
ثقافة ومراجعات > كانون الأول/ديسمبر > 2009ألكسندر بياربونعندما تضيء الموسيقى شيكاغو مع انتخاب باراك اوباما إلى سدّة الرئاسة، خرجت الأحياء الفقيرة في جنوب مدينة شيكاغو إلى واجهة المسرح الإعلامي، خصوصاً إن أوباما كان قد عمل وعاش بالقرب من هناك. وعلى الرغم من الفقر الذي يطبع هذه الأحياء وعزلة سكانها، خاصّةً وأنّ غالبيّتهم ذوي بشرة سوداء، فإن خيارات جديدة من العلاقات الاجتماعية بدأت تنشأ هناك منذ زمنٍ بعيد. وحيث تعمل موسيقاهم أحياناً كوسيلةٍ للمّ الشمل.
يتوقّف بعض المؤمنين في ثياب أيام الآحاد أمام الواجهة المثلّثة لكنيسة القديس "بولس للربّ في المسيح" في جادّة واباش بالقرب من الشارع رقم 45 في "ساوث سايد" (الجهة الجنوبية) من شيكاغو. ومن شاحنة بائع المثلّجات الصغيرة تصدر الأغاني المعتادة، بينما تتزحلق بعض السناجب على الأغصان والكابلات الكهربائيّة. وكان يمكن أن يسير كلّ شيء على سجيته في أفضل العوالم المدينية في أميركا الشماليّة لو لم يكن المحيط مهدّماً وغرائبيّاً إلى هذه الدرجة [1]. ليس هناك ما يدعو سكان الأحياء الأخرى من المدينة إلى زيارة ساوث سايد، سوى سلوك الطرقات السريعة التي تقطّعها تقطيعاً. لكن إذا ما غامروا في ذلك، فإنّهم سيكتشفون أنّ هذا الغيتو ليس بالضرورة مأهولاً بسيّئي السمعة: إنّه حيّز نصف رسمي، لا محلاّت بقالة فيه ولا صيدليات، لا مستشفيات ولا مصارف، لا نقل مشترك أو بالكاد، يهوم فيه مئات الآلاف من الرجال والنساء الموصومين والعاطلين في غالبيتهم عن العمل، لكن العجيب أنّهم مليئون بالحياة... على الطرف الآخر من جادّة واباش، اجتمع يوم الأحد ذاك من أيار/مايو العام 2009، المكتب التنفيذي لجمعيّة تنمية الموسيقيين المبدعين Advancement of Creative Musicians (AACM)في مبنى ذي قرميدٍ أحمر بطابقين. وينتمي كل من عازفة الناي نيكول ميتشيل وعازف الإيقاع مايك ريد والمغني ساليك زياد وعازفة الكمان توميكا ريد، وحتّى مديرة مدرسة الجمعيّة عازفة الإيقاع كوكو إيليس، ينتمون جميعهم إلى جيلٍ جديد تولّى مؤخّراً زمام الأمور في الجمعية. حيث كانت مبادرتهم الأولى تقوم على أن يوسّعوا، إلى كلّ احياء المدينة الحفلات الموسيقية وورش العمل التي تقدّمها منظمة الموسيقيين والمناضلين هذه منذ حوالى نصف قرن تقريباً. وهم لا يكتفون بانتظار أن تطرق الأسر أبواب مدرستهم الموسيقية، بل هم يقصدونها. وبعد ساعات التحقوا بالأكبر منهم سنّاً على مسرح "فلفيت لاونج"، النادي و"قاعة الاجتماعات" التي يديرها عازف الساكسوفون فريد أندرسون، أحد أوائل أعضاء جمعية تنمية الموسيقيين المبدعين، والذي يدعو إليها أعمال كل من في المدينة من موسيقيين صاخبين ومتمرّدين. وفي ذاك المساء، وللموسيقيين الخمسة عشر في فرقة "مجموعة الموسيقى السوداء الكبيرة" Great Black Music Ensemble لم يكن هناك أيّ مادة مكتوبة مسبقاً، وابتدأ اللعب لإيضاح كلّ شيء، ولمزج كلّ شيء، ولإضاءة كلّ شيء، بحيث نغرق في موسيقى تنوّع البنى من ارتجالاتها. وكان عازف الكلارينيت مواتا باودن يدير المبادلات بين الشعراء ومغنّي الراب والمطربين والعازفين على الآلات، حتّى أوصلنا إلى... الطرب. وكما يروي جورج لويس، عازف الترامبون والعالم في موسيقى الإثنيات [2]، فإنّ كل الذين أسّسوا جمعيّة تنمية الموسيقيين المبدعين تقريباً في العام 1965 كانوا متحدّرين من عائلاتٍ فقيرة من الطبقة العاملة السوداء من الذين استقرّوا في الغرب الأوسط الأميركي Midwest منذ الهجرة الكبرى في العقود الأولى من القرن العشرين [3]. فبالنسبة لهذه العائلات، كان للموسيقى في أشكالها الدنيويّة أو القدسيّة، الشعبية أو التجريبيّة، قيمةً مؤسّساتيّة: فالجميع ينصت إليها أو يعزفها، في البيوت أو الشوارع أو الحانات أو الكنائس. وفي هذا الغيتو الجماعاتي، مثّلت الموسيقي حلاًّ اجتماعياً مهنيّاً ونمطاً بديلاً للانخراط الاجتماعي في آنٍ معاً. وفي ستينات القرن الماضي، ومع تفكّك الغيتو الجماعي، واجه موسيقيّو "ساوث سايد" في شيكاغو عملية إفقارٍ رهيبة ترافقت مع تنميطٍ لإنتاجهم الفنّي، وهو ما يعزوه لويس إلى الانتاج المكثّف الرأسمالي، الذي أثّر حتّى على هذا الفرع الثانوي من صناعة فنون العروض. وهو يشجب تنامي تقسيم العمل، وخصوصاً بين القادة leaders والجانبيين sidemen، وكذلك المزايدات في مجال المهارات الفارغة خلال جلسات العزف التجريبي jam-sessions، غير المنظّمة ظاهريّاً لكنها في الواقع مسرح المنافسات التي تتحوّل أكثر فأكثر منمّطةً وتنميطيّة. ومع إنشاء جمعية تنمية الموسيقيين المبدعين في العام 1965، قرّر بعض الموسيقيين أن يتفاعلوا معها، على العكس، عبر ترسيخ العلاقات التعاونيّة التي تميّز ممارساتها الاجتماعية الموسيقية. هكذا راحوا يضاعفون المحاولات من أجل التوصّل إلى التحكّم بوسائل الإنتاج والنشر - على غرار ما فعله أندرسون في "فلفيت لاونج" - مبدعين أنواعٍ من الموسيقى الأصيلة المخصّصة للتعبير كما للتغيير. ومن الاستراتيجيات التي نفّذها هؤلاء المهملون وغير المصنّفين المنتمون إلى الجمعية، والذين رفضوا طويلاً كلّ أشكال الدعم، أنّهم وزّعوا جهودهم على جبهاتٍ عدّة: المحلّية منها (شيكاغو والميدويست، ثمّ نيويورك، مع افتتاح فرعٍ ثانٍ للجمعية في العام 1977) والوطنية (الولايات المتّحدة وكندا) والدولية (العالم الغربي وما وراءه). هكذا يقول عازف الإيقاع كاهل الزبّار: "لقد تدرّبنا على تطوير رؤى متعدّدة عابرة للثقافات، وعلى أن نرتمي في عدّة عوالمٍ دفعةً واحدة، وعلى التواصل مع الوقائع المختلفة". ويضيف عازف الساكسفون إرنست داوكنز: "إنّها قضية تحكّم. ولذلك يجب الإكثار من الاتصالات والتحالفات من أجل إحلال العمل الفنّي والاقتصادي المنتشِر مكان هيمنة الأسواق الماليّة المطلقة والسلطات السياسيّة المحلّية". ولكن ما وضع هذه الاستراتيجيات اليوم، بعد تولّي السيد باراك أوباما مقادير البلاد؟ يقول عازف الساكسوفون دوغلاس إيوارت بالقدر نفسه من الواقعيّة والحماس: "نحن نعي حدود برنامج باراك اوباما، لكن أيضاً ندرك أنّ فكرة الحرّية في الوقت الحالي تمرّ عبره. وسنبذل كل ما بوسعنا لكي تستمرّ في التقدّم نحو أفضل وأكمل ما يمكن تحقيقه، كما فعلنا دائماً منذ عصر عمل السخرة في المزارع الكبرى، وإذا احتاج الأمر مع تشنّجات "الهولي رولرز" [4] وجذور الـ"هودو!" [5]. بالنسبة إلى الموسيقيين، إذا كان السيّد أوباما قد مرّ بشيكاغو، حيث أقام في حيّ هايد بارك" الآمن وسجّل أولاده في جامعة "شيكاغو لابوراتوري سكولز" المميّزة، مقدّماً نفسه عاملاً اجتماعياً، فذلك أيضاً لكي يطلق عمله السياسي من إحدى أكثر المدن عرضةً للتمييز العنصري في الولايات المتحدة [6]، والحصول بذلك على ما يعادل "مصداقية الشارع" التي يتمتّع بها مغنو الراب. ويعتبر عازف الساكسفون دايفد بويكن أنّ "الأحوال لم تتغيّر بالنسبة إلى السود، خصوصاً بالنسبة إلى للموسيقيين السود المبدعين: فنحن في عمق الهوّة. إذ نمرّ في أزمةٍ اجتماعية واقتصاديّة منذ أن بدأ الأوروبيون تجارة العبيد؛ وحضارتنا هي حضارة شعبٍ مقموعٍ، أسير حيناً وآسر أحياناً أخرى". فمن أجل تأمين حاجات عائلاتهم يضطرّ معظم الموسيقيين إلى الاعتماد على عملٍ ثانٍ قد يكون مرتبطاً أو لا بعملهم الأساسي، أو الإستمرار أكثر ممّا يتمنّون في الارتياد المنهك للمسارح الأوروبيّة عندما يتسنّى لهم ذلك. نصف نشاطهم للإبداع والنصف الثاني للتوعية الاجتماعية في شيكاغو، تقوم جمعية تنمية الموسيقيين المبدعين بتصميم أعمالٍ فنيّة وتهيّئة الظروف لها في آنً معاً: الموسيقى كوسيلةٍ للتبادل وقيمة للاستخدام. ولم تتغيّر الصيغة منذ أن اعتبر جون شينوي جاكسون أن أعضاء الجمعية سيكرّسون نصف نشاطهم للإبداع الموسيقي والنصف الاخر للتوعية الاجتماعية. وهكذا نجد أن داوكنز قد أعدّ قسماً من الموسيقيين من الجيل الجديد، وخصوصاً لدى سكنه لعدّة سنوات في حيّ إنغلوود؛ وذلك بإطلاقه عدّة برامج تبادل مع ثانوية "كليشي سوبوا" في الضاحية الباريسيّة، أو مع المزرعة العائلية الجماعية التي أسّسها عازف االساكسفون زيم نغكاوانا في ضاحية جوهانسبرغ في جنوب إفريقيا. كما أنّه يساعد الزبار في المشاريع التي يقودها هذا منذ حوالى عشر سنوات في المدارس ومعاهد الموسيقى (الكونسرفتوار) في بوردو ومنطقة الأكيتان الفرنسية. ويلفت هذا الأخير إلى أنّه "بفضل مبادرات تنشيط الحيّ قد أمكننا الأمر من أن نجعل من فريقٍ من الموسيقيّين المجهولين في ساوث سايد في شيكاغو ظاهرةً دوليّة. فنحن نشكّل إرثاً للإبداع وللتشارك وللمسؤولية. فتخيّلوا نظاماً سياسيّاً مصنوعاً على صورة اللذّة الجديّة التي ننشرها...". وبانتظار أن يطلقوا قريباً مدرستهم الخاصّة، ينخرط العديد من أعضاء الجمعية في الأوساط المدرسية. فهذا ما فعلته نيكول ميتشيل في مدرسة "جي. إن. ثورب إليمانتري" الابتدائية، الواقعة في حيٍّ يختلط فيه سكانٌ من السود والأميركيين اللاتينيين. فبعد ردهة الدخول مباشرةً، وآلة كشف المعادن، تظهر راية طويلة زرقاء تحمل صورة السيد أوباما وسط دائرةٍ، محاطاً بآلات موسيقية مع عبارة: "لقد أتى زمن التغيير!" (Change has come !). فقبل سنوات، قرّر مدير المؤسّسة أن يضع حدّاً للفصل بين التلامذة الأميركيين من أصلٍ إفريقي وزملائهم المكسيكيين، الذين اعتبروا وافدين جدُد ذوي أولوية يجب أن يدرسوا بالاسبانيّة. لكن معظم الأسر المكسيكية سحبت أولادها بعد أن خشيت أن يؤدّي هذا الإجراء إلى الإضرار بهم، وأن يضطر أبناؤهم أيضاً إلى تحمّل رفقة السود المتحدّرين غالباً من أسرٍ ممزّقة. وأمام صفٍّ مؤلفٍ بشكل أساسيّ من أميركيين أفارقة في حوالى العاشرة من العمر، تلفت نيكول ميتشيل انتباه التلاميذ على إيقاع طبلتها، وطوال إنشادها ومواصلتها الأغاني التي بات الأولاد يألفونها، كانت توزّع النقرات: "إذا انتبهتم إلى ما يجري، وإذا وجدتم الطريقة لكي تتدخّلوا بالشكل المناسب فيما يجري، فستحصلون عندها على آلة موسيقيّة". تشدّد كلمات الأغاني على تحمّل المسؤوليّة، لكن الدرس يكمن في الموسيقى بحدّ ذاتها: فعبر نظام الاستذكار والإجابة، والمتتاليات النغميّة المتساوقة أو المتنافرة أو المتعدّدة الأصوات، وعبر تسريع الإيقاع ثمّ إبطائه، يجري العمل على الإنصات والتفكير، والمساهمة والمشاركة. وتُعتمد الإجراءات نفسها عندما ينتقل الموسيقيون إلى الأستديو، مثل ميتشيل ولاعب الإيقاع حميد درايك، اللذين انتقلوا، بفارقٍ أيّام، إلى الأحياء الأفضل سمعةً في نورث سايد من أجل تسجيل أسطوانتين لعلامة الإنتاج "روغ آرت - Rogue Art" ("الفنّ المارق"). فلاعبة الناي هذه، مع رباعيها Sonic projections، ولاعب الإيقاع هذا، مع المرحلة الثالثة من مشروعه bindu، قد فتحا أوساطاً منفتحة. حيث يستطيع درايك أن يضبط ويؤكّد البنية اللحنية-الإيقاعية، قبل أن يسلّمها إلى قدرة كلّ فردٍ من مجموعته، ليس لأدائها فحسب، وإنّما لتحويل المعلومات التي تحويها. إذ يمكنه أن يترك للارتجالات الفردية عمليّة إخراج لحنٍ من الألحان، بشكلٍ ثنائي أو جماعي في تأكيدٍ متجدّد على الإدارة الجماعية للموسيقى. كذلك تؤّلف ميتشيل لرباعيها ألحاناً تصمّم كمناخ يساهم فيه كلٌّ من الموسيقيين، متتبّعاً المنطق الداخلي للصيغ المطروحة أو باقياً حرّاً في الابتعاد عنها، أو مفضّلاً صيغاً أخرى، أو حتّى ما ليس له صيغة. فهذه الإبداعية وهذه المسؤوليّة المشتركتان، في الأشكال والبنى، تجعل من التجريبيّة الموسيقية عملية تجريبٍ اجتماعيّة. ويتناول ميشال دوربون، منتج العلامة، مغزى تسمية علامته بهذا الشكل؛ فالاسم محرّف من التسمية التي كان جورج والكر بوش يصم بها "الدول المارقة" (rogue states): "هناك اليوم أشكالٌ مهمّشة من الفنون، "منحلّة"، بمعنى أنّ الرقابة الاقتصادية يمكنها أن تكون فعّالة بقدر الرقابة السياسيّة. فما يباع بشكل جيّد وبسعرٍ أغلى هو حُكماً "رائع"، بينما الذي لا يباع جيّداً أو لا يباع أبداً يعتبر "مشكوكاً" في قيمته. أمّا موسيقى الجاز، التي لم تلتحِق بأي نظام، فقد شكّلت إحدى الثورات الفنّية الكبرى في القرن الماضي. والاسطوانات التي تنتج تحت علامة ("روغ آرت") تدافع عمّا هو حيويّ في موسيقى الجاز اليوم، والذي لا مكان له في الأوساط المغلقة المحافظة حيث يستعمل الفنّ كصورةٍ تضفي قيمةً تملّقاً للسلطة".
* عالم إناسة، من مؤلفاته:
Le Champ jazzistique, Parenthèses, coll. « Eupalinos », Marseille, 2002.
[1] Douglas Massey, « Regards sur l’apartheid américain », et Sudhir Venkatesh, « Fin des ‘‘villes chocolat, banlieues vanille’’ américaines », Le Monde diplomatique, février 1995 et novembre 2003, respectivement. [2] ورد في:A Power Stronger Than Itself. The AACM and American Experimental Music, Presses universitaires de Chicago, 2008. [3] Nicholas Lemann, The Promised Land : The Great Black Migration and How It Changed America, Vintage Books, New York, 1992. [4] من اتباع كنيسة العنصرة الذين كانوا يصرخون ويتقلّبون على الأرض في أماكن العبادة. [5] مجموعة من المعتقدات والعادات والممارسات المحمولة من Yفريقيا والتي اختلطت بعناصر ذات أصول أوروبيّة وكوبيّة (تأثير السانتيريا) وتشتمل على خبرات هنديّة. [6] Serge Halimi, «L’université de Chicago, un petit coin de paradis bien protégé », Le Monde diplomatique, avril 1994.
|