جغرافيا سياسيّة > كانون الثاني/يناير > 2010

جوان باكستر

هجمة على الأراضي الصالحة للزراعة في إفريقيا

حركة مضاربة عالمية

بعد المناجم أو النفط، أصبحت الأراضي الإفريقية تثير الأطماع الخارجية. فقد تمّ التنازل عن ملايين الهكتارات من الأراضي الصالحة للزراعة - وبغموضٍ كبير - من قبل السلطات في القارة. وبمبادرة من شركات الصناعات الغذائية المتعدّدة الجنسيات ومن دول، خصوصا من الشرق الأوسط وآسيا، يتمّ دراسة العديد من المشاريع التي إذا تمّ تنفيذها ستهدّد بالخطر المجتمعات والتوازن الطبيعي والزراعات المحليّة.

استقبل مركز إليزابيث الثانية للمؤتمرات في لندن المؤسّسات البريطانية المانحة لسيراليون في 18 و19 تشرين الثاني/نوفمبر العام 2009. وكان هناك على المنصّة رئيس الوزراء السابق توني بلير الذي كانت "المؤسّسة من أجل الإدارة الصالحة لإفريقيا" (Africa Governance Initiative) التي يديرها هي راعية الحدث؛ وقد حضّ بقوّة المشاركين على استحواذ أراضٍ زراعيّة في أحد البلدان التي، بحسب تعبيره، "تملك ملايين الهكتارات من الأراضي الصالحة للزراعة [1]". ولكنّ السيّد بلير في غمرة حماسه بدا وأنّه قد نسي أنّ الملايين من مزارعي سيراليون ترتبط حياتهم بالمحاصيل التي تنتجها هذه الأراضي.

وفي جوّ من الاقتناع بتحقيق مكاسبٍ ماليّة مهمة من ذلك، قرّر عددٌ من المصارف وصناديق الاستثمار والمجموعات الصناعية الكبيرة والدول والأثرياء أن يقيموا في إفريقيا مزارع صناعيّة عملاقة لكي ينتجوا فيها سلعاً غذائيّة ومحروقات عضويّة مخصّصة كلّياً للتصدير. وبشكلٍ معتمد يتمّ تقديم عمليّات بيع الأراضي الزراعيّة قطعاً أو تأجيرها على المدى الطويل على أنّها برامج تنمية تنفّذ للمصلحة المشتركة بين القوى الماليّة الملتزمة والدول المعنيّة.

ومن القائلين بهذه المقاربة هناك الشركة الماليّة الدوليّة(SFI) التابعة للبنك الدولي [2]، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (FIDA)، وهي مؤسّسة متخصّصة تابعة لنظام الأمم المتحدة. وقد التزمت منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة (الفاو)، هذه السياسات، بالرغم من التحفظّات الأوّلية التي أبداها جاك ضيوف، مديرها العام، الذي وصف الأمر على أنّه "نوع من الاستعمار الجديد".

تواطؤ الزعماء التقليدييّن

والأمثلة عديدة على عمليات البيع البخس الكبيرة التي تجري حاليّاً في إفريقيا. حيث حصلت الصين من جمهورية الكونغو الديموقراطية على امتيازٍ على مساحة 2.8 مليون هكتار، لكي تقيم فيها أكبر مزرعة نخيلٍ في العالم [3]. كما يظهر أنّ السيّد فيليب هيلبرغ، رئيس ومدير عام صندوق الاستثمار النيويوركي "Jarch Capital"، والممثّل السابق لشركة التأمين العملاقة "أميركان انترناشيونال غروب" (AIG) قد استأجر ما بين 400 ألف ومليون هكتار في جنوب السودان من أمير الحرب بولينو ماتيب [4]. وقد منحت الكونغو برازافيل مؤخّرأً عدداً من صناعيي الزراعات الغذائيّة في جنوب إفريقيا عشرة ملايين هكتار من غابة البلاد المطريّة الثمينة، بالرغم من كونها أساساً مهدّدة.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وبتشجيعٍ من رجل الأعمال السعودي من أصلٍ إثيوبي محمد علي العمودي، عقدت خمسون شركة من كبريات الشركات السعودية مؤتمراً في إثيوبيا بهدف إنشاء مساحات استثمار زراعية مخصّصة حصراً للتصدير [5]. في الوقت نفسه، ادّعى الهنديّ "ساي راماكريشنا كاروتوري"، المتنافس مع الشركة العملاقة للصناعات الزراعية الغذائية "Cargill"، أنّه يملك أكبر "بنك أراضي" في القارة السوداء، مركّزة بشكلٍ أساسيّ في إثيوبيا [6]. ففي زمنٍ يعاني فيه هذا البلد من الجفاف ويطلق الدعوات لمساعدات غذائية، تستعدّ حكومته، بعد أن تخلّت عن 600 ألف هكتار من أراضيها، لتطرح في السوق ثلاثة ملايين هكتاراً إضافيّة [7].

ويبدو أنّ العديد من البلدان الإفريقية تغريها فكرة أنّ تصدير منتجات الصناعات الزراعيّة الغذائية هي الحلّ لمشكلة نقص الموارد الغذائيّة وللبطالة المستدامة. تدعمها في ذلك على الأخصّ "الشركة الماليّة الدولية" SFI. فهذه المؤسّسة، التي يهمّها أن تولّد "مناخاً مناسباً للأعمال" قد زرعت في الدول المعنيّة وكالات للترويج للاستثمار، تعنى بمساعدة المستثمرين في مواجهة معوّقات حرّية الاستثمار التي يمكن أن تسبّبها الرسوم والتشريعات المحلّية (قانون العمل، حقوق المواطنين، حماية البيئة) وحتّى السيادة الوطنيّة.

الذريعة التي غالباً ما تقدّم هي النقص في استغلال هذه الأراضي؛ إلاّ أنّ الأراضي المرتاحة والبور تساعد في تجديد التربة والأنهار؛ ومن جهة أخرى، فإن السكان الأصليين يستمدّون من مناطق الغابات هذه ومن هذه الأراضي "غير المستعملة" الكثير من مواردهم: الطعام وأقمشة النسيج والبهارات والزيوت النباتيّة والتوابل والأعشاب الطبّية.

وقد قدّرت المؤسّسة الدوليّة للأبحاث حول السياسات الغذائية (IFPRI) في واشنطن أنّه في السنتين الأخيرتين قد جرى بيع أو تأجير ما مساحته 20 مليون هكتار من الأراضي، معظمها في إفريقيا [8]، وذلك لفترات تتراوح ما بين ثلاثين وخمسين عاماً. كما لفتت منظّمة "Grain" غير الحكومية التي تحاول أن تحصي هذه العمليّات، أنّ الصفقات غالباً ما تكون غامضة وسريعة لدرجة يصعب معها احتساب حجمها بشكلٍ دقيق [9].

حيث تنتزع بعض العقود، التي تتمّ على أعلى المستويات، بكلّ سرّية، وراء أبوابٍ مغلقة، وغالباً بالتواطؤ مع الزعماء التقليديّين؛ حيث يتمّ إقناع هؤلاء، رغم اعتبارهم حرّاساً للأرض، في أغلب الأحيان مقابل وظيفةٍ بسيطة الأجر في مزرعة المستثمر.

ومن أوائل الداخلين في هذه "السوق" هناك دول الخليج الغنية التي تنقصها المساحات الزراعية، والتي تضع همّها في أن تضمن أمنها الغذائي، إضافةً إلى العديد من الدول الآسيويّة. أمّا بالنسبة إلى المؤسّسات المالية والمجموعات الصناعية الكبيرة فالأمر يتعلّق بإنتاج المحروقات العضويّة على أساس الموادّ الغذائية (قصب السكّر وزيت البلح والمانيوك والذرة) أو "الجاتروفا"، وهي نبتة يعتبرها البعض "ذهباً أخضر" لأنّها تنتج زيتاً بخصائصٍ قريبة من الديزل النفطي. كلّ هذا في دول إفريقية تكافح باستمرار من أجل أمنها الغذائي الخاصّ بسبب الشحّ في الموارد المائيّة والتغيّرات المناخيّة التي ليست هي مسؤولة عن أيّ شيء منها.

كما أن الاستئثار بالأراضي من شأنه هو أيضاً أن يخلّ بالتوازنات الطبيعيّة. فصغار المزارعين الذين ينتجون القسم الأساسي من الموادّ الغذائية في القارّة (من الزراعات المعيشيّة)، يزرعون تشكيلةً كبيرةً من النباتات ويساهمون بذلك في الحفاظ على التنوّع البيئي [10]. وهم يوماً بعد آخر يتعرّضون لمزيدٍ من الأضرار من عمالقة صناعات الزراعة الغذائيّة والزراعة الإحادية النوع.

وقد سرّعت الأزمة الغذائيّة العالمية من الهجمة على الأراضي الزراعية الإفريقية. مع إنّ المليار نسمة في العالم المصابين بسوء التغذية ليسوا ضحيّة النقص في المواد، بل بالأحرى هم ضحايا عدم القدرة على الحصول على السلع الغذائية التي لم تكُفّ أسعارها عن الارتفاع في العام 2008. وتعود هذه الزيادات بعيداً عن كل منطق في جزءٍ منها إلى رياح المضاربات التي أعقبت قرار الدول الأوروبيّة والولايات المتحدة بالتحوّل نحو المحروقات العضويّة. فمن المفارقة أن يُسجّل أن هذه الدول، التي ليس من المؤكّد أنّها ستسمح بمكافحة التغيّرات المناخيّة، هي جزئيّاً وراء عمليات استملاك الأراضي الزراعيّة. كما أن الأزمة المالية قد لعبت من جهتها دوراً في هذه الحركة، لأنّ الأوساط الماليّة، بعد انهيار أيلول/سبتمبر العام 2008، راحت تفتّش عن توظيفات جديدة موثوقة وكبيرة المردود. ففي نظرها إنّ "الأرض هي مجال توظيف موثوق، وحتّى أكثر موثوقيّة من الذهب [11]".

وقد أبدى المقرّر الخاص للأمم المتحدة للحقّ في الغذاء، السيد أوليفييه دو شوتّير، أسفه لأنّ الزعماء الأفارقة، الذين يوقّعون على هذه الاتفاقات من دون استشارة البرلمانات، قد راحوا يتنافسون فيما بينهم، بدلاً من العمل معاً لفرض شروطٍ على المستثمرين الأجانب (تطوير البنى التحتية أو تخصيص نصف المحاصيل على الأقلّ للأسواق المحلّية). وعلى ذلك يعلّق السيد فيليب هايبرغ بصلافة: "عندما يصبح هناك نقص في الغذاء، يفتّش المستثمر عن دولةٍ ضعيفة لا تفرض عليه قوانينها [12]".

إلاّ أنّ عدداً من الجمعيّات الإفريقية تحاول أن توصل صوتها. فهذا ما تفعله جمعية "Copagen"، وهي تحالفٌ إفريقيّ مشترك يضمّ بعض العلماء والجمعيّات الزراعية التي تعمل من أجل الدفاع عن السيادة على البذار والسلع الغذائيّة. وفي 17 تشرين الأوّل/أكتوبر العام 2009، وقّعت سبع وعشرون جمعيّة محلّية كتاباً يدعو زعماء القارّة إلى الكفّ عن دعم الزراعات الصناعيّة. ولكنّها لم تحصل على إجابة حتّى اليوم.

التزامات ضعيفة جدا

والحقيقة أن عدداً من عمليّات احتكار الأراضي الزراعية لم تبلغ حتى الآن سوى مرحلة المشروع. لكن إن لم يقع أيّ طارئ، فكلّ "مشروع" وضع لكي ينفّذ حتّى نهايته. في حين أنّ شراء هذه الأراضي بشكلٍ مكثّف لأهدافٍ تقتصر على المضاربة المالية وحسب، يحمل في ذاته بذور النزاع والكارثة البيئيّة والفوضى السياسيّة وبلوغ الجوع مستويات لم يبلغها قطّ في الماضي. ففي إطار القمّة العالمية للأمن الغذائي التي انعقدت في روما في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أشارت منظمة "الفاو" إلى أنّها تعمل مع مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية CNUCED ومع الصندوق الدولي للتنمية الزراعيّة FIDA ومع البنك الدولي على وضع "قواعد حسن سلوك" للمستثمرين الأجانب. ومن جهة أخرى، من شأن وضع قواعد دولية معتمدة أن تشجّع الاستثمارات الزراعيّة "المسؤولة". لكنّ هذه الالتزامات تبقى ضعيفة.

لكن توجد هناك حلول؛ ومنها منح قروض متناهية الصغر، وشقّ الطرقات التي تسهّل بيع المنتجات الزراعيّة في الأسواق المحلّية، وتمكين المزارعين من تلقي دورات تأهيليّة من أجل إتقان التقانات الزراعية التي تحوّلت من الآن وصاعداً نحو التنوّع البيئي، ولكي يحسّنوا طرائق تحويل المحاصيل وتخزينها والتخفيف من الاستيراد التي تبخّس عملهم؛ كلّ هذا يمكن أن يشكّل عدداً من الاستثمارات البنّاءة في الرأسمال البشريّ والزراعي في إفريقيا.


* صحافية وكاتبة، وضعت كتاب:Dust from our eyes - An unblinkered look at Africa, Wolsak and Wynn Publishers Ltd, Hamilton (Ontario, Canada), 2008.

[1] « Sierra Leone open for business », Awoko, Freetown, Sierra Leone. 23/11/2009.

[2] بحسب تقرير الشركة الماليّة الدوليّة SFI الذي نشر في تموز/يوليو العام 2009 تمّ استثمار مبلغ قياسي قدره ملياري دولار في العام 2009 في صناعات الزراعة الغذائية، أي ما يعادل 42 في المئة أكثر من السنة السابقة.

[3] في 11 حزيران/يونيو 2009، نشر اوليفييه دو شوتّير، المقرّر الخاص للأمم المتحدة في موضوع الحقّ في الغذاء، نداءً من أجل أن تؤخذ بعين الاعتبار مجموعة من المبادئ المرتبطة بحقوق الانسان كأساس الحدّ الأدنى في هذه العقود؛ www2.ohchr.org

[4] Daniel Shepard et Anuradha Mittal, « The Great land Grab : rush for world’s farmland threatens food security for the poor », Oakland Institute, Oakland, Californie; 2009.

[5] Wudineh Zenebe, « Al-Amoudi’s efforts to initiate Saudi agro-investment », Addis Fortune, Addis Abeba, 29/11/2009.

[6] Asha Rai, « The constant gardener », The times of India, Mumbai, 26/11/2009.

[7] « Ethiopia is giving away 2,7 million hectares » Daily Nation, Addis Abeba,15/9/2009.

[8] Joachim von Braun et Ruth Suseela Meinzen-Dick, « Land grabbing by foreign investors in developing countries : risks and opportunities », IFPRI Policy Brief 13, International Food Policy Research Institute, Washington, avril 2009.

[9] « Il faut mettre fin à l’accaparement mondial des terres ! », déclaration de Grain, lors du Sommet mondial de l’alimentation de Rome, 16/11/2009.

[10] Miguel A. Altieri « Agroecology, small farms, and food sovereignty » The Monthly Review, New York, juillet-août 2009

[11] Chris Mayer, « This asset is like gold, only better », DailyWealth, Vancouver, 4/10/2009.

[12] Knaup, Horand and von Mittselstaed, « Foreign investors snap up African farmland », Der Spiegel, Hambourg, 31/7/2009.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان