
آداب ومراجعات > كانون الثاني/يناير > 2010قراءاتدومينيك فيدالحول الصعود الذي لا يقاوَم لحركة حماس
مفارقة جديدة في عالم النشر الفرنسي: فحتّى اليوم، لم يكن هناك سوى ثلاثة كتب تتناول "حماس" اللاعب الهامّ في الساحة الشرق-أوسطية. أمّا باللغة الانجليزية، فيحصي موقع "أمازون" ثلاثون مؤلّفاً... إلى هذه المؤلفات [1]، أضيف حديثاً إثنان يساهمان في ردم هذه الهوّة. يقدّم أوليفيه دانينو، الباحث في "المؤسسة الفرنسية للتحليل الاستراتيجي" (IFAS) عملاً توليفياً وتعليمياً في آنٍ معاً [2]، يعيد فيه رسم الصعود الذي لا يقاوم للحركة الاسلامية ابتداءً من الانتفاضة الثانية حتّى الانتصار الانتخابي في العام 2005، ومن بعدها السيطرة التامّة على السلطة في غزّة عام 2007. ودون أن ينفي البعد الإسلامي لنفوذ الحركة، يشدّد المؤلف على بعدها السياسي (والاجتماعي): إذ أنّ قوّة "حماس" ترجع في الأصل إلى ضعف حركة "فتح" بدءاً من فشل المشروع السياسي-الدبلوماسي لمنظّمة التحرير الفلسطينية في السبعينات، ووصولاً إلى الإدارة الفاسدة والسلطويّة للسلطة الفلسطينية. ويكرّس شارل اندرلان كتابه الجديد [3] إلى جانبٍ آخر من جوانب هذا الفشل. حيث يبرهن مراسل محطّة "فرانس 2" في القدس، من خلال استشهادات وفيرة غالبيتها غير منشورة، كيف استخدم القادة الاسرائيليون على الدوام القوى الاسلامية لتقسيم وإضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية. ويتغذى هذا العمى الطويل المدى الذي يندّد به الصحافي من حسابات قصيرة الأجل. هكذا، وبينما يصبح الجنرال اسحق سيغيف العائد من طهران حاكماً على غزّة في أيلول/سبتمبر 1980، ها هو يُصدم بالتغيّرات الحاصلة: إذ "كان هناك العديد من المساجد واللُّحى. حيث قال لي بعض الضباط أنّهم يملكون الدواء المضاد لمنظّمة التحرير الفلسطينية؛ وهي المنظمة التي يقودها الشيخ ياسين. وقبل شهرين، كان الجنرال كاستل، سلفي، قد وافق رسمياً على شرعنة جمعيّته، المجمّع الاسلامي". بعدها بخمسة أعوام، عبّر ضبّاطٌ إسرائيليون عن قلقهم بالقول: "لوقتٍ طويل، استفاد النشاط الديني من الإفلات من أيّ عقاب (...) هكذا انتهزت بعض الجماعات الاسلامية المتطرّفة الفرصة لمضاعفة نشاطاتها. فتعزّز وضعها إلى درجة فرض وجهة نظرها بالقوة على قطاعات بأكملها من السكّان". ولم يؤخذ بهذا التحذير، ولا بما قاله الجنرال شايكيه ايريز عام 1987، عند تأسيس حركة حماس: "منذ ثمانية أعوام، نشهد صعوداً للعنصر الديني في الأراضي. وبحسب نتائج الانتخابات الطلاّبية (...) يمثّل الاسلاميون 40 في المئة من السكّان في يهودا والسامرة. وسيشكّل ذلك خطراً أمنياً في المستقبل القريب، نسبةً لإسرائيل أكثر من منظمة التحرير الفلسطينية". وفي خضمّ حرب الخليج، اعتبرت "الأجهزة" أن "نفوذ حماس يتعزّز"، بحيث أوضحت بصورة استشرافية: أنّ "هذا الوضع يعود إلى عدّة عوامل: مأزق العملية الدبلوماسية، تردّي الأوضاع الاقتصادية في الأراضي، والشعور بأنّ لا حلّ للمسألة الفلسطينية في الأفق. هكذا تمثّل حماس من خلال لعبها على المشاعر الإسلامية بديلاً عن منظمة التحرير". وعبثّاَ سيحذّر أفنير كوهين من السحرة الصغار في تل أبيب: "تعتقد السلطات هنا أن (مجمّع الشيخ ياسين) يشكّل حضوراً يوازن منظمة التحرير وليس خطراً حقيقياً على استقرار المنطقة، وأنّ الأضرار التي قد يلحقها هذا المجمّع زهيدة قياساً بما توفّره من إيجابيات. وقد كانت تلك حسابات خاطئة تماماً. فللأسف، فقدت السلطة الإسرائيلية السيطرة على "الغوليم" (الغول) الذي حمته ودعمته". وقد استفادت في غضون ذلك من العمليات الانتحارية لإعادة احتلال الضفة عسكرياً... آخر كتاب، مخصّص فقط للأسف للناطقين بالإيطالية، من توقيع باولا كاريدي [4]. حيث تقدّم هذه الصحافية المقيمة في الشرق الأوسط منذ عشرة أعوام، تحقيقاً في صيغة كتابٍ يتميّز بالتحليل الدقيق الممتاز.
* مؤرّخ وصحافي، شارك مع برتران بادي في الإشراف على مؤلّف: L’Etat du monde 2011: la fin du monde unique (La Découverte, Paris, 2010). ألّف مع ألان غريش وإيمانويل باولي كتاب:Les 100 clés du Proche-Orient, Fayard, Paris, 2011.
[1] Agnès Pavlowsky, Hamas ou le Miroir des frustrations palestiniennes, L’Harmattan, Paris, 2000 ; Aude Signoles, Le Hamas au pouvoir. Et après ?, Milan, Toulouse, 2006 ; Khaled Hroub, Le Hamas, Demopolis, Paris, 2008. [2] Olivier Danino, Le Hamas et l’édification de l’Etat palestinien, Karthala, Paris, 2009, 300 pages, 25 euros. [3] Charles Enderlin, Le Grand Aveuglement. Israël et l’irrésistible ascension de l’islam radical, Albin Michel, Paris, 2009, 377 pages, 20 euros. [4] Paola Caridi, Hamas. Che cos’è e cosa vuole il movimento radicale palestinese, Feltrinelli, Milan, 2009, 284 pages,
|