
العالم العربي والإسلامي > تموز/يوليو > 2009خاص النشرة العربيّةجمال باروتمن شعر الرؤيا إلى الشعر اليومي عرف الشعر السوريّ في القرن العشرين تطوّرات ملفتة، ومازال. التفاعل كان وثيقاً مع التجربة اللبنانيّة وخاصّة مجلّة "شعر"، بحيث تموضع هذا الشعر في خضمّ تجاذب المدارس الفكريّة العالميّة، وعاش إشكاليّات اللغة والوجدانيّة والمفاهيم على حدٍّ سواء. فهل أسّس هذا الشعر لحركات أو تيّارات لها مساراتها الخاصّة وتواجدها في التجربة الإنسانيّة العالميّة؟ ومن أين أتت "غُربَتُه"؟ تكاد كلمة" التيار" (Courant) أن تكون من أكثر الكلمات تواتراً وتداولاً في وصف الاتجاهات الشعرية العربية الحديثة وتحليلها، سواء أكان ذلك في الكتابات الأكاديمية أم في الكتابات النقدية غير المدرسية. إذ كانت هذه الكلمة الأكثر" بساطةً" في التعبير عن الحراكية الحادة والقوية في الشعر العربي الحديث، من اتجاهٍ شعري إلى اتجاهٍ شعريّ آخر، أو من نمطٍ معيّن من القصيدة إلى نمطٍ آخر لها. وبكلامٍ آخر كانت هذه الكلمة وليدة التحوّلات الكبرى في حركة الشعر العربي الحديث. وهي تحمل دلالات القوّة والشدّة والجذب والهيمنة. فليس التيار سوى معنى آخر للحركة القويّة والجذرية المؤثّرة في مراحل التحولات. ببساطة يشير التيار إلى مفهوم الحركة. وهي كلمة تجمع بين الجانبين الوصفي والمعياري Normative في الوقت نفسه. برز تداولها الواسع على وجه التحديد في وصف مايطلق عليه في حوليات تاريخ الشعر العربي الحديث اسم" حركة الشعر الحر" Vers libre، ومن ثمّ في وصف التحوّل من" حركة الشعر الحر" إلى "حركة الشعر الحديث" Poésie moderne، بين أواخر الأربعينيات وأواسط الخمسينيات من القرن العشرين. أي بين نشر قصيدة" الكوليرا" (1947) للشاعرة العراقية الرائدة نازك الملائكة (1923-2007)، وماأطلقته لاحقاً بعد صدور ديوانها" شعر ورماد" (1949) من جدلٍ حول الشعر الحرّ و"الجديد" و"المحدث" و"المستحدث" و"المنطلق".. إلخ [1]، وبين بيان الشاعر اللبناني المؤسّس يوسف الخال (1918-1986) عشيّة إطلاق ( حركة مجلة" شعر") ( 1957-1964) في الأول من كانون الثاني/ يناير 1957 [2]. وقد مثّلت حركة" الشعر الحر" تغييراً جذرياً وحاسماً" في النموذج القياسي الكلاسيكي للقصيدة العربية. حيث كان هذا التغيير نتاج تغيرات سابقة متراكمة ولكنّه اتسم بالجذرية وبالوضوح. فهذا النموذج القياسي ليس شيئاً مختلفاً عما تعنيه حركة الإبيستمولوجيا الحديثة بـ" العلم القياسي" الذي يرتبِط بـ" إنجازات الماضي العلمية، وهي إنجازات يعترف بها مجتمعٌ علميّ محدّد، ولفترةٍ زمنية، بأنّها تشكل الأساس لممارساته المستقبلية" [3]. دشّنت (حركة مجلّة شعر) "رسمياً" [4] إعلان التحول من "حركة الشعر الحر" إلى ما وصفته يومئذ بـ"حركة الشعر الحديث". وقد وصفت الحركة هذا التحوّل يومئذٍ بأنّه تحّولٌ جوهريّ من تحوّل "الشكل" Forme إلى تغيّر "المضمون" Contenu. كانت إشكاليتا الشكل والمضمون من أبرز الإشكاليات المثارة. ولكن (حركة مجلّة شعر) حدّدت على وجه الدقة بأن التحّول من "حركة الشعر الحر" إلى "حركة الشعر الحديث" هو التحوّل من التغيير الإيقاعي-القياسي الشكلي الممزوج بتجاربٍ وجدانية ورومانتيكية ونيو-كلاسيكية أوحتى سوريالية ورمزية إلى حركة الشعر-الرؤيا [5]، بمضامينها الميتافيزيقية والكيانية أو الوجودية والشخصانية والأفلوطينية الجديدة... إلخ. وقد وضع الخال أسس حركة الشعر الحديث بوصفها تمثّل قطيعةً مع الشعر "اللبناني" ماقبلها [6]، ولكن المجلّة سرعان ماتناولت الشعر العربي عموماً. وكان مفهوم الخال للشعر-الرؤيا مفهوماً مبنيّاً على منظومةٍ متسقةٍ في عمومها، وإن غاصت في التحديد. ولكن منظّر الحركة الكبير والعميق لم يكن الخال، بل أدونيس ( ولد في العام 1929) الذي هيمن تنظيره لشعر-الرؤيا على مرحلةٍ شعريّةٍ مديدة، كان فيها أدونيس من أكبر صنّاع تغيير المفاهيم في النصف الثاني من القرن العشرين، إن لم يكن أكثرهم تأثيراً على الإطلاق. فقد اضطلع في بلورة نموذجٍ أو باراديغم الشعر-الرؤيا بمهمّة الإبيستمولوجيّ في ميدان الشعر (ما تطلق عليه الثقافة العربية الكلاسيكية اسم علم الأصول؛ والأصولي هو الإبيستمولوجي بامتياز؛ هكذا كان أدونيس في هذا المجال أساسيّاً أو علومياً واضعاً للأصول) [7]. استوعبت حركة الشعر الحديث في مجلة (شعر) حركة الشعر الحرّ وتجاوزتها بشكلٍ مبكرٍ جداً إلى طرح إشكاليّة قصيدة النثر كإشكالية تتخطّى حدود التغيير الشكلي الإيقاعي القياسي إلى ماهو بعده. وفرضت الحركة تسمية الشعر الحديث على تسمية الشعر الحرّ. وفي منتصف الستينيات بلغ من أثر الحركة أن توارى استخدام مصطلح الشعر الحر إلاّ في المجال التاريخي. وكان ماعبرت عنه "حركة مجلة شعر" في التحول من " الشعر الحر" إلى" الشعر الحديث" هو على وجه التحديد التحوّل إلى الشعر- الرؤيا بوصف أنّ الشعر هو طريقة معرفة رؤيوية تنقل معرفةً مباشرة بالعالم، ولاتحاكي العالم بل تبتدِع عالماً جديداً. كانت حركة مجلة شعر تستخدم المفهوم Concept. ولكن المفهوم يبقى كلمةً عامّة إن لم نموضعها في مكانها المعرفي. وكان الخال في وضع الأسس وأدونيس في التنظير المعمّق يقصدان بتغيير" المضمون" النظر إلى الشعر كطريقة معرفةٍ مباشرة بالعالم تنقل معرفة مباشرة حدسية بواسطة الحدوس والرموز، بالمعنى" العرفاني" أو" الغنوصي" الأفلوطيني-المحدث للمعرفة. ماهو" الباراديغم"؟ ماسمّته "حركة مجلة شعر" بـ" المفهوم" لم يكن سوى الـ" باراديغم" Paradigme في الإبيتسمولوجيا. هذا السؤال شديد الأهمية بالنسبة إلى المقاربة المعرفيّة للشعر التي كان أدونيس أول من صاغها بشكل منظوميّ. البارادغيم في فلسفة المعرفة ليس سوى التصوّر أو الرؤية الكونية. وهو يخترِق بذلك شتّى حقول المعرفة. الباراديغم هو نظام تشغيل البرامج في أقصى تحوّلات تقانة المعلومات اليوم، وهو في العلوم الرياضية المصفوفة أو Matrice، وهو في العلوم الاجتماعية ما يفيد "التصوّر الشامل" أو" كيفيّة إدراك العالم". وبالمعنى العام فإن الباراديغم هو نسقٌ من التصوّرات المقبولة عموماً في مجالٍ بعينه. الباراديغم هو نشوء الرأسمالية عند ماكس فيبر في كتابه (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية)، وهو الرأسمال الاجتماعي عند بورديو، والصراع الطبقي عند الماركسية، واللاوعي عند الفرويدية، والديمقراطية عند دو تو كفيل [8]. وفي إطار هذا المنهج يمكن الحديث عن باراديغم "رومنتيكي" و"وجداني" و"رؤيوي" و"يومي" .. إلخ. مافعلته (مجلة شعر) عموماً، ومافعله أدونيس في المجلّة هو تحويل مفهوم "الشعر الحديث" إلى "باراديغم" يعني على وجه الدقة "الرؤيوي". في تجربة مجلة شعر وأدونيس شكّل ذلك صراعاً، اختلط بالصراع حول مفهوم الهوية. لكنّه أفضى إلى تصورات مقبولة أو إلى بارادغيم على وجه التحديد. كان أدونيس بكلّ بساطة ودقّة هو منظّر ذلك عبر مسار التحوّل من الصراع إلى الاستقرار. ولكنّه في الاستقرار صاغ نموذجاً. ولكن كما تقول لنا النظرية الإبسيتمولوجية للثورات العلمية، فإن كل باراديغم يتعرّض في فترةٍ لاحقةٍ لثورةٍ عليه. إذا ما ميّزنا بلغة إتيان سوريو بين الشعرية الفلسفية والشعرية العلمية، أو مابين علم الجمال الفلسفي وعلم الجمال العلمي، فإن صياغة مفهوم القصيدة-الرؤيا في "حركة الشعر الحديث" في مرحلة "مجلة شعر" قد تمّت في ضوء مفاهيم الشعرية الفلسفيّة، وليس في ضوء مفاهيم الشعرية العلميّة التي تبلورت في صيغ الشعرية البنيوية. ولقد صيغ مفهوم القصيدة-الرؤيا في نظرية الشعر العربي الحديث من الناحية التاريخية الصرفة قبل تبلور الشعرية العلمية في صيغ الشعرية البنيوية الشكلانية، وهيمنتها في مرحلة الانقلاب العلموي المعرفي للعلوم الإنسانية بما فيها علم الاقتصاد من علوم معيارية Sciences normative إلى علوم دقيقة Sciences exactes، والعمل على جعل العلوم الإنسانية تضاهي في دقّتها العلوم الرياضية والطبيعية. ولقد ادّعت الشعرية العلمية أو البنيوية كفاءةً منهجيّة وإجرائية فعّالة في اكتشاف شعريّة الشعر من خلال منظومةٍ من المفاهيم والأدوات الوصفية-التحليلية الجديدة. وغيّر ذلك النظرة إلى الصورة الشعرية من تمثيلٍ بلاغي كلاسيكيّ إلى مفهومٍ جديد. والفكرة هنا أن التجديد المعرفي قد غيّر منظومة كاملة من المفاهيم.
كان التحول من الشعر الحر إلى الشعر الحديث حركة تحوّل معرفية بامتياز استوعبت منجزات الشعر الحر وتجاوزتها إلى"بارادغيم" يشكل الرؤيوي جوهره. وكان هذا التحوّل على مستوى المفاهيم ضارباً بعمق في الشاعرية الفلسفية، وتحديداً في ينابيع الشاعرية الأفلوطينية المحدثة، أكثرمنه في الشاعرية العلمية أو العلموية الحديثة كل الحداثة. وحين استفاد هذا التحول من الشاعرية العلموية فإنه استفاد منها أداتياً. وكان هذا الاستغلال كبيراً، لأنّه حاول تأسيس الشاعرية الفلسفية على أسسٍ علمية. وبمعنى آخر كان الباراديغم الرؤيوي شديد التفاعلية والمرونة، لكن من دون أن يتبلّد إلى" جثةٍ" في الشاعرية العلموية. والخلاصة خلف ذلك على مستوى الشعر هو أن" اليومي" باراديغم" مقابل" لـ" الرؤيوي" من الناحية النظرية المطلقة. ولكن هذه المواجهة كانت إشكاليةً. فكيف؟ واجهت عملية بناء مفهوم الشعر-الرؤيا في الحقل الثقافي-الشعري العربي الحديث في خمسينيات القرن العشرين بعض جوانب إشكالية العلاقة بين" اليومي" و"الرؤيوي" على شكل مواجهة إشكالية العلاقة بين اللغة الشعرية واللغة المحكية. كان الخال في تحديد أسس حركة الشعر الحديث قد أشار إلى استخدام" الصورة الحيّة" مكان الصورة البيانية "التقليدية"، بعمنى إبداع صورٍ شعريّة جديدة، وإلى "إبدال التعابير والمفردات القديمة التي استُنزفت حيويّتها بتعابيرٍ ومفردات جديدة مستمدّة من صميم التجربة ومن حياة الشعب". ويمكن تكثيف الجدل النظري حول هذه الإشكالية في مقاربتين عريضيتين. يمكن وصف المقاربة الأولى بالمقاربة الإليوتية. وقد ميزت هذه المقاربة النقاد والشعراء الذين غلب المؤثر الأنجلو-ساكسوني في تكوينهم الثقافي-النقدي- الشعري مثل محمد النويهي وتوفيق صايغ وجبرا إبراهيم جبرا.. إلخ. وقد دعت هذه المقاربة في ضوء فهمها لقصيدة "الأرض اليباب" للشاعر الانكليزي ت.س. إليوت إلى إدماج Intégration اللغة" الاعتيادية" في شعر-الرؤيا، والتركيز على نظرية "المعادل الموضوعي" للرؤيا الشعرية، التي تمّ إنتاجها في الشعر العربي الحديث في شكل معادلٍ أسطوري للرؤيا الشعرية، ووجد ذروته في تشكّل القصيدة التمّوزية في الشعر العربي الحديث. بينما واجهت المقاربة الثانية مواجهةً تامةً ومعياريةً بين "الرؤيوي" و"اليومي" بوصفهما نقيضين. وارتبطت المقاربة الثانية بالشعراء والنقاد ذوي التكوين الفرنسي عموماً، وارتبطت على نحوٍ محدّد بأدونيس الشاب الذي كان أوّل من بلور مفهوم الشعر-الرؤيا في حركة الشعر العربي الحديث على صفحات مجلة شعر بشكل منظومي Systématique، ونقل مفهوم الرؤيا من حيّز الأفكار المبعثرة إلى حيز نظريّةٍ معيارية متماسكة لمعنى الشعر الحديث ومفهومه، مارست تأثيراً "هائلاً" في تغيير مفهوم الشعر، وحوّل حركة مجلة شعر بالفعل إلى حركة للشعر-الرؤيا. في كل من المقاربتين الإليوتية العربية والأدونيسية كان الرؤيوي هو المعيار، بينما كان إدراك اليومي مقصوراً فقط على جانب إدماج اللغة الاعتيادية في لغة الشعر-الرؤيا. وهو مجرّد جانبٍ من جوانب الإشكالية. وفهمت اللغة الاعتيادية في عملية الإدماج في حدود إدماج مفردات من اللغة العامية (هي فعلياً لهجة لغوية غير معرّبة) في التكوين اللغوي الرؤيوي للقصيدة. وقد برز التناقض بين تعقيد الرؤيا وبين تبسيط لغة الخطاب الشعري [9] بشكلٍ ظهر فيه إدماج بعض مفردات العامية في شكل" إقحام"، وكأنه يعكس انفعالاً ثقافوياً بالفكرة الإليوتية أكثر مما يعبر عن محاولة" طبيعية". مثّلت إشكالية "جدار اللغة" إحدى أبرز إشكاليات حركة الشعر الحديث في مجلة شعر. وتمفصلت هذه الإشكالية مع إشكاليات ثقافوية وفكروية وسياسية ضاغطة ومعقّدة ترتبط برمتها بمفهوم الهوية. وفي العدد الأخير لمجلة شعر (1964) أعلن يوسف الخال مؤسّس المجلة أن حركة مجلة شعر قد اصطدمت بالازدواجية بين "ما نكتب وما نحكي". ورأى أن الأدب الذي أنتجته الحركة كان أدباً "أكاديمياً" ضعيف الصلة بـ"الحياة" بسبب تلك الازدواجية [10]. وطرح بشكلٍ استباقي أبواب "فتحٍ شعريّ جديد" يتجاوز هذه الإشكالية. وكان الخال في ذلك محكوماً بنزعةٍ ثقافويةٍ" قوماويّةٍ" أكثر مماهي شعرية. وتتلخّص في أن تطوّر اللغة العربية يجب أن يحاكي تطور اللاتينية إلى لغاتٍ قوميّة أوروبية. وفي ضوء تكوينه السوري القومي-الاجتماعي الأوّل الذي يرى العالم العربي مؤلّفاً من أربعة أقاليم "عربية" هي: سورية الطبيعية الكبرى، ووادي النيل، والمغرب العربي، والجزيرة العربية، كان على الأرجح يرى في "لغة الحياة" اللغة الجارية في بلاد الشام. وهي فصحى لكنها غير معرَبةٍ [11].
لقد عرف الشعر السوري الحديث في مرحلة التحوّل من حركة "الشعر الحر" إلى "حركة الشعر الحديث" مع انطلاقة مجلة" شعر" محاولات تجديدية "مبعثرة" تمثّلت في تفاعل الشعر السوري مع اتجاهات ماكان يسمّى بـ"المدرسة اللبنانية الحديثة" . وهذه المدرسة كان نزار قباني الشاب ينتمي إلى فضائها. كما عرف تجربة "سوريالية" متطرّفة تدعي تجاوز "سوريالية" الحركة السوريالية، وسوريالية أندريه بروتون مع أورخان ميسر (1911-1965) وعلي الناصر (1896-1970) في "سريال" (1947). وقد وصف ميسر سوريالية بروتون و"جماعته" بأنّها" شبه سوريالية" (Para-surréalisme) "لاتخرج عن كونها آثاراً ذهنيةً مباشرةً تحيط بها خيوط هندسية من الرمزية المتطرّفة" [12]. وكانت حلقة حلب السوريالية مختلفة في ذلك عن حلقة "الفن والحرية" المصرية المتحلّقة حول جورج حنين المرتبط بالحركة السوريالية. وانضمّ إليها فنانٌ تشكيلي "سوريالي" حلبي هو عدنان ميسر. وقد عرف هذا الشعر تجربةً شعرية مختلفة تربط بين قصيدة النثر وبين قصيدة "الإشراقات" الصوفية في "أغاني القبة" (1950) لخير الدين الأسدي (1900-1971)، الذي مثّل إحدى أهم حلقات التحوّل من الشعر المنثور إلى قصيدة النثر الرؤيوية في صيغتها الصوفية. وكان الأسدي قد حاول أن يضارع القرآن في قصائده، وسمى قصائده بـ"السور"، واكتشف بعض آليات السوريالية من دون لأن يكون قد سمع بها بالضرورة من خلال التجربة الصوفية نفسها [13]. وسيكرّر أدونيس الشاب هذا الاكتشاف. لكن مفهوم شعر-الرؤيا الذي بلوره أدونيس في شكل مفهومٍ معرفيّ للشعر سيمارس تأثيراً قوياً في إعادة اكتشاف هذا الإرث، كما ستتمّ التجارب الشعرية الرؤيوية تحت تأثيرٍ شديدٍ منه. وتقع في هذا الإطار تجارب "ريادية" في شعر-الرؤيا السوري أنتجها محمد عمران (1943-1996) وعلي الجندي ومحمود السيد وفايز خضور، وفايز مقدسي، ومصطفى خضر، ونزيهأبوعفش في بعض مراحله.. إلخ. أما سليم بركات (ولد في العام 1951) فقد وسّع معنى الرؤيوية الشعرية إلى الملحمية الكونية الأولى، حيث يكون الإنسان والكون مندمجين معاً دون اغتراب. وأنتج بركات نشيد الوحدة الكيانية بين الإنسان والعالم، راجعاً بالكون إلى مرحلته الشعرية أو مرحلة" الجمهرات" كما يسمّيها، وهو عالمٌ مقابل لعالم الجماعات المنظّمة. ومن بين شعراء" الملتقى" الأساسيين الذين طرحوا تخطّي شعرية الرؤيا إلى شعرية اليومي انفرد عبد اللطيف خطّاب (1959-2006) الذي لقب بـ" الأمير" محاكاةً للأمير ميشكين بمتابعة هذا الاتجاه، ومحاولة البحث عن تميّزٍ فيه. كان عبد اللطيف خطاب يشبه رياض الصالح الحسين في أنّه من نوع ما يمكن أن يسمّى بلغة مجازية بـ"نجم" هوى. لقد قطع الموت حياتهما. كان الحسين يتطور بسرعة "مدهشة" باتجاه شعر اليومي بينما كان خطاب يطور المنحى الرؤيوي في اتجاهاتٍ ملحمية، وهو يخوض المناقشات الصعبة مع اتجاهات شعر-اليومي. وكان اتجاه كل من بركات والخطّاب عميقاً لكنّه لم يكن مهيمناً بمعنى النموذج أو البارادغيم على مفهوم الشعري وإدراك الشعرية للعالم. لم يكن لبروز مفهوم شعر اليومي La poésie du quotidien في الشعر العربي الحديث عموماً، وتحديداً في الشعر السوري الذي حول شعر اليومي إلى حركة شعرية، أي ارتباطٍ بإشكالية "جدار اللغة" التي طرحها يوسف الخال، والمقصود أن إشكالية "جدار اللغة" لم تمارس أيّ تأثيرٍ مرجعي مباشِر يمكن قياسه كمياً أو نوعياً في طرح مفهوم شعر اليومي في الشعر السوري الحديث، وإن كانت حركة شعر اليومي بطبيعتها أكثر نزوعاً لإدماج المحكي و"الدارج" في لغتها الشعرية. وعلى كلّ حال ليست "العامية" نقيضاً لـ"الفصحى"، إذ أن " العامية" هي لغة فصحى لكنها غير "معرَبةٍ". بل اشتقّ مفهوم شعر اليومي في نظرية الشعر العربي الحديث من التحوّلات الشعرية نفسها، وتبلور هذا المفهوم في مواجهة مفهوم الشعر-الرؤيا الذي بلورته حركة مجلة شعر من خلال أدونيس بشكلٍ خاص كمفهوم معياري للحداثة والشعر معاً. ولهذا يمكن وصف حركة شعر اليومي بوصفها مضادة لحركة الشعر-الرؤيا على أنّها حركة مضادة للأدونيسية التي بلورت ذلك المفهوم. في السبعينيات برزت تجارب شعرية جديدة "نشطة" في سورية تمثلت "رياداتها" بتجارب الشعراء الخمسة "الروّاد" لهذا التحول باتجاه اليومي، وهم نزيه أبوعفش (ولد في العام 1946) وعادل محمود (ولد في العام 1946) ورياض الصالح الحسين (1954-1982) ومنذر مصري (ولد في العام1949) وبندر عبد الحميد (ولد في العام 1947). في مرحلة لاحقةٍ تم "تنسيب" بعض اتجاهات نزار قباني إلى الظاهرة الجديدة التي غدت تياراً أو حركة أو"باراديغماً" بمصطلحات فلسفة العلوم. لكن قوّة الحركة دفعت شعراء عديدين ينتمون إلى شعر الحالة العامة الحديثة إلى اختبار ذلك. وبذلك كانت الحركة تياراً يجرف الحالة كلها. وقد انفرد نزيه أبوعفش بين الشعراء الخمسة بأنّه كان يجمع بين اتجاه القصيدة-الرؤيا في شكلها الأكثر تعبيراً وهو القصيدة الميتافيزيقية، وبين اتجاه شعر اليومي، ثم يوميّ اليومي، أو نثر النثر. نزيه حالة واسعة، فنجد لديه القصيدة الميتافيزيقية بكمالها في" الله يبكي" كما نجد لديه حالة نثر النثر كمقولة جمالية. وقد طرحت هذه التجارب أسئلةً عديدةً عن هويتها. ففي العام 1978 جرت أولى محاولة تشكيل وعيٍ نقدي بهذه الظاهرة، ومحاولة التنظير إليها كانقلابٍ في فهم الشعر وإنتاجه خارج معايير مفهوم القصيدة-الرؤيا، من خلال دراسة حملت عنوان" القصيدة الشفوية"، وقامت على المواجهة بين مفهومي الشفوي/اليومي والرؤيوي/الميتافيريقي [14]. وقد انطلقت هذه الدراسة من أن الاتجاهات الجديدة في الشعر السوري الحديث تقع في إطار إعادة اكتشاف شعرية اليومي في تجربة محمد الماغوط (1934-2006)، الذي وإن أصدرت مجلة شعر مجموعته الأولى "حزن في ضوء القمر" (1959) إلاّ أنها حاولت تهميش منظوره الجديد لعلاقة اليومي مع الشعري. وفي العام 1985 كانت دراسة منظّري الاتجاه الجديد في الشعر السوري قد وصلت إلى ذورتها بإعادة قراءة تجربة (حركة مجلة شعر)، وتقديم سلسلة من الدراسات" المعمّقة" يومئذ حولها، عبر العودة إلى نصوصها مباشرةً. وكان المقصود بالمواجهة تخطّي البحث الأدونيسي عن الشعر في جماليات الرؤيا وطبيعتها الميتافيزيكية ولغتها "الكهانية" أو "الرمزوية" إلى البحث عن شعرٍ في مقاربة جماليات نثر الحياة اليومية. وتمّ اقتراح مصطلح "القصيدة الشفوية" في ضوء التأثر بتجربة الشاعر الفرنسي جاك بريفير، والجدل الذي أثاره شعره عن اليومي والرؤيوي في الشعر الفرنسي من جهة، وفي ضوء أفكار الشاعر الفرنسي هنري ميشونيك. لكن تطوّر المصطلح نفسه خضع لتطوّر الحركة الشعرية الجديدة. ولم يكن لهذه الحركة مجلة على غرار مجلة شعر لكن كان لديها مختبر تفاعلي حقيقي تمثل في "ملتقى الشعراء الشباب في جامعة حلب" [15] الذي وضع نصب عينيه تجارب الشعراء الخمسة ومساءلتها وتعزيز اتجاهاتها. كانت هذه التجارب تبحث عن هوية مستقلة لها تعرّفها وتبيّن "جديدها". وفي عملية التفاعل الحواري النقدي-الشعري المفتوح الذي كان مستواه النوعي لايقلّ أبداً عن جدية تفاعلات "خميس مجلة شعر" تمّت عملية إعادة تقييم حركة مجلة شعر، وتحليل المفهوم الأدونيسي للشعر-الرؤيا، وردّه إلى مراجعه الشعرية والمعرفية، وطرح إعادة اكتشاف الشاعر السوري محمد الماغوط والشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا، ثم إعادة اكتشاف الشاعر العراقي سعدي يوسف، وفي مرحلة متأخرة إعادة اكتشاف شعر نزار قباني بوصف أن بعض شعره ينتمي إلى فضاء اليومي. وتمّ ذلك في في ضوء مفهوم جديد للشعريّ هو على وجه التحديد مفهوم "شعر اليومي". وكان سعدي يوسف قد نشر في العدد الأول من مجلة شعر إحدى قصائده التي نمّت بشكل مبكر عن اتجاهه اللاحق. لكن الماغوط وأبو شقرا كانا من "الأعضاء العاملين" في مجلة شعر. لكنّهما كانا يكتبان خارج مفهوم الشعر-الرؤيا الذي نظّرت له المجلة جذرياً. وكانت إعادة اكتشاف الماغوط من المحاور الأساسية في الحوارات التفاعلية. كان الاحتكاك المرتبك بالنقد الفرنسي الحديث، وباتجاهات رؤيته لتجارب جاك بريفير قد مارست تأثيراً قوياً في اقتراح شعر اليومي. وكان هذا التأثير مفهوميا ًConceptuel في المقام الأول. ويعود ذلك إلى قصائد بريفير نفسها. ففي المنظور المقارن الصرف كان الجدل مستعراً في فرنسا في القرن العشرين حول اليومي والرؤيوي، وحول إشكالية : هل يشكّل اليومي مصدراً للإلهام الشعري؟ وكانت قصيدة Cortège لبريفير قد فتحت في الأربعينيات جدالات شعرية معمّقة حول أسئلتها انخرط فيها جان باتاي وغيره. يأتي التركيز هنا على بريفير بسبب أن نتاجه كان معروفاً بدرجةٍ معينةٍ، وسبق للشاعر نزار قباني أن استوحاه في إحدى قصائد المغنّاة اليوم. وكان أبولينير قد طرح في محاضرته عن "الروح الجديدة والشعراء" أنّ أقلّ شيء وحدث يومي يمكن أن يفتح أمام الشاعر ممكناتٍ لانهائيةً للكتابة، وأنّ اليومي هو منبع ثرٍ للإلهام. لكن أبولينير لم يعرف قط في تقديم مجلة "شعر" له أو في أيّة مقاربة له في الأدب العربي الحديث بهذا الموقف تجاه الشعري واليومي، بل عرف بكونه شاعراً سوريالياً طرح "الروح الجديدة" وبكونه حطم شكل القصيدة لا أكثر. وقدّمته المجلة بوصفه شاعر-رؤيا مواجهاً لشعر-اليومي. كان هذا التقديم نوعاً من إعادة تقديم "رؤيوي" خالص لأبولينير يتّسق مع مفهوم شعر-الرؤيا. كانت حركة مجلة شعر قد اصطدمت بالأسئلة التي أثارها شعر الماغوط حين فرّ في العام 1957 من دمشق إلى بيروت لأسبابٍ سياسيةٍ تتعلق باضطهاد السلطات للمنتسبين إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي. وكان الماغوط قد كتب معظم قصائده التي ستضمّها مجموعته الأولى "حزنٌ في ضوء القمر" (1959) في السجن في دمشق في الأعوام 1965-1957 على أوراق باكيتات سيجارات رديئة من نوع "بافرا". ولكن قصائده لم تثِر لدى الحركة مشكلة الشعري واليومي التي كانت قائمة قبل عقدين في فرنسا، بل أثارت مشكلة النثر الشعري وقصيدة النثر. وفي هذا السياق تحديداً تمّت العودة من قبل أدونيس وأنسي الحاج إلى أطروحة سوزان برنارSuzanne Bernard المعنونة بـ Le poème en prose de Baudelaire jusqu’ à nos jours التي صدرت في العام 1959 [16]. كانت هذه العودة تتّسم بما تتّسم به حركة انتقال الأفكار من مجالٍ ثقافي إلى مجالٍ آخر. وفي الانتقال يجري تكييف الأفكار وإعادة إنتاجها. فيسقط شيءٌ منها ويضاف إليه عناصر جديدة. هذا شيءٌ مألوف جداً في طريقة انتقال الأفكار، تشرح نظرية" المثاقفة" بعض أبرز جوانبه. وقد اختار أدونيس من كتاب سوزان برنار الضخم جداً فصلاً يعزّز المماهاة بين قصيدة النثر وبين الشعر-الرؤيا. بينما كان الكتاب يشير إلى مفهوم بودلير لقصيدة النثر في أنّها تفتح الباب أمام استيعاب اليومي والمديني والهارب .وكان بودلير الشاعر الرؤيوي الرمزي نفسه يمتلك قطبي الرؤيا واليومية، وحاول في قطبه اليومي أن يدحرج" الهالات" في الوحل، وأن يبحث عن "رسام الحياة الحديثة". وخلاصة ذلك أنّ شعر الماغوط لم يثر مشكلة الشعري واليومي بل مشكلة النثر الشعري وقصيدة النثر. وتكرّر ذلك مع شعر الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا في مجموعته "ماء إلى حصان العائلة" (1962)، وكان أبو شقرا من الأعضاء العاملين في المجلة. هكذا كانت هذه القصائد نموذجاً لما سيطلق عليه لاحقاً اسم شعر اليومي، ولكن المجلة بسبب طغيان مفهوم الشعر-الرؤيا على مفهومها للشعر وللشعر الحديث لم تعترِف إلا بصعوبةٍ شديدةٍ بأنّ ماكتبه أبو شقرا هو شعر، وقدّمته في البداية على أنّه نثر.
أنتج الجدل حول شعر اليومي في سورية مفاهيم معمّقةً جديدةً يمكن لها أن تثري مفهوم شعر اليومي في الشعر العالمي ككلّ الذي يشكّل شعر اليومي أحد أبرز حيزاته. وقد انحاز شعر اليومي في سورية عموماً إلى كتابة قصيدة النثر القصيرة وكان في ذلك أقرب مايكون إلى فهم بودلير في كون قصيدة النثر منفتحة بطبيعتها على اليومي والوقائعي والجزئي. ولكنّه تجاوز الانفتاح الشكليّ لقصيدة النثر على اليومي إلى تجاوز إشكالية النثري/الشعري في الثقافة العربية، وتأسيس النثري جمالياً، بوصفه يعني جمالياً الوقائعي اليومي، وليس النثري مقابل الموزون بالضرورة. وبذلك رفع النثري إلى مرتبة المقولة الجمالية. عبّرت عملية تأسيس النثري اليومي كمقولة جمالية شعرية عن تخطي الثنائية "التاريخانية" بين لغة الشعر-الملحمة التي يتوافق فيها الإنسان مع العالم في صورة الإنسان الكونيّ وبين لغة النثر التي تحيل إلى عالمٍ فقد اندغامه مع الكون، وغدا ضحية الاغتراب. في شعر اليومي اغترابٌ من نوعٍ آخر هو أقرب إلى الغربة والإخفاق وانكسار الأمل والخاطر. ولكن هذا شيءٌ مختلف عن الاغتراب بمعناه الفلسفي. إنّه أقرب إلى غربة الحياة اليومية، أو بالأحرى الاغتراب مرمياً في "وحل" تفاصيل الحياة اليومية، وشعورها أو مشاعرها. الغربة في شعر اليومي هو شعور وليس رؤيا كيانية. كانت مواجهة الإنسان-الكونيّ-النبيّ في شعر الرؤيا بالإنسان الصغير تعبّر من الناحية السوسيولوجية عن ارتفاع وتيرة عملية التمدين النوعية في سورية. ففي السبعينيات والثمانينيات اشتدّت نوعيّة عملية التمدين، وبرزت اتجاهات التحويل الراديكالي الحديث للبنية المعمارية والمكانية والنفسية فيما سمي بـ"سورية الحديثة". وتحوّل نمط المقاهي والشوارع والبنيان، وأخذت الأوتوسترادات تحطّم أوصال المدينة القديمة، وتبني جسوراً وطرقاً للسيارات. هكذا نشأ حيّزٌ مديني جديد مختلف عما سبقه. وبرزت مدينية المدينة السورية "الطاحنة"، وتكوّنت فيها حيزات للفرد الصغير "المستقلّ" الذي ينتمي سيميولوجياً إلى الفئات الوسطى، غير أنه خاضعٌ بعنف إلى عملية "تكديح". ففي الثمانينيات غدت الصورة النموذجية للفئات الوسطى هي صورة الإنسان الصغير "المكدّح" الذي لم تعد" تلهبه" الشعارات "القومية" و"الرايات" الكبرى للأفكار. وكان التفخيم "الكاريزمي" نفسه تعويضاً عن انكسار هذه الرايات. هكذا كان شعر-اليومي في أحد وظائفه السوسيولوجية تعبيراً "مميّزاً" عن "الدراما" الجديدة في الفضاء أو الحيّز المديني الجديد المتحوّل. ولم يكن ذلك مستقلاً عن أبعادٍ سياسية كليّة تمثلت في موت الكاريزما الرسميّة المعلنة. ففي بعض الوجوه كان موت الشاعر البطل الكوني القائد والنبي صورةً أخرى لموت الكاريزما في نظام الحياة الاجتماعية-السياسية-الثقافية. إن البطل أو القربان أو الفدائي أو القائد الكاريزمي الذي اندفع خلفه أدونيس بكل جوارحه وهو يكتب عنه قصيدته عن الأرض، ونعني به أنطون سعادة، لم يعُد هو أو نماذجه يقدّم مثالاً جمالياً. لقد انهارت المثل الجمالية البطولية الكاريزمية الكلية، وباتت المثل الجمالية الجديدة خارجها. لقد برز"الإنسان الصغير" الذي يعرف كل ما يدّعيه "الإنسان الكاريزمي الكبير" لكنّه لا "يصدقه" وينحيه جانباً. كان ذلك بعضاً من صورة مدينية جديدة أنتجتها عملية التحديث. هكذا لم يعد الشاعر نبياً-مخلّصاً بل "إنساناً صغيراً". يستمرّ الشعر اليوم في سورية بينما نحن في صراع المفاهيم. وحيث لا نستطيع حتّى هذه اللحظة أن نفكّر بأيّ شيء خارج المفاهيم. لكّننا نستطيع التفكير باختراقها، وإعادة التفكير بها، وأن نشتقّ معرفتنا بالشعري... من الشعريّ نفسه.
* باحث ومفكر سوري له أكثر من خمسة عشر كتاباً. عمل خبيراً في منظمات الأمم المتحدة، المدير والمؤلف الرئيس في مشاريع "التعليم والتنمية البشرية" و"مشروع سورية 2025" و"الهجرة الخارجية الدولية السورية" و"بناء شبكة للجمعيات التنموية غير الحكومية في سورية" و" تقرير حالة سكان سورية 2008". وهو باحث مقيم في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى IFPO
[1] أطلق على حركة الشعر الحر ومايزال يطلق عليها اسم شائع يعبر عن التغير الأساسي الذي كرسته، وهو اسم شعر التفعيلة الذي استعاض عن البحور الشعرية الوزنية القياسية العربية الكلاسيكية المعروفة، والمضبوطة تفعيلياً بدقةٍ صارمةٍ بالتفعيلة كوحدة إيقاعية قياسية أساسية للشكل الجديد من الشعر أو شكل الشعر الحر. أفضى هذا التغيير يومئذ بين أواسط الأربعينيات وحتى مطالع ستينيات القرن العشرين إلى تغيير جوهري في الشكل الخطي العمودي الهندسي الدقيق لشكل القصيدة العربية، لكنه لم يقتصر على تغيير شكل القصيدة فحسب بل واشتمل على تبرير التغيير بعجز الشكل العمودي الكلاسيكي عن استيعاب الروح والرؤى الجديدة. كان التغيير أكبر من تغيير شكلي في شكل القصيدة. وفي تاريخ تغير أشكال القصيدة العربية شكلت قصيدة" الكوليرا" خصوصاً والديوان الثاني للملائكة "شظايا ورماد" (1949) رسمياً وإعلامياً ميلاد" حركة الشعر الحر". وجرى صراع عنيف حول تبني هذه الاستباقية، مما يشير إلى قوة الحركة، و"شرف" ريادتها. وعزز هذا التنافس حول أسبقية الريادة قوّة الظاهرة وساهمت بتحويلها إلى حركة يقبل كثيرون على الانغماس في تيارها. وأعادت في ضوء بحث أيّ ظاهرة عن تأسيسٍ لها قراءة التغيرات الشكلية-الإيقاعية في تاريخ الشعر العربي كله. والحقيقة أن نازك الملائكة توّجت التحوّلات الإيقاعية- القياسية التي تمّت على مدى سبعين عاماً على الأقل، ونظّرت لها بشكلٍ متماسك قياسياً. وكانت حركتها نهاية أكثر منها بداية. راجع: س. موريه: حركات التجديد في موسيقى الشعر العربي، ترجمة سعد مصلح، القاهرة، 1969. وكذلك سلمى الخضراء الجيوسي: الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث، ترجمة عبد الواحد لؤلؤة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001. [2] محاضرة يوسف الخال، محاضرات الندوة اللبنانية، المجلد(11) أيار/ مايو 1957، ص372. ومن المفارقات أن مجلة شعر نفسها لم تنشر إلاّ ملخص المحاضرة في عددها الثاني، شعر 2، نيسان/أبريل 1957، ص96-99. [3] قارن مع توماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة شوقي جلال، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 1992، ص41. [4] إن تحديد هذا التدشين والاعتراف به سيتم لاحقاً. ونستخدمه هنا على طريقة البحوث الاجتماعية والتاريخية في مفهوم التدشين. أي قراءة التدشين في ضوء ماأفضت إليه الظاهرة، ثم العودة بشكلٍ رجعي إلى اللحظة المؤسسة وتأكيدها. [5] محاضرة يوسف الخال، محاضرات الندوة اللبنانية، مصدر سبق ذكره. [6] وضع الخال عشرة أسس لحركة الشعر الحديث تتلخّص في: التعبير الكياني عن التجربة الحياتية على حقيقتها، واستخدام الصورة الحية مقابل استخدام التشبيه والاستعارة والتجريد اللفظي، وإبدال التعابير والمفردات القديمة التي فقدت حيوتها بتعابير ومفرداتٍ جديدةٍ مستمدةٍ من صميم التجربة، ومن حياة الشعب. وتطوير الإيقاع الشعري العربي، فليس للأوزان التقليدية أي قداسة، والاعتماد في بناء القصيدة على وحدة التجربة، والإنسان هو الموضوع الأول والأخير للشعر، ووعي التراث الروحي والعقلي العربي على حقيقته من دون مسايرة، والغوص إلى أعماق التراث الروحي- العقلي الأوروبي والتفاعل معه، والإفادة من التجارب الشعرية التي حققها أدباء العالم، والامتزاج بروح الشعب لا بروح الطبيعة.(الخال، محاضرة في الندوة اللبنانية، مصدر سبق ذكره، ص 96-99) [7] أدونيس، محاولة في تعريف الشعر الحديث، شعر 11، حزيران/ يونيو 1959 [8] ميشال دوبوا، مدخل إلى علم اجتماع العلوم، ترجمة سعود المولى، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،2008، ص460-461. اضفنا اللاوعي هنا إلى البارادغيم. تقترب بنية الثورات الشعرية هنا من بنية الثورات العلمية في الإبيستمولوجيا الحديثة، قارن مع توماس كون، بنية الثورات العلمية، مصدر سبق ذكره. [9] حول تبسيط لغة الخطاب الشعري، وإدماج المفردات" الدارجة" فيه قارن مع تتبع وتحليل كمال خير بك، حركة الحداثة في الشعر العربي الماصر، المنشورات الشرقية الفرنسية، بيروت،1987، ص155-169 [10] يوسف الخال،" بيان" العدد الأخير، مجلة شعر، صيف-خريف 1964، ص7-8. [11] أحمد فرحات حوار مع يوسف الخال، الكفاح العربي، 14/11/1983 قارن مع خيربك، مصدر سبق ذكره، ص89 ومع ماكتبه الخال في مناقشة ماأثاره محمد النويهي في كتابه" قضية الشعر الجديد"(1964)،:" نحو شكل جديد لشعر عربي جديد"، شعرن العدد الأخير، صيف-خريف 1964، ص122-127 [12] أورخان ميسر وعلي الناصر، سريال، مطبعة دار السلام، حلب، 1947، ص14-15. [13] جمال باروت، الحداثة الأولى، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، الشارقة،1991، ص237-239. [14] منذر مصري، انعطافة الستينيات، أنطولوجيا الشعر السوري، ج3، وزارة الثقافة، دمشق، 2008، ص30 [15] تأسس هذا الملتقي في العام 1980 بجامعة حلب على خلفية النقاشات التي ظهرت بواكيرها منذ العام 1978 واستمرت فورته حتى العام 1983، وكان يعقد سنوياً " لقاءين" شعريين، كانت تتم فيهما مناقشة القضايا والاتجاهات الجديدة من زوايا رؤى وأفكار متعددة بـ" حرية تامة". وفي مقدمتها إعادة النظر بالمعنى الأدونيسي للشعر. واشتملت فعاليات الملتقى على أسبوع محاورات سجالية حادة حول مشروع أدونيس، شارك فيه عدد من أساتذة كلية الآداب بجامعة حلب كان في مقدمتهم فؤاد المرعي وفايز الداية مع شعراء الملتقى. كانت حوارات شعراء الملتقى متواصلة وشبه يومية من خلال لقاءات منظمة وغير رسمية. وضارعت" ثلاثاء شعر" في سخون مناقشاتها وجدية الاهتمام بالشعري، ومتابعة الانقلاب الجديد في اتجاهات الشعر السوري الحديث. [16] حول حدود التأثر قارن بين:Suzanne Bernard, Le poème en prose de Baudelaire jusqu’ a nos jours, Librairie Nizet, paris,1959 مع أدونيس، في قصيدة النثر، شعر 14، ربيع 1960، ص75 ومع أنسي الحاج، مقدمة، مجلة شعر 1961
|