العالم العربي والإسلامي > حزيران/يونيو > 2009

خاص النشرة العربية

فريبا عادل خواه

أيّ رهانات في الانتخابات الرئاسية الإيرانية؟

انتخابات مليئة بالتحوّلات بعد 30 عاماً من الثورة

مقابلة مع فريبا عادل خواه أجرى المقابلة سمير العيطة.

قد لا يكون من المبالغة القول أن رهانات الانتخابات المقبلة في إيران لن تكون على مستوى الأوضاع في البلاد، وأن اقتراع 12 حزيران/يونيو يبدو في الوضع الراهن، أقرب لأن يكون حدثاً بلا أهمية! لكن المهمّ أنه بعد ثلاثين عاماً على قيام الجمهورية الإسلامية، يتموضع المرشّحون للانتخابات الرئاسية والتيارات السياسية لينتقدوا مسيرة النظام الحالية وليطالبوا بالعودة الى القيم الثورية الأصيلة. والمفارقة أنّ من ينتقدون سجل الجمهوريّة اليوم هم ذاتهم الذين ساهموا في إنتاج أفعال هذا النظام. بيد أن ظروف المعركة الانتخابية تبدو لي على نفس أهميّة النتائج التي ستفضي إليها. فهي تكشف تحوّلات جديدة في المجتمع السياسي الايراني:

(أوّلاً) تأكّد تهميش رجال الدين في الانتخابات. فباستثناء مهدي خرّوبي الذي لا يتبجّح بهذا الانتماء، لا يوجد أيّ رجل دينٍ آخر بين المرشّحين. وللمرّة الأولى منذ الثورة، يبقى علماء الدين في دور المتفرّجين على الانتخابات الرئاسية ويتردّدون في دعم أيٍّ من المرشّحين.

(ثانيا) يزداد الطابع "الاحترافيّ" للحياة السياسية: فأكثر المرشحين جديّةً هم من وجهاء النظام؛ وتمّ اسناد التعبئة إلى مدراء حملات علمانيين مدعومين من فرق عملٍ متنوّعة الاختصاصات، وحتماً سيتمّ اختيار الوزراء العتيدين من بينها؛ كما قدّم مخرجون سينمائيّون خدماتهم للمرشّحين.

(ثالثا) أظهر نظام الأحزاب ضعفه مرّة أخرىحيث وتلعب المواقع الالكترونيةدوراً رائداً لمختلف المرشحين.

(رابعا) أقرّ مجلس صيانة الدستور مؤخّراً بشرعيّة ترشيح امرأة، من خلال تفسيرٍ لعبارة "رجال" الفارسيّة الواردة في نصّ دستور 1979. كما شاركت زوجات ومستشارات المرشّحين الرئيسيين - مع الاستثناء الملفت لأحمدي نجاد - بشكلٍ فاعلٍ في الحملة، في إشارة ضمنيّة إلى دور ميشيل أوباما، زوجة الرئيس الاميركي!

(خامسا) جرى التعبير عن التنوّع الإثني في البلاد من خلال المرشّحين والموضوعات التي تناولوها: فمهدي خرّوبي ينتمي إلى قبيلة الـ"لور" وقد أعلن مباشرةٍ معارضته لأيّ تمييزٍ إثنيّ-طائفي، وقد سارع منافسوه لوافقوه الرأي، لا سيما الأذريّ مير حسين موسوي والبختياري محسن رضائي. ومن المرجّح أن يكون الرئيس المقبل من أصولٍ غير فارسية.

(سادساً) أكثر من أيّ وقتٍ مضى، رفض مرشد الجمهورية علي خامنئي، تأييد مرشّحٍ بعينه؛ وبقي على حياده المؤسساتي. هكذا بشكلٍ من الأشكال، تحوّلت الانتخابات الرئاسية إلى نوعٍ من الاستفتاء حول ضرورة التعبئة السياسية التي تتيح دورياً للنظام أنّ يقوم بانقلابات في مواجهة متطلّبات المجتمع. ومن هنا يمكن أن نفهم العدد الذي ما زال مرتفعاً للمرشّحين للترشّح (475 مقابل 1014 عام 2005).

كيف يمكن تفسير طول عمر الجمهورية؟

الجمهورية الإسلامية في الثلاثين من عمرها؛ وهذا بحدّ ذاته نجاحٌ إذا ما أخذنا في الاعتبار المعارضة التي لقيتها لدى غالبية دول المنطقة والغرب. فهي تجاوزت الحرب التي فرضها عليها العراق وحلفاؤه، سواء كانوا عرباً أم غربيين. كما صمدت أيضاً في مواجهة العقوبات الاميركية والمصاعب الاقتصادية الناجمة عنها. وتدين الجمهورية بهذا النجاح إلى انتصار حركة معادية للملكية والإمبريالية كانت قد طبعت سبعينات القرن الماضي، كما إلى تعاظم الشعور الثوري وغياب المعارضة السياسية والبدائل الجديّة، ولو خارج الحدود الايرانية. وكذلك تدين بهذا النجاح على وجه الخصوص إلى نسيجٍ اجتماعي معقّد عرف كيف يبتدع أنماط مقاومته، حتّى حول مسألة الدين، واستمراريّته، دون الاهتمام بالدولة التي تحكمه. فازدهار الاقتصاد غير النظاميّ ونمو المدارس الخاصة أو تلك التي لا تتوخّى الربح، وتصاعد أشكال التجمّعات الدينيّة لا سيما حجّاً نحو المزارات، وحمّى النشاطات الخيرية التي انتهت إلى اتخاذ أشكال منظّمات غير حكومية؛ كلّ هذا ساهمت في جعل المجتمع مستقلاًّ عن الدولة. لكن تبيّن في الواقع أن هذه النشاطات والممارسات الاجتماعية كانت أيضاً مناسبات للتفاعل بين المجتمع والدولة، ممّا أدى إلى مزيدٍ من التماسك الاجتماعي والسياسي. وهذا ما يصعب على الأجانب إدراكه.

وماذا عن الديمقراطية؟

بالطبع لا يمكن اعتبار الجمهورية الإسلامية نموذجاً في الديمقراطية، نظراً لما تشهده من قمعٍ لحريّات التعبير باسم الأمن القومي والمبادئ الأخلاقية، ومن رقابةٍ للسلطة على حريّة الترشّح للانتخابات. لكنّ إيران تتمتّع اليوم بمؤسسات سياسية تمثيلية ومتنافسة، تؤمّن نوعاً من تعدديّة الرأي، وتعكس هذه التعددية في الوقت ذاته. فإحدى ميّزات المجتمع الإيراني على الأرجح هي "التوجّه المتزايد نحو القانون"، مثلاً عبر معاقبة أصحاب الشيكات بلا رصيد (السبب الأول لعقوبات السجن) لكن أيضاً في مجال الإعلام والشؤون العائلية. وهذه النزعة القضائيّة لم تعُد حِكراً على المدن، بل امتدّت إلى المجتمع الريفي بحيث يصعب مثلاً إعلان طلاق دون اللجؤ إلى المحاكم. ويسمح ارتياد المحاكم عند الطلاق للعائلة بالتحرّر من الأنظمة التقليدية، وللمرأة بالتحرّر من النظام العائلي. هكذا نشهد مساراً نحو الفردية يتلازم مع الاعتراف بالقوانين والمؤسّسات الجمهورية. ولكنّ توسّع الاحتكام إلى القضاء سلاح ذو حدّين. فهو يدفع الإيرانيين إلى التمسّك بالنظام القضائي، بل حتّى إلى التماهي معه؛ بحيث توسّعت نضالاتهم من أجل تعديل القوانين في إطار الجمهورية الإسلامية. وهذا ما يجعل الحركات الاجتماعية في إيران تفضّل المطالبة بإصلاحات مؤسّساتية في مواجهتها مع السلطة. أمّا النزاع مع الدولة، فإنّ قضايا حقوق الإنسان مثلاّ لا تأتي بمواجهات تنحصر فقط بين السلطة والمجتمع، أو بين العلمانيين والمتديّنين، بل أيضاً بين أجنحةٍ وفصائل داخل النظام نفسه. إذ يجب ألاّ ننسى أنّ المؤسسة الدينية لم تسلم من القمع السياسي.

هكذا فإنّ الاستقلالية المزدوجة، للسطة تجاه الدين، وللمجتمع إزاء الدولة، تجعل المسار الديمقراطي أكثر تعقيداً. إذ لم يبقَ الأمر مرتبطاً فقط بالتساؤل حول ما هو لله وما هو لقيصر، لأنّ التفاوض قد بات ثلاثيّ الأبعاد بين الدولة ورجال الدين والشعب. على الأرجح، لن تكون انتخابات 2009 الرئاسية حدثاً سياسياً هامّاً على المدى القصير؛ لكنّه في الأمد الأبعد وحتّى إذا تمكّن المسؤولون الحاليون من السيطرة على المسرح السياسي، فإنّها ستأتي بنتائج كبيرة لجهة إعادة تشكيل كلٍّ من الحيّز الديني والسياسي والاجتماعي.


* مديرة أبحاث في معهد العلوم السياسية (باريس) ومؤلّفة كتاب "أن تكون حديثاً في إيران" الصادر في لندن (دار هرست وشركاه) ونيويورك (منشورات جامعة كولومبيا).

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان