آداب ومراجعات > كانون الثاني/يناير > 2010

كزافيه غيلبير

بعض الأفكار الشائعة حول الشرائط المصوّرة

شغفٌ شعبي؟

خلال مهرجان "أنغوليم" من 28 إلى 31 كانون الثاني/يناير المقبل، سوف يقوم مصرف التوفير ببيع أوّل بطاقة زرقاء "بطاقة فيزا لشراء الشرائط المصوّرة". وفي يوم الافتتاح، سوف يتيح قطارٌ خاصّ للسكك الحديديّة الفرنسيّة اللقاء بين المؤلّفين والجمهور في مكانٍ مجهّز لهذا الغرض. أما شركة فرنسا للغاز فإنّها سوف ترعى معرضاً لمؤلّفي الشرائط المصوّرة الروس الشبّان. هكذا من الواضح أنّ الفن التاسع قد بات يخلق توافقاً وإجماعاً.

مع أن الغيوم السوداء تتلبّد في سماء مدينة أنغوليم [1] الفرنسية هذه الأيام، فإنّ "المهرجان الدولي للشرائط المصوّرة" قد تحوّل إلى موعدٍ سنويّ لا يمكن تجاوزه بالنسبة لوسائل الإعلام التي تحرص على الاحتفال بـ"رمز الثقافة الشعبية" هذا، كما يعلن ذلك بنفسه مدير منشورات "دارغو" (المتخصّصة في هذا الفنّ)، السيد كلود دو سان فنسان [2]. وستبقى الشرائط المصوّرة، أساساً، دون حاجة للتبرير، شعبيّة؛ وموجّهة في هذا السياق نحو القرّاء "بين السابعة والسابعة والسبعين" بحسب العبارة التي باتت معروفة. ويبدو الصحافي دانيال كوفرور جازماً على كلّ حال عندما يقول: أنّ شعار مجلّة "تان تان" منذ 1948 "يبقى أجمل صورة عن هذه الدعوة الشعبيّة [3]". فأليس هذا التأكيد أجمل من أن يكون صحيحاً؟

تبدو الوقائع، في الحقيقة، أقلّ سحراً. فتبعاً لدراسة أعدّتها وزارة الثقافة الفرنسية [4]، إن قراءة الشرائط المصوّرة لا تجمع كافّة الأجيال: فهي ممارسةٌ شبابية بالأحرى، تتراجع مع التقدّم بالسنّ، فيما تبقى نسب مطالعة سائر الكتب مستقرّة في كل شرائح الأعمار. وإذا كنّا نجد في مختلف مراحل الحياة "قرّاءً نهمين" يلتهمون أكثر من عشرين مؤلّفاً من كافة الأنواع سنوياً، فإن قرّاء الشرائط المصوّرة يتراجعون بين 25 و34 سنة (واحد من أصل ستة) ويصبحون هامشيين ما بعد الـ 35-44. فلا (أو قلّة من) شرائط مصوّرة للشباب في سنّ السابعة والسبعين!...

خيبة أمل واضحة رغم "موجة المانغا"

لكن كون الشرائط المصوّرة تطال الفئات الشعبية يبدو، في المقابل، فكرةً نمطية راسخة: بيد أنّ الأسطورة تتهاوى هنا أيضاً. فالشرائط المصوّرة تلقى إقبالاً مضاعفاً لدى الكوادر والمهن الفكرية العليا (45 في المئة من القرّاء) مقارنةً مع الموظّفين (22 في المئة) أو العمّال (21 في المئة). وكلما ازداد المستوى التعليمي كلما تضاعف الشغف بهذه الأعمال: فيُحصى معجبٌ من بين إثنين بين حملة الشهادات العليا (الشهادة الثانوية زائد أربع سنوات دراسة أو أكثر)؛ بينما لا يمثّل هؤلاء القرّاء سوى فرد من ثلاثة لدى حاملي الشهادة الثانوية، ونسبة 27 في المئة فقط عند حملة شهادة التأهيل المهني (CAP) أو الشهادة التكميلية للدروس المهنيّة (البروفيه، BEP). وعبثاً يردّد بعض المؤلفين، أمثال ريجيس لوازيل، بأن "الشرائط المصوّرة ليست معدّة لاتعاب الرؤوس [5]"، فإنها لا تنفكّ تُغري الرؤوس المليئة جيداً. فخلافاً للأفكار الشائعة، كلما كان المرء قارئاً للكتب، كلّما انجذب إلى الشرائط المصوّرة.

على الأقلّ، النجاح لا يقبل الجدل ولا يتأثّر بالأزمة. حيث بيع 34 مليون ألبوم في عامٍ واحد! وهو رقمٌ استثنائي. و330 مليون يورو! خير برهانٍ على شعبيتها... المشكلة مع هذه الأرقام الخياليّة، إننا نادراً ما نملك معايير لمقارنتها. ففي العام 2008، كانت صناعة الموسيقى (المأزومة) تبيع 90 مليون أسطوانة، مقابل حوالى المليار يورو. من جهتها سجّلت السينما 190 مليون دخول إلى الصالات و128 مليون قرصٍ مدمّج مباع، ما ينتج رقم أعمال يبلغ 2.4 مليار يورو. حتّى ألعاب الفيديو كانت تسير في المقدّمة مع 42 مليون نسخة مباعة، ورقم أعمالٍ يبلغ 1.6 مليار يورو. هكذا تعيد رقصة الأرقام هذه الشرائط المصوّرة إلى رتبة "الصناعة الثقافية"... الثانوية.

لكن يمكن الردّ بأن قوّتها الكبيرة تكمُن في التجدّد المستمر، فهي قادرة بالتالي على كسب قرّاءٍ جدُد باستمرار. وخير دليلٍ على ذلك ظهور "الروايات المرسومة" (وأوّلها نجاح "برسيبوليس" [6]) أو ازدهار الشرائط اليابانية، "المانغا" التي تمثّل مبيعاتها وفق مؤسّسة استقصاء الرأي "ايبسوس" (Ipsos) 37 في المئة من مجمل مبيعات الشرائط المصوّرة للعام 2008 (حصدت نصفها السلاسل العشر الأكثر انتشاراً). سوى أن الأمر مختلف تماماً بالنسبة للقراءة، التي لا تلحق بالموجة. حيث كانت الشرائط المصوّرة تجتذب 34 في المئة من الفرنسيين الذين تجاوزوا 15 سنة عام 1994، فتدنّت النسبة إلى 29 في المئة عام 2008؛ فتكون قد خسرت قارئاً من أصل ثمانية. كما تأثّر حتّى الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و14 سنة بهذا الابتعاد، ولم يعودوا يشكّلون سوى 71 في المئة في آذار/مارس 2008، مقابل 92 في المئة عام 1994، بحسب دراسة أعدّتها مجموعة من خبراء التسويق للشباب، "جونيور سيتي" (Junior City) [7]. انكفاءٌ واضح، بالرغم من "موجة المانغا" في السنوات المنصرمة.

في المختصر إذن، يقرأ الشرائط المصورة "الشباب بين 7 و37 سنة"، وهي تطال أقلّ من فرنسيٍّ واحد من أصل ثلاثة. الأفضل (أو الأسوأ)، أن الاستقصاء الذي طلبه، عام 1994، "المهرجان الدولي للشرائط المصوّرة في أنغوليم" وأنجزته "المؤسسة الفرنسية للرأي العام IFOP" يوضّح بأنّ "نموذج القارئ (للشرائط المصوّرة) أرفع مستوى من المعدّل المتوسط. فالشرائط المصوّرة تجتذب أكثر الفئات التقليديّة "اندماجاً" في المجتمع، والأكثر "التزاماً" بتطوّر ثقافته". وفي الدراسة الثانية التي حققتها IFOP عام 2000، أتى تأكيدٌ على أنّ "الشرائط المصوّرة تلقى المتابعة من جمهورٍ شابّ ومثقّف (مستوى الدراسة والمهن الاجتماعية)". بالطبع، يهدف هذا النوع من الاستقصاءات التي يطلبها المنظّمون إلى رفع قيمة نشاطهم الثقافي؛ لكن فعل إيمان غالبية الصحافيين لم يتغيّر: "تبدو الشرائط المصوّرة أنّها أكثر الكتب تشاركيةً والوحيدة التي تجمع بين الأجيال [8]".

فكيف نفسّر إذاً استمرار هذه الفكرة الشائعة حول شعبية الشرائط المصوّرة إلى ما لا نهاية، بالرغم من أن جميع المعطيات تناقض ذلك؟ ولماذا من الصعب القبول بأنّه يمكن للشرائط المصوّرة ألاّ تكون شعبيةً، دون أن يتمّ إقصاء هذه الفكرة بشطحة قلم، لا بل نعتها بالهرطقة؟

على الأرجح، وكما في شأن الروايات البوليسية أو الخيال العلمي في زمنهما، نعثر هنا على الاعتبار المبخِس المعطى لوسيطٍ معرفيّ لا يرقى إلى "الثقافة الكبرى"، وغالباً ما ينظر إليه على أنّه "ما دون الأدب". وعلى الشاكلة نفسها، إنّ للروايات البوليسية وأدب الخيال العلمي جانبهما الشعبي وجانبهما... النخبويّ. فلا شيء مشترك بين مبيعات ريمون شاندلر وهارلان كوبن. ومع ذلك، تستمرّ الصورة النمطيّة.

علينا ربّما أيضاً البحث لجهة الناشرين ووسائل الإعلام. فإذا قام ناشرون في الستينات، أمثال ايريك لوسفيلد، وسيط الثقافة المضادة الكبير، ليُصدروا إلى جانب مارسيل دوشان وبنجامين بيريه أو جاك ستراندبرغ، ألبومات شرائط مصوّرة للكبار ("برباريلاّ" لجان كلود فوريست...)، وإذا كانت مجلاّت قد تخصّصت في دراسة ونشر الشرائط والـ"ستريبز" strips [9]، فإنّ المقاربة غير النخبوية هي التي هيمنت في نهاية المطاف. هكذا كتب ديلفاي دو تون في الافتتاحية رقم 1 من مجلة "شارلي" الشهرية، في شباط/فبراير 1969: "الشرائط المصوّرة، كباقي الأمور، بسيطة جداً. ولا تحتاج لشروحات، وخصوصاً لا لشارحين".

ألبومات شعبية وأعمالٌ لمؤلفين طموحين

تعزّز هذا الموقف في السبعينات، خصوصاً مع رفض الخطاب "الفصيح" لعلماء الدلالات اللغويّة... وشيئاً فشيئاً ستلحق الصحافة العامّة بالموجة، وتتخلّى عن النقد المخصّص على الأرجح لمنتجات أكثر "نبلاً"، بغية التركيز على المعلومات الاقتصادية (فثلثَي المقالات المنشورة هي حول هذه الناحية). وإلى أسطورة الترفيه البسيط، أضيفت هنا صورة "التلميذ النجيب" لصناعة النشر. حيث تطلق حول هذا الفنّ عبارات لطيفة، مثل عنوان مقالة اوليفيه ديلكروا [10]: "أنغوليم، شرائطٌ عالية التصميم". وهناك حرص على هذه الصورة الجذّابة، وعلى الإعجاب الكبير: "هناك كلّ عام مفاجأة جديدة. حيث يبقى سوق الشرائط المصوّرة عموماً على ارتفاع في عام 2008، للعام الرابع عشر على التوالي [11]".

من الملفت بالطبع استمرار خطابٍ كهذا تعارضه الوقائع. حيث ينطلق المدافعون والخصوم على السواء من الأفكار الشائعة نفسها. هكذا يؤكّد هنري فيليبيني، الإختصاصيّ الكبير وناشر الشرائط المصوّرة: أنّ "الشرائط المصوّرة هي قبل كلّ شيء فنٌّ شعبي غرضه الترفيه. ليس منتجاً للنخبة الثقافية أو غيرها (...) فعلى الشريط المصوّر أن يكون قبل كلّ شيء سهل القراءة ويتحاشى المواعظ [12]". في المقابل، يؤكّد الفيلسوف آلان فينكلكروت: أنّه "عندما يخبروني قصّة، أحتاج أن يجعلوني أفكّر، وأن يحثّوني على التوقّف عن القراءة هنيهة ورفع رأسي، ليس أن يرسموا أمامي أبطالاً [13]". ومن المرجّح أن مجمل هذه المعاني لعبارة "شعبيّ" هي التي تراكمت لتساهم في ترسّخ هذه الفكرة النمطيّة: فالشعبيّ هو الذي يباع بكثرة، والسهل، والناجح، والموجّه إلى "الشعب" غير الراغب كثيراً في التعقيد...

بعيداً عن هذه الأفكار المسبقة العنيدة والمفترض أنّها متعاطفة مع المنتج، تستحق الشرائط المصوّرة أن يتمّ تناولها كما هي بحدّ ذاتها. فهي تشتمل على ألبومات للجمهور الواسع، ولكن أيضاً على أعمالٍ لمؤلّفين طموحين وعلى مغامرات نشرٍ هشّة، تساهم بشكلٍ واسع في ثرائها. لكنّها تعاني من غياب مقاربةٍ نقديّة حقيقيّة يمكنها أن تعيد النظر في هذه الصورة السهلة وترسّخ مشروعيّتها فعلياً. حيث يلاحظ فنسان برنيير، الصحافي والناشر أنّ "محاولة الدفاع عن الشرائط المصوّرة اليابانية أو عن الشريط المصوّر بصورةٍ عامة هي معركة بالية [14]". ولكنّ بعض المعارك لا تنتهي.

آن الأوان لتحرير الشريط المصوّر من هذا الوهم "الشعبيّ" ومعاملته كأيّ ابداعٍ فنّي: غنيّ، متنوّع وقادر على أن يفاجئنا.


* صاحب موقع نقدي للشرائط المصوّرة du9.org.

[1] بعد أن واشك على أن يتمّ إلغاؤه بسبب الانسحاب الجزئي لبلديّة المدينة، تمكن المهرجان من الحصول على مساعدات مالية إضافية.

[2] Olivier Delcroix, « Angoulême : menaces sur le festival de BD », Le Figaro, Paris, 29/10/2009.

[3] Daniel Couvreur, « La popularité de la BD n’est pas un mythe », le Soir de Bruxelles, 20/1/2008.

[4] الأرقام مأخوذة من دراسة لوزارة الثقافة حول الممارسات الثقافية للفرنسيين؛ يمكن الإطلاع عليها على موقع الوزارةwww.culture.gouv.fr.

[5] نقلا عن: Yves-Marie Labbé, « Loisel, Roi-Soleil d’Angoulême », Le Monde, 23/1/2004

[6] مرجان ساترابي (مخرجة ايرانية)، "برسبوليس"، الرابطة، باريس، اربعة اجزاء (2000-2003).

[7] Baromètre «Kids & Teens Mirror ©», mars 2008.

[8] راجع: آلان بوف-ماري، "لوموند"، 4 أيلول/سبتمبر 2008.

[9] قصّة صغيرة مكوّنة من ثلاثة رسوم تصدر في الصحافة.

[10] انظر: صحيفة "لو فيغارو"، باريس، 25 كانون الثاني/يناير 2008.

[11] Fabrice Piault, « Jusqu’ici, tout va (presque) bien… », Livres-Hebdo n° 761, Paris, 25/1/2009.

[12] برنامج "عالم الشرائط المصوّرة" التلفزيوني The Comics World TV، كانون الثاني/يناير 2001.

[13] راجع: صحيفة "ليبراسيون"، باريس، 26 كانون الثاني/يناير 2008.

[14] « Qu’est-ce que le manga ?», Beaux Arts magazine, hors-série, Paris, décembre 2008.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان