
مراجعة كتب > نيسان/إبريل > 2009قراءاتهنري لورنسقرنان فلسطينيان تاريخ التداخل بين الدول الأوروبية وفلسطين كان موضوع برنامج دراسات في "مركز الأبحاث الفلسطينية في القدس CFRJ". وجاءت خلاصة الأعمال في كتابين ضخمين صدرا تحت إدارة باحثَين، فرنسي وإسرائيلي، دومينيك ترامبور وران آهارون. وهما يجمعان مقالات مؤلّفين من جنسياتٍ مختلفة، مع غالبية للفرنسيين والاسرائيليين، ولكن أيضاً مع بعض الفلسطينيين. المجموع ليس جامعاً مانعاً بالطبع، ينقصه بشكلٍ خاص موضوع علم الآثار. ولكنّ بعض الدراسات هي في أغلب الظنّ متكاملة حول مواضيعها. المجلّد الأول جاء تحت عنوان "من بونابرت إلى بلفور" [1]؛ وهو يتضمّن التاريخ الدبلوماسي وتحليلات اقتصادية، وكما هو مفروض بالنسبة للأرض المقدّسة، ملفاً كبيراً حول البعثات التبشيرية. هذه الموضوعات مرتبطة بشكلٍ وثيق: فالنشاط التبشيري المعتبَر أداة نفوذ فعالة، يحظى بالدعم الدبلوماسي للبلاد القادم منها. وهو يحوز أيضاً على أموال مودعة في إحدى المصارف الأوروبية، وتأثيرها يمكن أن يرتدي أهميًة لكونه يوفّر خدمات اجتماعية للسكّان. وهو ليس دون أثرٍ أيضاً على التطور المديني، وخصوصاً في القدس. هكذا تكشف المساهمات تنافس القوى العظمى حول الأراضي المقدسة، مع ما نتج عنها في حرب القرم. وتكمن حدود التجربة التي أطلقها "مركز الأبحاث الفلسطينية في القدس"، التي هي أصلاً في الموضوع المختار، في خطر التقليل الدائم من أهميّة التطوّرات الداخلية في المجتمع الفلسطيني وعمل الإدارة العثمانية الإصلاحي. وإذا كانت الشهادات الأوروبية تمثّل المصدر الأساسي لمعلومات المؤلّف، فالمطلوب هو مقاربتها بروحٍ نقدية. المجلّد الثاني، "من بلفور إلى بن غوريون" [2] يتناول الحرب العالمية الأولى والانتداب البريطاني. تصبح حينها المسائل الدولية ثانوية نظراً لتدخّل الإدارة الانجليزية. وإذا كان فشلها السياسيّ قد اتخذ حجماً دراماتيكياً، إلاّ أن نشاطها التنموي قد اتخذ طابعاً هاماً، بل استثنائياً حتّى في تاريخ لندن الاستعماري في تلك الحقبة. لكن لا يمكن اعتبار أيّ نشاطٍ تنموي "تقني" بحت، إذ كان يشكّل دائماً حقل مواجهة بين العرب واليهود. وخير برهانٍ على ذلك مسألة القانون. فقد سعى البريطانيون لتوسيع نطاق قانونهم التقليدي (Common Law)؛ فيما دافع العرب عن القانون العثماني المنبثق من الشريعة الاسلامية والمطعّم بالقانون الفرنسي؛ أمّا اليهود فقد طالبوا بقانونٍ يهوديّ مستقى بشكلٍ واسع من التقليد الألماني؛ والمسيحيون يعيدون من جهتهم بناء قانونٍ للأحوال الشخصية يمزج بين المصادر البيزنطية والإسلامية... على هذا، يرتدي استمرار صراع النفوذ الذي تخوضه سائر الدول، مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا، طابعاً سخيفاً تقريباً. لكننا نعثر عليه في مسائل مؤسسات مختلفة مثل بطريركية اللاتين أو الجامعة العبرية في القدس. أضف أن مسألة تعليم النخب العربية الكاثوليكية أو اليهودية ولغتهم الدراسية قد بقيت أساسيّة. ونشير هنا إلى مداخلة مثيرة للاهتمام حول موضوع المسيحيين الفلسطينيين، الذي قلّما جرى التطرق إليهم. أمّا القسم الأخير فيتناول بعض الجوانب الدبلوماسية للنزاع بين 1947 و1949. لا يهدف هذان الكتابان إلى التشديد على الدور الحاسم لأوروبا، بل إلى إبراز تداخلات الأطراف والنهج السائد على الأرض. وقد تحقّق هذا الطموح إلى حدٍّ كبير؛ إذ يتطرّق هذا العمل الجماعي لموضوعات نادراً ما تمّ تناولها أو جرى بالفعل تجاهلها. تبدو مساهمتهما بالتالي هامّة فيما يخص تاريخ فلسطين في قرنٍ ونصف.
* بروفسور في "الكوليج دو فرانس"، من مؤلفاته خاصّة:
La Question de Palestine : le troisième tome, L’Accomplissement des prophéties, 1947-1967, paraît en juin chez Fayard, Paris.
[1] Dominique Trimbur et Ran Aaronsohn, De Bonaparte à Balfour. La France, l’Europe occidentale et la Palestine, 1799-1917, CNRS Editions, Paris, 2008, 435 pages, 35 euros. [2] Dominique Trimbur et Ran Aaronsohn, De Balfour à Ben Gourion. Les puissances européennes et la Palestine, 1917-1948, CNRS Editions, Paris, 2008
|