مراجعة كتب > نيسان/إبريل > 2009

آداب العالم

مارينا دا سيلفا

منافي إثيوبية

"كان والدي يسمّينا رُحّلاً، بالرغم من أن ترحالنا لن يتبَع أي ترسيمةٍ فصليّة. فقد ولدتُ في يوغوسلافيا، وأُرضعت في أوكرانيا، وفُطمت في كورسيكا وتخلّيت عن الحفاض في صقلّية، ومشيت أولى خطواتي في "الغرب" (في جنوب البرتغال). وعندما صرت مرتاحةً أخيراً في استخدام اللغة الفرنسية، انتقلنا إلى اسبانيا. وفي كل مرّة يصبح لي صديق، وإذا بالعالم يعجّ من جديد بالغرباء".

من لندن، تروي ليلي، المرأة الفريدة، حكاية منافيها التي ستصنع نمط وجودها في العالم. تيتّمت في المغرب - فوالديها "المتمردان المنعزلان غريبَي الأطوار" يتعرّضان لاغتيالٍ في أحد أزقّة طنجه - فتسلّمها معلّمٌ صوفيّ يربّيها على حبّ الاسلام. وبعد سنوات، ستلجأ في إثيوبيا إلى "هرر"، رابع مدن الإسلام، حيث ستبقى حتّى العام 1974، أي حتّى سقوط الإمبراطور هيلا سيلاسي. فتحوّلت بذلك إثيوبيا إلى "حقل محترق واشتعالٍ جهنّميّ".

هذه الرواية بقلم كاتبة كندية عاشت شخصيّاً في إثيوبيا ودرست علم الأناسة الاجتماعي، تتراوح بين الخيال والتاريخ، بين الماضي والحاضر، لتغوص بطريقةٍ ساحرة في عالم إسلامي يتمّ تناوله بكل تعقيداته.

شخصية ليلي حرّة؛ تختار حياتها بنفسها وتبرهن على قدرةٍ كبيرة على التأقلم مع المجهول. مسلمة لكن بيضاء، هي قبل كل شيء لغريبة، "الفرّاجة"، التي تبحث عن مكانٍ داخل مجتمع "هرر" التي تودّ الانتساب اليه. وهذا تحدّ حقيقي دونه استعدادات تنصاع لها بفضل قوّة إيمانها الداخلي وقلّة تعلّقها بالماديّات. من هنا يمكنها أن تلحظ دون أحكام المجتمع الإثيوبي وطقوسه ورموزه: "لا يتزوّج الناس عن حبّ بل تعزيزاً للتحالف بين العائلات: سلالات، ثروات، مكانات اجتماعية". قساةٌ مع النساء لا سيما الفقيرات والمعطوبات منهنّ. كما في حفل الختان الذي تنقله ليلي بكل فظاظته، وهذا ما يثير اشمئزازها.

راحت ليلي تدرّس القرآن للأولاد الفقراء، مع حرصها على تخصيص دروسٍ للفتيات. هكذا حازت على وضعيّة جديدة. لكن مع انخراطها في المجتمع الهرري تتسارع الاضطرابات السياسية في إثيوبيا، ما يرغمها على الفرار.

ثمّ تتابع من لندن حيث حصلت على وظيفة ممرّضة، صعود منغيتسو هيلا ميريام إلى السلطة، وبناء "الدولة الاشتراكية" والتطهير الدموي على يد "الإرهاب الأحمر"، وكذلك الحرب مع إريتريا. لندن حيث يتدفق اللاجئون موجات، وهي تسعى لمشاركتهم الجراح. فتؤسّس جمعية لمساعدة اللاجئين مع أميناتا التي تصادقها بعد إنقاذها من عمليّة ولادة مميتة على الرصيف. تنشأ علاقةٌ جميلة بين الإمرأتين تعويضاً عن منفاهما الاجباري ومنفى مواطنيهما: "بالرغم من كلّ ما أنزلوه بنا من سوء معاملة، ما نزال نرغب في إظهار تهذيبنا مع الغرباء. وحتى لو كانت عيننا مصابة بلكمة، سنستمر في تسريح شعورنا. وحتّى لو أطلق صبيّ في التاسعة النار بين أرجلنا؟ ما نزال نؤمن ببراءة الأطفال. وإن تعرّضنا للاغتصاب من قبل رجلَين في مخيم لاجئين كينيّ؟ فما زلنا قادرات على فتح قلوبنا إلى من يحبّونا. ولو خسرنا كلّ شيء، سنستمرّ في إظهار كرمنا وسخائنا ومشاركتنا ما نملكه مع غيرنا. إذ ما زالت لنا أحلام".


* صحافيّة

عسل "هرر"، لكاميلا جيب ليمياك، منشورات أكت سود، آرل، 2008، 398 صفحة، 23 يورو.

LE MIEL D’HARAR de Camilla Gibb (Actes Sud, Arles, 2008, 398 pages, 23 euros)

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان