة على قوارير الصيدلية، ولم نعد نميّز السمّ من الدواء". الشخصيّات التي تظهر في جميع الفصول الصغيرة لهذه الرواية مبنية على صورة مشكال للأضواء، تحاول جميعها الخلاص من هذه الكارثة: فـ"بان" الموسيقي سيصبح نادلاً في نيويورك؛ وبوريس لاعب الجودو سيصيبه الثراء من التجارات المافياوية؛ بينما تعرّض إيرينا الجميلة نفسها للخطر من مغازلة المخدرات. "ألفيّة في بلغراد" هي أيضاً قصة مدينة، بلغراد، التي تأخذ الكلام في مطلع الرواية: "منذ الزمان الغابر والشعوب تتطاير من حولي كأوراقٍ في مهب الريح. وهذه الشعوب تدمّرني وتعيد بنائي وهي تتذابح... ". وينتهي الأمر بالمدينة إلى الكشف عن اسمها الحقيقي: "تلّة التأملات المطلّة على باب الحروب". والواقع أن الأتراك العثمانيين كانوا يطلقون اسم "تلة التأملات" على حصن "كاليميغدان" المديني المطلّ على مصب نهري "الساف" و"الدانوب"، والذي طالما شكل الحدّ الفاصل بين الأمبراطوريتَين العثمانية والنمساوية-المجرية. صدر كتاب "ألفية في بلغراد" عام 2000، في وقتٍ كان التاريخ يتسارع أيضاً بعد القصف الذي قامت به قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ربيع العام 1999، وقبيل سقوط "تركين البهيّ" - كما يلقّب بيشتالو الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفتش - الذي طُرد من الحكم عن طريق تمرّدٍ ديموقراطي في 5 تشرين الأول/اكتوبر 2000. وقد ترجم للتوّ الى الفرنسية. بيشتالو المولود في ساراييفو عام 1960 والذي عاش على الدوام تقريباً في بلغراد، هو من كبار الأسماء في الأدب الصربي المعاصر. وقد حاز، في كانون الثاني/يناير 2009، على جائزة "نين" (NIN) وهي أشهر مكافأة أدبية صربية. تذهب "ألفية في بلغراد" بقرائها إلى الارتجاجات - الجديدة أو القديمة - للتاريخ الصربي واليوغوسلافي، كما ينقاد المرء إلى رقصةٍ بلا ضوابط. فهرسٌ متّزنٌ للشخصيات والأمكنة الواردة أسماؤها في الرواية يسهّل قراءة هذا الكتاب الوفير بالمراجع وهو إحدى الشهادات الأكثر دقّةً حول الكارثة التي تخرج منها البلقان بصعوبة.
* صحافي ومدير تحرير مجلة Courrier des Balkans الصادرة في بلغراد. من مؤلفاته مع كاترين ساماري Les conflits yougoslaves de A a Z, L’Atelier, Paris, 2000.
فلاديمير بيشتالو: ألفيّة في بلغراد؛ (مترجمٌ عن الصربية بقلم ليليانا هويبنر-فوزيليه وريمون فوزيليه، منشورات فيبوس، باريس، 2008، 274 صفحة، 20،90 يورو). MILLÉNAIRE À BELGRADE de Vladimir Pištalo (traduit du serbe par Ljiljana Huibner- Fuzellier et Raymond Fuzellier, Phébus, Paris, 2008, 274 pages, 20,90 euros)
|