
بيئة وتقانات > كانون الأول/ديسمبر > 2009سيدريك غوفرنورإنّهم يضحّون بالغابات في أندونيسيا
الصيّادون القطّافون مجتمعون بشكل نصف حلقة في الواحة التي يغمرها ضوء الفجر. والرجال الذين يلبسون المئزر يراقبون الزائرين. ووراءهم، ترضّع النساء أطفالاً وتطمئن الأولاد الخائفين من هؤلاء الدخلاء. "منتي"، رجلٌ قويّ البنية في الستين من العمر، هو الأكبر سنّاً وقائد هذه المجموعة المؤلّفة من خمس عائلات؛ استدعى عالم الأنثروبولوجيا الأندونيسي الذي يرافقنا قائلاً: أنّ لا مانع "للأوران ريمبا" في أن يجيبوا على الأسئلة التي يطرحها. لكن يجب العمل بسرعة: إذ سوف يحين قريباً وقت الذهاب إلى الصيد. فقد أصبحت الطرائد نادرة مع اختفاء المحيط التي تسكن فيه. حيث أنّ غابة جزيرة سومطرة تتقلّص... ومن يفترسها أساسً: الزراعة الأحاديّة لشجر النخيل الذي يُستخرَج منه الزيت. فقد وجد زيت النخيل هذا، الذي يُستخدَم في التغذية وفي التجميل، منفذاً جديداً له: الملح العضوي الميتيلي المُستخرج من الزيت النباتي EMHV، وهو من المحروقات الزراعية. هكذا وسّعت أندونيسيا رسمياً مساحة أراضيها المزروعة بهذا الشجر من 3 إلى 7 مليون هكتار بين العامين 1998 و2007، لتصبح المنتج الأول عالمياً لهذا الزيت، أمام ماليزيا. ولتلبية تسارع الطلب على زيت النخيل (40 مليون طن متوقّعة للعام 2020 مقابل 22.5 مليون اليوم)، تخطّط جاكارتا مشاريعاً فرعونية: حيث يُفترَض تخصيص 20 مليون هكتار لزيت النخيل في العام 2020؛ أي 200 ألف كيلومتر مربّع أو ما يوازي ثلث مساحة فرنسا. وفي سومطرة، حيث تقلّصت المساحة الحرجية من 2.2 مليون هكتار إلى 400 ألف هكتار بين العام 1999 واليوم، سيُضاف 850 ألف هكتار إلى الـ450 ألف هكتار المزروعة حالياً. بسبب الجوع الذي يخور معدتهم مع اختفاء الطرائد، يساهم بعض "الأوران ريمبا" في اختفاء النظام البيئي الخاص بهم، مقابل بعض النقود. حيث يروي منتي: "أُخبرنا بأنّ قبيلةً تعيش غرباً قد باعت الغابة الى الجافانيّين. والظاهر أنّ هؤلاء يريدون تحويلها لزراعة النخيل". الأمر الذي يثير غضب الصيّادين ودهشة الزائرين: كيف في قلب حديقٍة وطنيةٍ تُعتبر "محميّة"، يمكن للأوران ريمباز أن "يبيعوا" أراضٍ - لا يملكونها إنما يستخدمونها- إلى زرّاعٍ لا يحقّ لهم شراؤها؟ قياساً بهذا المثل، يبدو أنّ وعود وزارة البيئة الأندونيسي هي مجرّد كلام فارغ. ألم يقسم، في 23 آذار/مارس 2007، في جاكارتا، على أنّه "لن يُضحّى بالغابات لأجل ملايين الهكتارات من أشجار النخيل المُدرّة للزيت؟". على بعد بضعة كيلومترات من منتي وأهله، استقبلنا كارديو، البالغ من العمر 54 سنة، في فناء منزله الواسع ذي العواميد المرمريّة المطليّة بالزهريّ. قال وهو يشير إلى منزلٍ خشبيّ صغيرٍ مجاور: "كنت أسكن هناك من قبل. وقد صنع زيت النخيل سعادتي". فكارديو هو مّمن يسمّونهم هنا بالـ"ترانسميغرازي". فبين العامين 1950 و2002، ولتخفيف الوطأة على جافا المكتظّة بالسكان [1]، حثّت جاكارتا أكثر من 6 مليون جافاني فقير على البحث عن فرصٍ لهم في الجزر المُحيطة بها. وقد تسبّبت هذه السياسة بنزاعات مستمرّة مع السكان الأصليّين الذين اعتبروا هؤلاء النازحين (أو "ترانسميغرازي")، بأفضل حال، دُخلاءً منحت لهم ميّزات، وبأسوأ حال مُستعمِرين يعزّزون هيمنة جافا التاريخية على الأرخبيل. وفي العام 2001، في بورنيو، قتل مئات الجافانيّين بمن فيهم النساء والأطفال على يد محاربين من "الداياك"، الذين استعادوا صيتهم هكذا بأنهم قاطعي رؤوس. ويشرح كارديو: "لقد غادرت جافا في نهاية العام 1984. أعطتني الحكومة منزلاً خشبياً، ثلاثة هكتارات ومساعدة مادّية لثلاثة أعوام". كانت البدايات صعبة جداً قبل وصول النخيل المدرّ للزيت وللأرباح. يختصر المسألة قائلاً: "لكن أنا أزرع اليوم 16 هكتاراً منها. كلّ واحدٍ ينتج 1.6 طن شهرياً، ويُباع كيلوغرام البذور بين 700 و1700 روبية، وفقاً للأسعار. هكذا تدرّ عليّ مساحتي الزراعية 45 مليون روبية شهرياً" (ما يوازي 3500 يورو شهرياً). كارديو الذي "انطلق من الصفر" يعيش برخاء، حتّى أنه سجّل أبناءه في الجامعة. وبما أنّ النخيل لا يتطلّب الكثير من العناية، لا يستخدم في ملكيّته الممتدّة على 16 هكتاراً سوى ستّة أشخاص: أي توفير في الأجور. وقد باح لنا المالكون الزراعيّون الذين التقينا بهم بأنّ التخفيف من حجم الأجور هو الذي حثّهم على تحويل أراضيهم المزروعة بأشجار المطاط (التي تحترم البيئة أكثر) إلى حقول نخيل. ويهنّىء كارديو نفسه لأنّه، "بفضل أسمدة ومبيدات مونسانتو، سيصبح المردود أفضل". فهل سمع مرّةً بمساوىء النخيل المدرّ للزيت على البيئة؟ يتّسم جوابه بالصراحة: "إنّ مستوى عيشي واقتصاد بلدي مرتهنان بالنخيل المدرّ للزيت. أمّا البيئة...". إن كان كارديو قد تدبّر أمره جيداً، فقلّما تشاركه مجموعة الفلاّحين الصغار في سومطرة الحماسة ذاتها. فعبر مجمل أنحاء الأرخبيل، هناك مئات القرى التي خيّبتها الوعود، وافتقرت بسبب منتوجٍ كان يُفترض به إغناؤهم، وسُلبت منها أراضيها ولُوّثت أنهارها، كلّها تقاوم جسدياً الشركات وقوى الأمن. فقد أحصت جمعيّة "والهي" مئتين وأربعة وعشرين نزاعاّ بين البلدات وشركات زيت النخيل في سومطرة، وحوالي خمسمئة في كافة أنحاء الأرخبيل. نظرياً، يتطلب التنازل عن قطعة أرضٍ لمستثمر احترام بعض المتطلّبات القانونية، منها دراسة التأثير البيئي. لكن، وفق الحسابات التي أجراها السيد سيرج مارتي، مدير جمعية LifeMosaïc السويسرية وواضع تقرير عن عواقب الزراعة الأحادية لنخيل الزيت [2]: "يكفي دفع بخشيشٍ بقيمة 50 مليون روبية (3900 يورو) للسماح بزراعة 200 ألف هكتار". وفي كافة أنحاء الأرخبيل، "تصل الشركات إلى القرى برفقة موظفين ورجال شرطة لتخويف السكان. وقد شاهدتُ حالات لقرويّين متّهمين بـ"الشيوعية"، كما في أيام سوهارتو، إذا رفضوا التنازل عن أراضيهم لـ"مشروع التنمية الوطنية"، ألا وهو نخيل الزيت [3]". في حين إنّ قانون التملّك في أندونيسيا هو من الأكثر غموضاً: فمنذ أيام المستعمرين الهولنديّين إلى يومنا هذا، لطالما احتفظت الحكومة لنفسها بإمكانيّة الاستحواذ على الملكيّات باسم "التنمية" أو "المصلحة العامة". حتّى العام 1999، كان سكان كارانغ مندافو، البالغ عددهم ألفين وخمسمئة، يعيشون من زراعة الأرز وأشجار المطاط. إنّهم يتحسّرون إلى تلك الفترة، عندما كانوا مُكتفين بذاتهم. هكذا يروي لنا رئيس القرية، محمد رسدي، بأنّ "شركة تابعة لمجموعة Sinar Mas" - أحد التكتّلات التجارية الأندونيسية - قد "أتت لقطع الأشجار بمساعدة جنودٍ ورجالٍ من الشرطة. إذ استحوذت Sinar Mas على 600 هكتار وحوّلتها إلى أراض لزراعة النخيل. لم نعُد نملك أراضٍ. ولم يعد هنالك من أحراج. سبع قرى مجاورة تعاني من المشكلة نفسها". وقد ذهب السيد رسدي ليدافع عن قضية قريته في مؤتمر بالي، في كانون الأول/ديسمبر 2007 [4]، لكن دون جدوى. يقول القريّون بغضب بأنّ Sinar Mas كانت قد أعطت "وعوداً كثيرة": تعويض عن الأضرار، مشاركة في أرباح الزراعة، تشغيل بأجر، بناء طرقات ومدارس... في حين لا يزالون ينتظرون الاستثمارات التي أُعلن عنها، وحيث شهدت غالبيّتهم على تداعي مداخيلها التي انقسمت أحياناً خمسة أضعاف. هكذا يشهد سايوتي، البالغ من العمر 42 سنة، وهو متزوج وأب لثلاثة أولاد:: "قبل العام 1999، كنت أملك 1.5 هكتاراً من الأراضي المزروعة بأشجار المطاط، وكان المطاط الذي تنتجه يدرّ علي 1200000 روبية شهرياً (حوالي 100 يورو)". اليوم، وقد أصبح مُساهماً صغيراً في حقول النخيل، لم يعد سايوتي يجني سوى 225000 روبية (17 يورو)...وقد دخلت النقود إلى الحياة اليومية: حيث أصبح على القرويّين شراء الفاكهة والخضار التي كانوا يزرعونها في الماضي. وحيث باتت الأنهر تحتضر: فالأسمدة والمبيدات قد قضت على الأسماك. فإن كانت الزراعة المتعدّدة والأحراج تحتبس المياه، فالزراعة الأحادية تجرف الأتربة: بحيث صارت الفيضانات تجرف الطرقات المعبّدة. هكذا يلجأ القرويّون المُشمئزّون إلى التحرّك المباشر: فعدّة مرّات أسبوعياً، يسيطر العشرات منهم، مزوّدين بسواطيرٍ محلّية مُرعبة ("غولوك")، على الحقول، وينتقون كمّيةً وافرةً من فاكهة النخيل يعيدون بيعها في السوق. أبعد لجهة الشمال تقع قرية لوغو مانديسا التي تعيش فيها ألفا عائلة. في العام 2006، حصلت مجموعة Sinar Mas على تلزيم من الحكومة لتحويل أراضي القرويّين إلى حقولٍ لزراعة النخيل. ويشرح سوغينو، رئيس إحدى مزارع القرية، بأنّ "السلطات لا تكترِث على الإطلاق بأن تكون تلك الأراضي ملكاً لنا. فبذلك استحوذت الشركة على 500 هكتار، ونحن لا نزال ننتظر التعويضات الموعودين بها". فاحتجّ القرويّون التي أُنهكت أعصابهم: ففي 28 كانون الأول/ديسمبر 2007، هاجم مئات الرجال إنشاءات الشركة، وأحرقوا إحدى عشرة جرّافةً وسيّارة دفعٍ رباعي. وقد نقلت وسائل الإعلام هذه الانتفاضة - التي تمّ تصويرها بالهواتف المحمولة-، ووقف الرأي العام إلى جانب المتمرّدين. كما أوقفت الشرطة اثنين وعشرين شخصاً، احتُجز تسعةً منهم لفترة طويلة. ويلاحظ سوغينو بأنّ "الشركة لا تفكّر سوى بالربح، وليس بإدارة الطبيعة لعدّة أجيال... ولا يدعمنا أيّ حزبٍ سياسي، كما لا تفعل اللجنة الأندونيسية لحقوق الإنسان شيئاً لأجلنا". ما يزال حوالي ثلاثة آلاف وخمسمئة من الأوران ريمبا يعيشون من الصيد والقطاف، داخل ما تبقّى من الأحراج وسط سومطرة. في العام 1996، كانت الغابة الإستوائية الأندونيسية تُغطّي 114 مليون هكتار، ما يوازي 77 في المئة من مساحة البلد. أمّا اليوم، فقد اختفى 80 في المئة منها [5]. وفي سومطرة كما في كاليمانتان (القسم الجنوبي لجزيرة بورنيو) وفي بابوازي الأندونيسية، تُقدّر وتيرة قطع الأحراج بأربعمئة ملعبٍ لكرة القدم يومياً، وهو رقمٌ قياسيّ عالمياً. فبحسب الأمم المتحدة، إنّ حالة الغابة الأندونيسية - التي يُفترَض أن تكون "محميّة"- "ستتردّى بقوّة [6]" بدءاً من العام 2012. "ليس لدينا ما نخسره"، يقول لوغو مانديسا بغيظ. "وسنحرق المزيد من الجرّافات."
* صحافيّ
[1] يعيش 127 من أصل 220 مليون أندونيسيّ في جافا (138800 كم مربع، أقلّ من 10 في المئة من الأراضي الأندونيسية). [2] «Losing Ground», rapport de LifeMosaic (Suisse), Sawit Watch (Indonésie) et Friends of the Earth (U-K), février 2008 ; www.foe.co.uk/resource/local/planni... [3] قُتل بين نصف ومليون شيوعي في الفترة الممتدّة بين العامين 1965 و1966، على أيدي نظام "الأمن الجديد" الذي وضعه سوهارتو. [4] هذا المؤتمر عن التغيّر المناخي، الذي جمع مئة وثمانين دولة، تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة، من 3 إلى 14 كانون الأول/ديسمبر 2007، تميّز بغياب أيّ التزامات. [5] موقع المعلومات www.agrocarb.fr، الذي ينشّطه المجلس الكاثوليكي لمحاربة الجوع وللتنمية CCFD، وجمعيّة أصدقاء الأرض، وOxfam. [6] «The last stand of the orangutan», rapport du programme des Nations Unies pour l’environnement (PNUE), février 2007.
|