
البلاد العربية > تموز/يوليو > 2006خاص النشرة العربيةوندي كريستياناسن"صراحةً، يحدث هذا فقط في فلسطين"
تقدمت النساء الفلسطينيات إلى الواجهة خلال الانتفاضة الأولى التي انطلقت نهاية العام 1987 فيما أزواجهن وابناؤهن يتعرضون للقتل والإصابة أو التوقيف. فاجتمعن في نشاطات مشتركة لمقاطعة اسرائيل. فزرعن الحدائق وقطع الأرض الصغيرة بالخضار والفواكه وربّين فيها الدجاج والماعز. ولكن انقسمت منظمات النساء إلى فصائل فكانت لكلٍّ من فتح والحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية تنظيماً نسائياً خاصاً بها، فيما لم تشارك "حماس" في القيادة الموحّدة للانتفاضة وبقيت نساؤها في البيوت. ثمّ تغيّر الكثير بعد عشرين عاماً. فتقول سريده حسن العاملة في "مكتب المرأة" في رام الله: "لقد وافقنا مع اتفاقية اوسلو في 1993 على المشاركة في بناء الدولة وتوقفنا عن العمل في فصائل سياسية مستقلة. بعض الذين عارضوا اوسلو تركوا الحركة النسائية. والآن مع وصول حماس إلى السلطة هناك فرصةً لإعادة النظر في مسيرتنا سياسياً واجتماعياً". "فنوعاً ما علينا القبول برغبة الناس وبالتالي دعم حماس لكن علينا كذلك الحفاظ على هويتنا الخاصة. وبالنسبة لحالتي فأنا علمانية. وقد شعرت في البداية أنني محشورةٌ في الزاوية. لكني أعتقد الآن أنّه بالإمكان العمل مع حماس طالما نجاهر معها باختلافنا. ومن ثم لن أرتدي أنا الحجاب وأريد أن أحذر ابنتي من أن يرغمها أحد على ارتدائه. لكنّني مدركة أنها قد تختار الحجاب بإرادتها وإذا حدث ذلك فعليّ أن أتعلّم احترام خيارها. وهذا سيكون درساً مفيداً لي". ما يميز الحركة النسائية في فلسطين عن غيرها في بلدانٍ أخرى هو الاحتلال. إذ تقول سريده: "نتحدث هنا في المركز خصوصاً عن حقوق المرأة وعن حواجز التفتيش: فنحن مجتمعٌ تحت الاحتلال. نسعى لبناء دولتنا المستقلة، لكن الأصعب علينا أيضاً هو الحفاظ على إنسانيتنا صافية. فباحترامنا حقوق الآخرين نشعر أننا ندافع عن البيت الفلسطيني من الداخل. إذ علينا فتح النوافذ وإدخال الشمس: الحب والحوار والإنسانية". خالدة جرّار نائبة علمانية في البرلمان، تقول: "المشكلة مع منظماتنا العلمانية هي أنّها تتوجه إلى المرأة الفلسطينية بتعالي من خلال ورش العمل والتدريب. وخلافاً لحماس ليست لدينا علاقة عضوية مع الجذور. نصف المقترعين لحماس في انتخابات كانون الثاني/يناير كانوا من النساء. ونساء حماس لعبن دوراً كبيراً في الحملة الانتخابية داخل البيوت. ولم يكن بمقدور الرجال القيام بهذه المهمة". زرت جميلة الشنطي، 49 عاماً، في مخيم جباليا للاجئين في غزّة حيث ولدت. إنّها واحدة من ثلاث نساء يمثلن حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني عن قطاع غزة. وكان ترتيبها الثالثة على اللائحة (بعد رئيس الوزراء والشيخ أبو طير من القدس). وهي فخورة بذلك إذ تقول: "أنا امرأة فلسطينية عاشت كل معاناة الفلسطينيين وأمضيت حياتي لاجئة". عائلتها قادمة من المجدل، في جوار عسقلان. وخلافاً للعادة لم تزوج. كانت منشغلة بدراسة الفلسفة وعلم النفس في الجامعة، مما أوصلها إلى السعودية لمدة تسع سنوات "دعماً لعائلتها" - إذ لديها خمس أشقّاء وشقيقات أصغر منها سناً - وتعويضاً عن الجهد الذي بذله والدها في سبيل دراستها. لم تجد الشريك المناسب، كما تقول، إذ ومع كثرة الرجال لم يكن أحدهم راغباً بالزواج من امرأة عاملة". "رسالتي للمجتمع أن علينا التمييز بين الدين والتقاليد. نحن النساء علينا البقاء تحت خيمة الاسلام، لكن يفترض بنا العمل ولعب دورٍ فاعل. فقبل عشرة أعوام لم يكن ذلك ممكناً هنا في غزّة. أما اليوم فالأمر ممكن وعلينا القيام به مع حركة حماس". والإصلاحات مطلوبة اليوم "خصوصاً في مجالي الميراث والطلاق: إذ لا تحصل النساء على حقوقها بسبب التقاليد. ونحن في حماس نحضِّر النساء، ونضعهن في صورة الأشياء. ولن نهملهنّ ولن نرغمهن على ارتداء الحجاب. نحن في مجتمعٍ حرّ". "عليك السفر في رحلة طويلة" مها ترتدي الأسود وتضع نقاباً يغطي وجهها وكفوفاً لليدين. لقد حضّرت لي الغداء لأني ذاهبة إلى إسرائيل عبر معبر اريتز على بعد أميالٍ، كي أتمكن من العودة الى رام الله. ويزداد الشعور بالتوتر ما أن يتم ذكر معبر إريتز: "تحتاجين للمأكل لأن عليك السفر في رحلة طويلة". أكلنا معاً أنا وجميلة: جبنة طريّة، زيتون، طحينة، خبز عربي ساخن، أقراص فلافل صغيرة، ومعها كاسات كبيرة من الشاي الحلو بالنعناع. وفي الأزقة تمرّ نساءٌ مرتديات الأسود وقلّةٌ منهنّ بالنقاب. كانت هناك أعلام فوق جميع الأبنية: الأصفر لفتح، الأخضر لحماس وأحياناً الأحمر للفصائل اليسارية والعلم الأسود الكبير للجهاد الاسلامي. بل أحد المساجد يعلن ولاءه المزدوج رافعاً الأصفر والأخضر سويّةً. ثم، بعد العربات التي تجرّها الحمير والمثقلة بالفواكه والخضار وبعد جمهرة الأولاد الصغار، تؤدي الدروب الرملية إلى طريق معبّدة كيفما كان، ثم إلى جدار فصل غزّة الذي يلتوي وصولاً إلى إريتز. في الجهة الفلسطينية من المعبر هناك مكعّبات باطون كبيرة مرميّة دون نظام وحولها زجاجات البلاستيك من مخلفات المتنزهين، كما هناك ولكن بشكل أكثر بعثرة محالٍّ تجارية، ربما حوت يوماً أطعمة مثلّجة وبعض المنتجات، لكنّها اليوم دون كهرباء. الموظفون الفلسطينيون الذين فحصوا جواز مروري تمنّوا لي حظّاً سعيداً. وحمل أحد الشبان، خالد، حقيبتي على كتفه وسار في الممر وصولاً إلى الباب الحديدي الموصد وانتظر أن يُفتَحَ في وجهي. خالد في الرابعة والعشرين من عمره ومعيلٌ لعائلةٍ. ما زالت أمامه سنة دراسيّة واحدة في تقانات المعلومات ولكنّه اليوم دون المال. وهو لا يكسب الكثير لأن معبر اريتز فارغٌ هذه الأيام. فانتظر معي 15 دقيقة وعندما فُتِحَ الباب، انكبَّ على يدي تقبيلاً. ثم أُقْفَلَ الباب ورائي. في السابق، كانت مئات الأمتار الفاصلة بين نقطتي العبور تحت حراسة الجنود الاسرائيليين المسلّحين بالرشاشات وأبراج المراقبة. لكن المعبر كان هدفاً لعشرات الهجمات الفلسطينية والانتحاريين. فتعاقدت وزارة الدفاعالاسرائيلية مع شركة أمنٍ خاصة أغلقت المعبر بالكامل داخل ممرٍّ ضيّقٍ مغطّى مع حراسة مخفيّة. لا حرّاس ولا جنود ولا بشر في الأفق. داخل الممرّ، يفاجئك في وحدتك من وقتٍ لآخر، صوت امرأةٍ يقول "تعالي" بالعربية. وماذا لو لم أفهم ماذا تريد؟ فيتكرر الصوت: "تعالي، تعالي". ثمّ اقتربت من ممرٍّ ضيقٍ جدّاً يصعب عبوره حتى مع حقيبة عادية. ثم جاء دور مرور حقيبتي على آلة المطارات الكاشفة للمحتوى، بينما دخلت أنا في حجرة دائريّة شفافة. ثمّ أُغلِقَ الباب. وأبلغني الصوت أن أُباعِدَ بين رجليَّ وأضعهما فوق العلامات الصفراء المخصّصة للأقدام وأن أرفع يداي فوق رأسي. ثم انفتح الباب التالي أمامي. "لا، تراجعي". اليدان إلى أعلى والقدمان منفصلتان بعيداً، وهاهي الكاشفات المخفيّة تُخضِعْني من جديد للفحص بحثاً عن قنابل. ثم أعيدت كل الكرّة مرّة أخرى. وفي نهاية الممر دخلت القاعة المخصّصة للشخصيّات (VIP) والدبلوماسيين وفي داخلها كان هناك أناسٌ حقيقيّون: بنات إسرائيليات عاديّات تؤدين الخدمة العسكرية، تفحّصن أوراقي وهن يبتسمن. وسمعت تسجيلاً لدون مكلين يغني "Bye, bye, Miss American Pie”. فتذكرت جميلة الشنطي. وتذكّرت كذلك ليلى الحدّاد، 28 عاماً، وهي صحفية من مدينة غزّة، درست في الولايات المتحدة وهي أمٌّ ليوسف وعمره سنتين. تعيش مع أهلها وهما طبيبان. هذا عندما لا تكون برفقة زوجها الذي يتابع تدريباً طبياً في الولايات المتحدة. وبصفته فلسطيني من لبنان لا يمكنه الدخول إلى غزة ولا يسمح لليلى بالذهاب إلى لبنان. تقول ليلى أنّها محافظة دون تطرُّف (إذ تضع على رأسها منديلاً صغيراً وترتدي عادةً سراويل جينز). وقد صوّتت لحماس في الانتخابات: "قرّرتُ في اللحظة الأخيرة فقط، على غرار العديدين الذين صوّتوا فقط ضد فتح". هذا ما قالته في منزل العائلة في حي الرمال للطبقة الوسطى. وتملك ليلى مفكّرة الكترونية (blog) على الانترنيت باللغة الانكليزية [1] "تضعني على اتصال بأناسٍ عديدين حول العالم وحتى مع إسرائيليين من الذين لا يمكن أن يتخيّلوا أبداً كيف هي الحياة في غزة". في مداخلة حديثة العهد على الشبكة كتبت تقول "أكتب في عتمةٍ كاملة، ليس بسبب القنابل المدفعية التي لم تطالنا طوال 24 ساعة، بل لأن جماعة شهداء الأقصى (أو كما أسمّيهم "جيراننا المسلحين") قد أطلقت النار من باب الخطأ على كوابل الكهرباء هذا المساء، بعد رفع علم فتح فوق مركز المجلس التشريعي الموالي لحماس المواجه لبيتنا، اعتراضاً على تصريحات أدلى بها مسؤولو حماس". وكتبت أيضاً عن المجابهة بين فتح وحماس والاتهامات المتبادلة والمواجهات في جامعات غزة. "حصل تدافعٌ فجُرِحَ حوالى 15 شخصاً في معاركٍ بالأيدي والحجارة والقنابل الحارقة. وسط هذا الجنون كان بائع مرطباتٍ وحيدٍ يحوم حول الجموع الغاضبة ويبيع رماة الحجارة العطشانين من مشروباته (صراحةً، هذا يحدث فقط في فلسطين). وقال ابن عمي ممازحاً أنّه كان ينقص كشكٌ لبيع التذكارات، وربما القمصان والقبعات. كنت هناك". وخلال المظاهرات المضادة لحماس عام 2006، أنا متأكدة أن بائع أعلام منظمة التحرير المحلّي قد حقّق أرباحاً جيّدة. ثم تناقشنا في ما سينتج عن كل هذا. "لن يتمكنوا من التخطيط لحرب أهلية فهذا ليس بمقدورهم". وقالت "أننا اعتدنا على العيش خارج القانون والنظام. الناس يعتبرون الأمر شخصياً وهم ببساطة لا يطيقون أن يقول أحدٌ لهم ما يجب أن يفعلوه. كلٌّ يريد إدارة شؤون نفسه". وهاهو يوسف قد غطّ في النوم ويظهر أنّ التيار الكهربائي قد عاد، اعتقد أني سأستمر في قراءة كتابي. أمّهات أخريات يسعَين لخلق أوضاعٍ طبيعية لأنفسهن. وأنا أفكِّر بالبِضعة منهنّ الجالسات على شرفة فندق الديرة في غزة ينظرنَّ إلى البحر. فتياتٌ متبرجات ومحجبات في نفس الوقت يدخنّ النرجيلة تحت أصداء الموسيقى العربية والقصف الاسرائيلي.
* صحافيّة، لندن.
[1] "تربية يوسف"، مفكرة أم تحت الاحتلال.
|