
مراجعة كتب > نيسان/إبريل > 2009قراءاتدومينيك غودريشالوجه الآخر لمدينة بنتها أموال المخدّرات "كنّا نقتل.. ليس من أجل المال، بل لنؤكّد ما نحن قادرون عليه!"، هذا ما يقوله من سجنه خورخيه ريفي أيالا، المعروف بـ"ريفي"، القاتل المأجور السابق والمعتمد من قبل "المادرينا" غريزيلدا بلانكو، رئيسة شبكة تهريب كوكايين واسعة إلى الولايات المتحدة، في فيلم بيلي كوربين الوثائقي "كوكايين كاوبويز" [1]. ويتذكّر المخرج المولود في ميامي قائلاً: "عمري ثلاثين، وكبرت وأنا أتابع مناظر القتل والعنف هذه على شاشة التلفاز. وهي صور الأرشيف التي أدخلتها الى فيلمي؛ هذه هي قصة مدينتي". يستعيد "كوكايين كاوبويز" تاريخ ميامي على ضوء تجارة الكوكايين في نهاية السبعينات والمنافسة التي لا ترحَم بين العصابات الكولومبية والكوبية من أجل احتكار السوق؛ وقد كانت هذه المنافسة في أساس عددٍ لا يُحصى من جرائم القتل. تجارةٌ ساهمت في الوقت نفسه في التنمية الاقتصادية للمدينة، التي باتت مع مرور الزمن مرتهنة أكثر فأكثر لأموال المخدّرات المستوردة بكمياتٍ كبيرة من كولومبيا. يتذكّر جون روبرتس، أحد كبار المهربين: "كنا نُدخِل ما قيمته عشرة ملايين دولار شهرياً. وعند الوصول إلى كولومبيا، كان الجيش يحضَر لاستلام المال وإيداعه في المصارف. وكان الكولومبيون يجنون أموالاً طائلة: أكثر من المافيا الإيطالية!". في العام 1979، وإثر مواجهات دامية في أحد المتاجر الكبرى في المدينة، تحرّك الرأي العام والسلطات التي هالها حجم الكارثة، من أجل وضع حدٍّ لاجتياح المدينة من قبل تجارة المخدرات وتفاقم العنف الذي بات ظاهرةً يومية. إذ وصفت ميامي حينها بأنها "منطقة حرب"، وصُنّفت المدينة الأكثر خطورةً في الولايات المتحدة مع رقمٍ قياسي للقتلى بلغ 600 ضحية في العام 1981. يبدأ "كوكايين كاوبويز" وعلى غرار أفلام التشويق البوليسي بمشاهد قتلٍ وحشيّ، تتناوب بعدها شهادات مهرّبي ذلك الزمان وشركائهم وممثلي السلطات، للتذكير بالطريقة التي طالت بها عدوى المخدرات المجتمع بأكمله؛ من الأوساط الطلاّبية إلى الحياة الليلية مروراً بالمحامين والأطباء ورجال الشرطة... وذلك عن طريق شبكةٍ محكمة التنظيم بواسطة بعض العناصر على الأرض الذين انتهى بهم الأمر إلى التعاون بالرغم من نزاعاتهم الشخصية والمنافسة بينهم، وذلك بدعمٍ من كارتل ميديلين الكولومبيّ للاتجار بالمخدرات. بين ميكي مونداي والطيّار "ريد نيك" من ميامي وجون روبرتس المهرّب المدعو "البرّاق" خريج مافيا نيويورك، ورافاييل كاردونا سالازار، الكولومبي المعروف بـ"رافا" وشريكه ماكس مرملشتاين، الأميركي الوحيد الذي تبنّاه الكارتل، تمّ إرساء تقاسمٍ للنشاطات بدقّة متناهية: شراء الطائرات والبواخر، المستودعات - لركن الطائرات وتخزين البضائع - المطارات الخاصة... هكذا يُظهر الفيلم ما يستخدمه المهرّبين من ترتيبات مدهشة مثيرة للانتباه. المقصود بهذا الفيلم الوثائقي، في نظر المخرج بيلي كوربين، هو كشف الوجه الحقيقيّ للمدينة والطريقة التي قولب بها اقتصاد المخدرات، من بداياته، المجتمع الذي كان ينشط فيه. "أوّل ذكرياتي ترجع الى المدرسة: كان الأولاد جميعهم ميسورين، في وقت لم يكن فيه اقتصاد البلاد مزدهراً. مع ذلك، كان هؤلاء القوم يبتاعون سيارات المرسيدس والفيرّاري.. ويدفعون نقداً! لقد أعمى المال المجتمع بأكمله؛ ولم يسعى أحد ليعرف من أين مصدره. ولم يبتدأ بطرح الأسئلة إلاّ مع اندلاع تبادل إطلاق الرصاص في وضح النهار". يؤكد جون روبرتس الذي بات طليقاً اليوم أنّه: "كان يمكن شراء أيٍّ كان، فلكلّ شخصٍ ثمن... وقد قامت الفورة العقارية في ميامي على أموال المخدرات". يكمل كوربين حالياً تصوير سلسلة من الأفلام الوثائقية حول ميامي... ويلحظ: "تعرفون أنّه يقال اليوم في الولايات المتحدة: إذا لم تشاهد حتّى الآن "كوكايين كاوبويز"، فإنّك لا تعرف شيئاً عن ميامي!".
[1] يُعرض في باريس وعدّة مدن فرنسية أخرى
|