
قضايا اجتماعيّة وبيئيّة > كانون الثاني/يناير > 2010حديث الغائط المحظور... مخاطر صحيّة وبيئيةماغي بلاكهل يجب الرهان على أنظمة مجارير الصرف الصحّي العامّة؟
منذ أن أطلقت حملة الأمم المتّحدة "الماء والصرف الصحّي للجميع" في ثمانينات القرن الماضي، وجد روّاد الصحّة العامّة، من دون أي ضجّة إعلاميّة، عدداً من الحلول الصحّية بكلفةٍ زهيدة وموفِّرة في استخدام المياه. فقد حسّنوا أوضاع "المراحيض" المشتركة لجعلها أكثر راحةً وأكثر نظافةً، مع العمل على تسميد محتواها أو تحليله عضويّاً. وقد أوصى أنصار البيئة "بالتطهير البيئي" من أجل تدوير الأغذية الموجودة في النفايات البشريّة على أنّها موادّ مُخصِّبة؛ وهذا ما لم يعجب الجميع؛ إلاّ أنّه تبقى هناك نظرة جيدة للأمر في بعض المجتمعات وخصوصاً في الدول الاسكندينافيّة وفي جنوب شرق آسيا. فالمراحيض غير الموصولة، الأقلّ جاذبيّةً من أحواض البورسلان اللامعة، لكن اللائقة والممكن استعمالها، تتحوّل حالياً إلى تنويعاتٍ مختلفة وذلك طبقاً لأذواق المستهلكين وميزانيّاتهم، وذلك ابتداءً من خمسة عشر يورو للواحدة. فبعض النماذج يضمّ وصلةً للماء، ويجب أن تنظّف يدوياً بتفريغ سطل ماءٍ فيها. أمّا المراحيض الجافة فيمكن بالعكس أن تعمل على الرماد الذي يرمى فيها لتغطية الإفرازات، وهي مزوّدة بنظام تهوئة لتفادي انبعاث الروائح. كما أنّ هناك أنظمة مجارير معدّلة، أقلّ كلفةً بقليل، مع تمديدات قساطل صغيرة القطر وتصنيعٍ بسيط يمكن العمل بها في بعض المناطق في ضواحي المدن. وفي المحصّلة، فإن اختيار نمط المراحيض الذي يجب نشره حيث يصعب إقامة الصرف الصحّي المباشر، أي في المناطق الريفيّة حيث يعيش الملياري شخص الذين لا يحظون بهذه الخدمة، وكذلك في عددٍ كبير من مدن الصفيح، لم يعُد مشكلةً عصيّة على الحلّ. كما أن النماذج تتحسّن نوعيتها باستمرار من أجل إقناع المستهلكين أكثر وإغرائهم؛ فالأحواض تصنّع من البلاستيك الملوّن وأنابيب التهوئة أرخص ثمناً؛ كما تتوفّر مغالق ومنتجات التنظيف في الأسواق. لكن نظراً إلى فقر الغالبية الكبرى من الناس المحرومين هذه التجهيزات والخدمات الصحيّة، فإن حصّة كلّ من السلطات والمستخدمين على التوالي فيما يخصّ دفع ثمنها قد أربك كثيراً أصحاب القرار. فخلال الثورة الصحّية في القرن التاسع عشر، بدا من البديهي أنّه لو سُلّمت عملية توسيع شبكات الصرف الصحّي المباشر كلّياً إلى الأسواق لما أمكن تجهيز الأكثر فقراً في المدن بهذه التجهيزات. وبنتيجة اتّفاقٍ مشترك، ساعدت البلديات والسلطات الصحّية في تمويل، إن لم يكن أحواض المراحيض أو الإمدادات المنزلية، فأقلّه إنشاء المجارير وخدمات التصريف والمعالجة. وفي هذه الأيام تشتمل المراحيض "في المواقع" في آنٍ معاً على حجرة الحمّام وعلى حفرة أو على خزّان للمواد البرازيّة. وحتى وإن توصّل المحرومون إلى التزوّد بمراحيضٍ مع حفرٍ صحّية أو خزّانات ثابتة، يبدو من الإجحاف أن يطلب إليهم تحمّل كافّة الكلف المتعلّقة بالتفريغ والتصريف، في حين أن هذه الخدمات مدعومةٌ بالطبع بالنسبة إلى الذين يعيشون في بيئةٍ مجهّزة بمجاريرٍ رفيعة المستوى. وفي الكثير من برامج الصرف الصّحي في الدول الفقيرة، موّلت المؤسسات المانحة كلّ شيء، حتّى المراحيض المكلفة التي زرعت كالهياكل في المناطق السكنيّة ولم تستعمل لوجهتها المقصودة. وعلى الطرف النقيض، يرى البعض أنّه إذا لم يدفع الناس بأنفسهم ثمن التجهيزات الصحّية، فلن يتكوّن لديهم انطباع أنّهم قاموا فعلاً بأخذ خيارهم، وفي النتيجة لن يرتفقون بها. والحال أنّ المراحيض تمثّل قبل كلّ شيء تحسين رفاهية المسكن؛ وبناء عليه هي تجد مكاناً لها فيه. ويبقى التحدّي هو تمكين الحرفيين والبنّائين المحلّيين وحتى المشتغلين العاديين في تفريغ الحفر والدلاء بالمشاركة في هذا الاقتصاد الصحّي الجديد المحترم والمُجزي. ونجد أمثلة على مراكز إنتاج في الهند وإندونيسيا وفي أماكنٍ أخرى، حيث يصنّع الشبان والنساء مكوّنات المراحيض ويعتاشون من بيعها أو من أعمال التسليم والتركيب. وبإمكان أعمال جمع النفايات وتدويرها والتخلّص منها، وضمناً إنشاء مراكز الترميد المحلّية ومصانع المعالجة والتحليل الحيهوائي وتمديدات المجارير الضيّقة المجرى، أن تشكّل نشاطاً اقتصاديّاً موثوقاً، شرط تأمين التمويل الأوّلي الذي يمكن أن تقدّمه المؤسسات المانحة والسلطات المحلّية. الحجّة التي تستخدم من قبل السياسيين أو المخطّطين لتفسير ضعف النشاط المستثمر في أنظمة الصرف الصحّي مقارنةً مع التزوّد بمياه الشرب هو أنّ هذا الموضوع الأخير يجد تحمّساً شعبيّاً له، في حين لا يطالب أحد بإزالة مخلّفات الغائط. وهذا يفسّر بالمحظور الكلامي الذي ما زال يحيط بالموضوع، وليس بعدم الشعور للحاجة للأمر من قبل الناس، وخاصّةً النساء. لأنّ الطلب عليه موجود على الأرض، وبشكلٍ ملحّ في المناطق الحضريّة الكثيفة السكّان. هكذا قامت جمعيّة نساء غراماليا في تريشي (تيروشيرابالي) في ولاية تاميل نادو في الهند بخلق صندوقٍ تعاوني بحجم 200 ألف دولار يقدّم قروضاً متناهية الصغر لمشاريع تحديث المراحيض، مع مبلغ 91 دولاراً للمقترض الواحد [1]. وخلال فترةٍ قصيرة، استطاعت هذه الجمعيّة بمساعدة ادّخارات أعضائها والمصارف التجاريّة المحليّة أن تجمّع أكثر من مليون دولار، موسّعةً بشكلٍ كبير قاعدة المنتفعين من القروض. هكذا تبرز حالياً حركة طلبٍ فعليّة على مراحيضٍ ملائمة، ليس فقط بدافع المسائل الصحّية وحسب، بل بسبب التطلّع إلى الكرامة والرفاه والحميميّة، والأمان بالنسبة للنساء والأولاد، والسعي، بالنسبة إلى الرجال، إلى وضعٍ اجتماعي أفضل.
* كاتبة، وضعت بالاشتراك مع بن فاوست Ben Fawcett كتاب:The Last Taboo: Opening the Door on the Global Sanitation Crisis, Earthscan, Londres, 2008.
[1] Heather Arney, Sait Damodaran, Michaela Meckel, Andrew Barenberg et Gary White, « Creating access to credit for water and sanitation : Women’s self-help groups in India », communication au symposium de Delft, 19/11/2008
|