آداب ومراجعات > كانون الثاني/يناير > 2010

آداب أجنبيّة

مارك أوليفييه بيرير

اليوتوبيا المتكسّرة عند أقدام جبال "الأبالاتشي"

"مانيتوانا" لوو مينغ

عام 1775، أرادت بلاد الايروكي أن تصدّق فألها الحسن. فعلى ضفاف نهر الموهوك، كان الشعب حامل هذا الاسم، وهو واحدٌ من ستّة "شعوب" إيروكية، يختبر الذوبان الثقافي بينه وبين البيض. مولي برانت، ابنة "الساشيم" (الزعيم الأعلى) النافذ وأرملة وليم جونسون، مفوّض الشؤون الهنديّة المتوفّي قبل عام، كانت من بينهم. وكان مستأجرو الأراضي الإيرلنديّون يلتقون عندها بصيّادي الموهوك الذين وجدوا من يقلّدهم بين البيض الذين جالوا الغابات. هكذا تبدأ رواية "مانيتوانا" لمجموعة "وو مينغ" الإيطالية عندما تنتهي فترة ما بين الحربين، الفاصلة بين حرب الأعوام السبعة (1756-1763) وحرب الاستقلال الأميركية.

حيث يحلم المزارع الأميركي جوناس كلوغ بتوسيع أراضيه إلى جنوب سلسلة جبال "الأبالاتشي". لكن التاج البريطاني يرغب في إبقاء هذه الأراضي ملكاً للشعوب الستّة التي حاربت إلى جانب جنوده خلال حرب السبعة أعوام. في حين يرى كلوغ أن "رائحة الماضي تفوح من الهنود". وتتكاثر الحوادث، ما يجبر "الموهوك" على التحرّك لمساعدة لندن في وجه المتمرّدين والمحافظة على العالم الخلاسي الذي أقاموه مع فلاّحين إيرلنديين واسكوتلنديين أكثر تفهّماً. لكن اللعبة مفخّخة، والموهوك هم المغرّر بهم؛ فالأمبراطورية الضعيفة تهزم في النهاية وتتفرّج على حلفائها السابقين يسحقون. حيث سيضطرّون في النهاية إلى مغادرة أراضيهم، وما زالوا حتى اليوم يعيشون على ضفاف نهر سان لوران. وقد نسيت قصتهم، بعد أن داست عليها الأسطورة التأسيسية الأميركية؛ بحيث تبدو مجرّد تحضيرٍ لغزو الغرب القادم والذي سيباد خلاله الهنود كي تحقّق الولايات المتحدة "مصيرها المشهود".

ليس من باب الصدفة أن تهتم مجموعة "وو مينغ" بهذا الخطّ المكسور. فالرواية الملحمية تحيي، إضافةً إلى برانت وكلونغ، سلالة جونسون وجوزيف برانت، شقيق مولي وزعيم الحرب الهنديّ، وفيليب لاكروا، محارب الموهوك الأسطوري الآخر؛ وجميعهم وجوه تاريخية. البعد الملحميّ ليس مثالياً هنا. فلا وجود للمتوحّش الطيّب الذي يدمّر الرجل الأبيض براءته؛ فالحرب تبدأ والفظائع مشتركة. والكلام عن أرض الأيروكي مناسبة بالأحرى لإلقاء "نظرةٍ جانبية" على بناء العالم. وأشباحٌ كثيرة تستعاد: سير ويليام في صورة الراعي؛ وأمواتٌ آخرين سيسكنون الأحياء. وعند كلّ مفترق، تتردّد الشخصيّات قبل اختيار الجادة التي تريد سلوكها.

تنسج وو مينغ سرداً قوياً متعدّد الأصوات، حيث تلتقي وجهات نظر الأطراف التاريخية. ولا تستسلم الكتابة للديماغوجية أو لسهولة السرد التقليدي، بل تأتي كمحاولة ناجحة لثقافة "البوب" الشعبية. فالكتّاب الخمسة الذين يناضلون من أجل حرية انتقال المؤلّفات (حقوق الطبع المتروكة Copyleft) والذين اعتمدوا هذه التسمية (تعني "وو مينغ" بالصينية "من لا اسم له") لتفادي فخّ البروز الإعلامي، لا يبخلون بإنتاجهم على الانترنيت [1]؛ حيث يمكن تنزيل شريطٍ صوتيّ لـ "مانيتوانا" مجّاناً، كما يمكن زيارة مواقع الرواية عبر برنامج "غوغل الأرض Google Earth". وتتوفّر كتب أخرى لمجموعة الكتاب هذه في نسخٍ متعدّدة اللغات. ليست الأمر صرعة، بل على العكس اختبار مفتوح من الرواية على التقانات الجديدة دون تسليمه مع ذلك إلى التجار.


* صحافيّ

[1] www.wumingfoundation.com

"مانيتوانا" لوو مينغ (ترجمه عن الايطالية سيرج كوادروباني، منشورات ميتايه، باريس، 2009، 508 صفحات، 24 يورو).

MANITUANA de Wu Ming (traduit de l’italien par Serge Quadruppani, Métailié, Paris, 2009, 508 pages, 24 euros)

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان