
العالم العربي > كانون الثاني/يناير > 2013صابرينا ميرفينالمصير الغريب للعلويين السوريين
في العام 1903، قام الأب اليسوعي البلجيكي هنري لامنس بزيارة إلى رجل دينٍ نصيريّ مرموق في نواحي أنطاكية -في لواء الإسكندريون الذي ضمّ إلى تركيا - لـ"حمله على الكلام". على غرار سواه من المستشرقين قبله، كان لديه اهتمام بهذا الشعب ذي الأصول الغامضة، الذي كان متمسّكاً بعقائد دينية متأثرة بالتركيبات القديمة والتأليف بين مذاهب متعارضة، كتقمّص الأرواح أو الإيمان بثالوث (النبيّ محمد، وصهره علي بن ابي طالب وسلمان الفارسيّ، أحد أـصحابه). كما كان يحتفل بطقوسٍ مسيحيّة، ولكن أيضاً يقيم أعياداً ذات مظاهر أكثر وثنيّة. وكان يقوم بزيارات لأولياء محليّين في مزارات، ولم تكن لديهم مساجد. وبما أن أسرار دين النصيريين لا تكشف إلّا لأصحاب المعرفة بينهم، ظلّت تشكّل لغزاً سعى المستشرقون أو الإرساليّون إلى فكّها [1]. اتجه الأب لامنس في بداية الامر إلى الظنّ أنّ النصيريين إنّما هم مسيحيون قدامى، لكنّه ما لبث أن غيّر رأيه بعد مقابلة الشيخ الذي كان يجاهر بانتمائه إلى الإسلام الشيعيّ، وأنّهم قريبون من الشيعة الإماميّة في بلاد فارس ومن القزلباش في الأناضول [2]. كما كان رفض الشيخ من ناحية أخرى فكرة ذوبان النصيريين ضمن "المسلمين"، ويقصد السنّة، واشتكى من معاملة الدولة العثمانية السيّئة لهم. بحسب رأيه، كان النصيريّون عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم، لأنّهم كانوا يفتقدون للحماية الخارجية التي كانت تستفيد منها طوائف أخرى [3]. فاقترح عليه لامنس قائلاً: "وماذا لو أصبحتم مسيحيين؟ إنّ مبادرة كهذه ستمنح فوراً لفرنسا الحقّ في التدخّل لمصلحتكم " [4]. أبعد من هذه الطرفة، تُنذر رواية هذا اللقاء التي يعتمدها لامنس بالصعوبات التي سيواجهها النصيريون منذ بداية القرن العشرين من أجل بناء هويتهم، بدايةً ضمن الدولة العثمانية المتداعية، ومن ثمّ في سوريا الخاضعة للانتداب الفرنسيّ (بدءأً من العام 1920)، وأخيراً في سوريا المستقلّة. خلال هذه المرحلة من تاريخهم، اضطرّوا للخروج من عزلتهم في الجبل والانخراط في الحداثة. ومن أجل بلوغ هذا الهدف عمدوا إلى تنظيم عقائدهم الدينيّة وجماعتهم في ظل تشنّجات حادّة ما بين الوقائع المحليّة وعملية تكوين الدولة الحديثة والطموحات الإقليمية والتأثيرات الدولية. تشكّلت ديانتهم ضمن الإسلام الشيعي، بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديّ، وهي ترتبط بفرقٍ مذهبيّة كان يطلق عليها إسم "الغُلاة"، أي "المتطرّفون" في التأويل، حيث اتّهمهم الآخرون بالمغالاة بتقديرهم لعلي بن أبي طالب إلى درجة تأليهه. لكن بالرغم من استقاء بعض الأصول القديمة، وأخرى خارج الإسلام، فإنّ عقيدتهم تنتمي بشكلٍ واضح إلى "الإماميّة" (الشيعيّة). إذ أنّ المؤّسس الذي حملوا اسمه، محمّد بن نصير (النميري البصري) كان حسب العقيدة تلميذ، بل "باب" [5] الإمام الحادي عشر للشيعة. وبعد مرحلة من التوسّع في الشرق الإسلاميّ، انحسر النصيريّون في جبلٍ أضحى ملجأً لهم، حيث تطوّرت تعاليمهم ضمن دوائر مغلقة تستقي مصادرها من المعتقدات والطقوس المحليّة. وقد احتفظت بطابعها التراتبيّ التعليميّ، واعتمدت قاعدة "التقيّة" [6]، وأحاطت نفسها بالأسرار وطوّرت منهجاً باطنيّاً وعرفانيّاً وصوفيّاً، على هامش الإسلام السنّي وشرائعه وطقوسه المعروفة. لذا وُصمت بالكفر، خصوصاً من قبل الفقيه الحنبليّ المحدث المشهور في القرن الرابع عشر إبن تيميّة، الذي أنكر على النصيريين انتماءهم إلى الإسلام [7]. ماضٍ معجون بالبؤسخلال الأعوام الأخيرة للدولة العثمانية، غذّت تصوّرات خياليّة في غالبية الأحيان تهماً واضطهادات ضدّ النصيريين. لأنّهم حافظوا من جهتهم، على غرار سواهم من الشيعة، على ممارسات يستهجنها السنّة، كعادة سبّ الخلفاء الراشدين [8]. حاولت الدولة العثمانيّة دمجهم، دون نجاحٍ كبير، خصوصاً من خلال تشييد المساجد. وكان النصيريون يعيشون حينها بشكلٍ أساسي في قرى الجبال المسمّاة "الأنصاريّة" على طول ساحل البحر الأبيض المتوسّط (حيث المدينة الوحيدة التي كانوا متواجدين فيها هي صافيتا ، ذات الأغلبيّة المسيحيّة)، وكذلك في سنجق الإسكندرون [9]، حيث كانوا يعيشون حياةً حضريّة أكثر، وكان بإمكانهم متابعة التحصيل العلميّ، وكذلك في شمال لبنان [10]. في الجبل، كانت الحياة اليوميّة التي يعيشها الفلاّحون الأميّون والمستغلّون من قبل الاقطاعيين، مجبولة بالبؤس، والذاكرة الجماعيّة التي كان يتناقلها المتعلّمون كانت تذخر بروايات الاضطهاد والقمع. إلا أنّ أفراداً من بينهم تمكّنوا من الحصول على مناصب في الإدارة العثمانية، في حين أنّ هذا المجتمع الريفي المنغلق والمنبوذ، المندرج في أربع تجمّعات قبلية، لن يلبث أن ينفتح شيئاً فشيئاً على العالم المحيط به. هكذا انطلاقاً من 1910، أقام المشايخ النصيريّون علاقات مع نظرائهم من الشيعة الإثني عشريّة في جنوب لبنان الحالي والعراق [11]. وبدأ البعض منهم يعرّفون عن أنفسهم كـ"علويين" كي يربطوا صورتهم بصورة علي بن أبي طالب - وكذلك بالشيعة - والابتعاد عن تسمية "النُصيري" التي أضحت تحقيريّة لشدّ ما استخدمت لتسيء سمعتهم. عندما أرسي الانتداب على سوريا ولبنان (1946-1920)، اعتمد الفرنسيون تسمية "العلويين" للدلالة عليهم. ولم يكن الهدف يقضي فقط بالمحافظة على هذه الأقليّة الدينيّة وإيجاد حلّ لتخلّفها الاقتصادي والاجتماعي، بل أرادوا أيضاً فصلها عن القوميين المسلمين السنّة، عملاً بمبدأ "فرّق تسد". بالتالي تمّ تقسيم سوريا، وتمّ تخصيص منطقة مستقلّة للعلويين، تحوّلت في العام 1922 إلى دولة عاصمتها اللاذقيّة. وكانت عضواً في فدراليّة شكّلت دولة سوريا، مع دولتي حلب ودمشق؛ ثمّ فصلت عنها في 1925. ثمّ أسميت في العام 1930 محافظة العلويين. إن كان بعض الوجهاء ومشايخ القبائل قد رحّبوا بالمبادرة الفرنسية، إلاّ أنّ أحدهم، وهو صالح العلي (1884-1950)، قد قاومهم بالسلاح منذ كانون الأول/ديسمبر 1918، متحالفاً مع قادةٍ آخرين لخوض معركةٍ في الجبل قبل أن يتعرّض للهزيمة في العام 1921. كان في الواقع الثائر الأول في كافّة أنحاء سوريا، وتمّ الاعتراف به منذ العام 1946 من قبل الحكومة المستقلّة الأولى، على أنّه بطل وطنيّ. كما تميّزت شخصيّة أخرى: هي شخصية سلمان المرشد، وهو راعٍ ادّعى صنع المعجزات، وأعلن بأنّه نبيّ، وحتّى بأنّه الله، لكنّه جمع 40 ألف مناصر، ورفع الضرائب، وانتخب نائباً في البرلمان السوريّ في 1937، لكنّه أعدم شنقاً من قبل سوريا المستقّلة عام 1946 بتهمة الخيانة العظمى. وبعد وفاته شكّل اتباعه فرقة مغلقة [12]. وبما أن المرشد كان مؤيّداً لاستقلال العلويين، جعلت منه السلطات الفرنسية حليفاً لها. في بداية ثلاثينات القرن الماضي، انقسم الوجهاء العلويون إلى معسكرين: من جهة، أولئك الذين كانوا يريدون المحافظة على استقلالية الطائفة - وبالطبع أيضاً استمراريّة السلطة التي كانوا يمارسونها ضمنها - والبقاء منفصلين عن سوريا؛ ومن جهة أخرى، أولئك الذين كانوا مصطفّين لجهة سنّة المدن، وكانوا في غالبيتهم شباباً متعلّمين، يجاهرون بانتمائهم إلى سوريا موحّدة [13]. وقد شكّل انتماء العلويين إلى الإسلام موضوعاً محورياً خلال النقاشات التي سبقت التوقيع على المعاهدة الفرنسية-السورية، في العام 1936. هكذا انقسم العلماء الدينيّون العلويون أنفسهم ما بين مؤيّدٍ لاستقلالية طائفتهم، ومؤيد للوحدة. وقد أعلن هؤلاء، مجتمعين وراء شخصيّة سليمان الأحمد (1866-1942)، عن انتمائهم للإسلام، وطبّقوا الفقه الجعفري [14] في المحاكم التي أسّسها الفرنسيّون. كما نشروا في العام 1936 نصّاً يؤكّدون فيه على هويتّهم العربية الإسلاميّة، ومن ثمّ التمسوا دعم مفتي القدس، أمين الحسيني، حول هذا الموضوع. فأصدر هذا الأخير فتوى، هي الأولى من نوعها التي تعترف فيها هيئة دينية إسلامية بأنّ العلويين هم جزء من "الأمّة". وفي عام 1939، تمّ ضمّ دولة العلويين ودولة الدروز إلى سوريا. عند جلاء الفرنسيين عن سوريا عام 1946، كان العلويون يمثّلون 11 في المئة من السكّان، وكان 80 في المئة منهم يسكنون في الجبل. لكنّهم في ظلّ الانتداب، بدؤوا يتمركزون في البلدات والمدن الساحلية. ثمّ استمّرت هذه الحركة، وبغية الهروب من الفقر، تموضعوا بشكلٍ خاص في حمص ودمشق، حيث مارسوا مهناً صغيرة. أمّا الجيش فقد شكّل منفذاً آخر لهم: فالعلويّون كانوا ممثّلين بشكلٍ مفرِط في "جيش المشرق" الفرنسي، وانضمّوا على غرار سواهم من الدروز والإسماعيليين، إلى الكليّة الحربيّة في نهاية الأربعينات. وهم سيشكّلون في ما بعد قاعدة تجنيد لحزب البعث. وفي موازاة ذلك، استمرّ العلويّون بالعمل على الاعتراف بهم كمسلمين وعلى اندماجهم في المجتمع السوريّ. هكذا بدعمٍ من مرجعيّات الشيعة الإثني عشريّة المقيمة في العراق، أقام العلويون مؤسّسات دينية، وبنوا المساجد، ونشروا كتباً حول عقائدهم، وحظي علماؤهم في العام 1952 على الاعتراف بأنّهم جعفريّون من قبل مفتي سوريا [15]. وسيتعزّز مسار التقارب مع الشيعة في عهد حافظ الأسد، والد الرئيس الحالي: انطلاقاً من إعلان الإمام موسى الصدر في العام 1973 بأنّهم مسلمين، وافتتاح "حوزات" دينية شيعية في السيّدة زينب في ضاحية دمشق، حتّى انتشار الإشاعات في بداية الألفيّة الثالثة حول "تشييع" البلاد، على خلفيّة التحالف مع حزب الله اللبناني وإيران. بعد الانقلاب العسكري في العام 1963، حاز العلويون على مزايا لشغل مناصب رئيسية في الجيش مقابل دعمٍ غير محدود للنظام. وقد استمرّ حافظ الأسد الذي استولى على السلطة عام 1970 في هذه السياسات، من خلال نشره الضمنيّ للرسالة التالية للعلويين: "أنت مع الأسد، إذاً أنت مع نفسك" [16]. الأمر الذي بقي قائماً حتّى اليوم، ما يصدح كوعدٍ وتهديدٍ في آنٍ معاً. إلاّ أنه يجدر الكلام بدقّة أكبر عن موضوع ارتقاء العلويين في الجيش والبعث، وعن استيلائهم على الدولة والعاصمة من خلال تسرّبهم إلى داخل المؤسسات ومصادرتهم لمواردها، ووضع بعض النسبيّة في الحسبان [17]. إذ بغية التوصّل إلى هذه القدرة من التحكّم بالمجتمع وتطويقه، اعتمد الأسد الأب على استراتيجيات زبائنيّة وإقليمية أخرى، وعلى قوى وطوائف أخرى: الطائفة التي تشكل الأكثريّة أولاً، السنّة (خصوصاً في الجيش، ومن ثمّ في الاقتصاد) وكذلك الأقليات الأخرى. ووفق تعاقب فترات الأزمات أو الهدوء النسبيّ، كان النظام يتأرجح بين الانطواء على قاعدةٍ علويّة (وخاصّة على الجهاز الأمني حيث يتواجدون بأعدادٍ كبيرة جداً)، وبين الانفتاح على الاخرين. ثمّ نظّم السيد بشّار الأسد هذه السياسة على منواله، ضمن إطار النيوليبرالية التي أرساها، والتي اتّخذت منحى الاتّجارية والنهب. كذلك لم يتمتّع جميع العلوييين بحظوة النظام. فإن كانت أرض نشأتهم قد استفادت من تحديثٍ خطّط له بعناية بهدف تأسيس قاعدةٍ محتملة للانكفاء، إلاّ أن عائلة الأسد والمقرّبين منها فقط قد استفادوا من سخاء الدولة. كما قضى الرئيس على التنظيم القبليّ وتأثير رجال الدين، وأقصى العائلات الكبرى التقليديّة، وقمع المعارضين من الطائفة بشكلٍ قاس. أما الارتقاء الاجتماعيّ للموظّفين الصغار والعسكريين فكان نسبيّاً جدّاً، إذ عانوا، على غرار سواهم من السوريين، من الصعوبات الاقتصادية. يطالعنا المجتمع العلوي اليوم بتحوّلات عميقة. إذ أضحى متنوّعاً، في تركيبته الاجتماعيّة وفي علاقته مع السلطة، وتقسّم بين مسقط رأسه وبين المدن المختلفة حيث تجذّر بأشكالٍ متنوّعة في الحياة المحليّة، حسب الأوضاع القائمة وتاريخ وصول العائلات (قبل أو بعد 1970). هكذا انخرط العلويوّن في بعض الأحيان في الحياة الحضريّة واعتمدوا ممارسات إسلاميّة سنيّة تقليديّة، في حين عملوا في أحيانٍ أخرى على إضفاء طابعاً "ريفيّاً" على مدن سكنهم الجديدة، حسب تعبير باحث سوريّ، وحافظوا على معتقداتهم الباطنيّة، ليبقى التشيّع الوجه الظاهر لها. ويعتقد الباحث أنّ كثيراً من العلويين الذين التحقوا بالثورة قد عزلوا نفسهم عن طائفتهم التي تقوقعت على ذاتها لشدّ تخوّفها من الثأر والانتقام، وأنّ لا أحد قادر على منحهم حلاًّ بديلاً ذي مصداقية، اقتصادياً كان أو سياسياً. يتمحّص المراقبون في "الانشقاقات" المحتملة ضمن "الطائفة"، خاصّة وأن هنالك القليل جداً من المعطيات الموثوق بها حولها. ويجب التذكير أنّه في ظلّ حكم عائلة الأسد، لطالما كان هذا الموضوع محرّماً: إذ لم يكن أحد يجرؤ على التحدّث عن العلويين في العلن (حتّى أنّه أطلق عليهم تسمية "الألمان،" لتناغم التعبيرين) كما أضحى "جبل العلويين" هو "الساحل".
* مكلّفة بالأبحاث في مركز الدراسات المتداخلة الاختصاصات للظواهر الدينية (CEIFR) في المركز الوطني للأبحاث العلمية (CNRS)؛ من أهمّ مؤلفاتها: Histoire de l’islam. Fondements et doctrines, Flammarion, Paris, 2010.
[1] يقول الباحث برونو باولي أنّ: "الطريقة التي ولج منها أوائل الرحّالة والموظفين الأوروبيين للشرق الأدنى إلى الخصوصيّة النصيريّة، منذ نيبوهر وفولناي، قبيل الثورة (الفرنسيّة) حتّى إرنيست رونان، في منتصف القرن التاسع عشر، لا تهمّنا لما تحتويه من حقائق حول الطائفة النصيريّة، لأنّها كانت شحيحة، بل لما نقله هؤلاء من أكاذيب وتفاهات توضح المشاعر التي كانت تختلج من أعطوهم إيّاها، والنظرة إلى "الآخر" التي كانت تعتري الشرقيّ، والمسيحيّ، والمسلم (السنيّ)، والدرزي، أو غيرهم، حول النصيريين: صورة تشكّلت من معتقدات لا أساس لها، ومن مخيّلة ذات دلالات جنسيّة ما زالت تتشاركها حتّى اليوم طبقات واسعة من سكّان المنطقة". ومن بين هذه اعتقاد غير العلويين أنّ العلويين غير مسلمين". « L’Alaouite de Syrie vu par l’Autre : Itinéraires de l’ignorance », D’un Orient à l’Autre, Actes des Troisièmes Journées de l’Orient, 2-4/10/2002, pp. 267-285. [2] القزلباش، أو الطواقي الحمر بالتركية، هم أتباع مذهب قريب جدّاً من النصيريّة ناطقون بالتركيّة، يتخطّى عددهم الـ20 مليوناً حالياً. تمّ تنظيم مذهبهم في أواخر الحقبة السلجوقيّة وأوائل الحقبة العثمانيّة على شاكلة الطرق الصوفيّة، على يد الحاج بكداش، ومن هنا تسميتهم الأخرى: الحاجيبكتاشيّة. [3] منذ أن بزغت حماسة الغربيين الاستشراقيّة، حتّى الجهد التحضيريّ للحملات الاستعماريّة في القرن التاسع عشر مع ترهّل الإمبراطوريّة العثمانيّة، ظهر اهتمامٌ فائق من قبل الدول الأوروبيّة تجاه ما سمي الأقليّات الدينيّة والمذهبيّة والقوميّة في المشرق العربي، التي دعيت "شعوباً". سمي هذا في حينه "المسألة الشرقيّة La Question d’Orient" خاصّة من قبل الفرنسيين، الذين كانت لهم طموحات واضحة في وراثة العثمانيين في بلاد الشام، والذين تدخلّوا عسكريّاً في 1861 بحجّة حماية المسيحيين، حتّى أضحى النشيد الوطني الفرنسيّ خلال الإمبراطوريّة الثانية (1852-1870) حينها هو "أنا ذهاب إلى سوريا" بدل المارسييز. آخر تجليّات ذلك هو إبراز وزير الخارجيّة الفرنسي مؤخّراً في مجلس الأمن وثيقة وقّعها جدّ بشاّر الأسد، مطالباً الاستقلال عن سوريا؛ في حين أنّه من المعلوم أنّ كثير من وجهاء سوريا من جميع الطوائف في ظلّ الانتداب تأرجحوا بين مواقف مؤيّدة للانتداب والانفصال وبين الخطّ الوطنيّ. [4] Sabrina Mervin, « L’“entité alaouite”, une création française », dans Pierre-Jean Luizard (sous la direction de), Le Choc colonial et l’islam, La Découverte, Paris, 2006, p. 343-358. [5] تعبير "الباب" في الفلسفة الدينيّة المنتشرة حينها يشير إلى الشخص الذي يمكن عبره الولوج إلى تفسير تعاليم الإمام. كما تجدر الإشارة إلى أنّ هناك خلاف حول هويّة المؤسّس النظريّ للمذهب: أهو حمدان الخصيبي، الشاعر الذي عاش في كنف الدولة الحمدانيّة (الشيعيّة 905-1004) في حلب (ويعرف مرقده في حلب بالشيخ براق)، وعاصر إذاً المتنبّي وأبو فراس، وأهدى مؤلّفاته "كتاب الهداية الكبرى" إلى سيف الدولة؛ أم هو سعيد بن ميمون الطبراني، الذي عاش في اللاذقيّة، وصاحب كتاب "مجموع الأعياد"، الذي أسّس لاستمراريّة الطائفة عبر احتفاء المشيخات الدينيّة والدنيويّة بالأعياد الإسلاميّة السنيّة والشيعيّة والمسيحيّة والصابئيّة (نوروز ومهرجان) على السواء؟ [6] مصطلح دينيّ يعني إخفاء معتقد خشية الضرر المادي والمعنويّ؛ وفي القرآن: "لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ" (سورة آل عمران). [7] عاش شيخ الإسلام ابن تيميّة، الذي يعتبر مؤسّس الفكر الوهّابي والإسلام السياسيّ وداعية للجهاد انطلاقاً من تفسيره للمذهب الحنبليّ، في زمن الحروب بين المماليك والمغول، وأنكر على كثير من المذاهب الإسلاميّة انتماءهم للإسلام كما المغول الذين اعتنقوه حينها. [8] كانت هذه العادات راسخة منذ عصور طويلة، كأنّ يسبّ السنّة "أبو الحسن" (أي علي بن أبي طالب)، والشيعة أوّل ثلاثة خلفاء راشدين (للرسول). [9] هذه المنطقة التي تنازلت عنها فرنسا لتركيا في العام 1939، معروفة اليوم بمقاطعة هاتاي، وهي تشهد نزاعات بين سكّانها العلويين واللاجئين السوريين. [10] امتدّ النصيريّون في أصقاع بلاد الشام، حتّى الجليل، حيث واجهوا انتشار المذهب الدرزيّ بعد سقوط الدولة الفاطميّة (1021) في مصر (راجع رسالة حمزة مؤسّس المذهب الدرزيّ: "الرسالة الدامغة للردّ على الفاسق النصيريّ"). وفي حين ما زالت بعض القرى تدين بمذهبهم في الجليل ووادي التيم (سفوح الجولان)، أشهرها الغجر (الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيليّ منذ 1967 والتي امتدّت بيوتها إلى داخل الأراضي اللبنانيّة)، ثمّ تراجع تواجدهم خلال فترة حكم المماليك من جبال الشوف وكسروان والمتن لينكفئ على الجبال المدعوّة بالأنصاريّة؛ إلاّ أنّ آثار هذا التواجد ما زالت باقية، كأسماء عائلات مارونيّة كالقرداحيّ، نسبة إلى القرداحة. [11] يشكّل الإثني عشريّة أو الإماميّون الفرع الأهمّ للإسلام الشيعي. لكنّهم يشكّلون أقليّة صغيرة جداً في سوريا (من 1 إلى 2 في المئة)، يقيمون في دمشق، وفي قرى مجاورة لحلب وفي حوران. [12] هناك كثير من الخرافات المتداولة حول شخصيّة سلمان المرشد والحركة التي أطلقها؛ من بينها أنّه كان أميّاً وغير وطنيّ. وقد وثّق جمال باروت (شعاع قبل الفجر، مذكّرات أحمد نهاد السياف، دمشق، 2005) أنّه كان صاحب دعوة إصلاحيّة ضمن المذهب العلويّ تطوّرت تباعاً إلى مذهب جديد، كما أنّه أطلق حركة تمرّد فلاّحي ضدّ الإقطاعيين السنّة والعلويين على السواء، ممّا جلب له الكثير من العداوات؛ ونفاه الفرنسيّون إلى الرقّة مشياً على الأقدام، ثمّ وضعوه في الإقامة الجبريّة لمدّة ستّ سنوات، كما نجح في البرلمان السوري الأوّل لأنّه قاد القائمة الوطنيّة ضدّ القائمة الانفصالية بصدارة علي الكنج، رئيس عشيرة الحدّادين. اعتقل، كشرطٍ وضعه اقطاعيو اللاذقيّة للانضمام إلى الدولة السوريّة، وحوكم بثلاث تهم: ادّعاء الربوبيّة والخيانة وقتل زوجته، بعد تعرّضها للاغتصاب من قبل ثلّة الدرك التي جاءت لتوقيفه خدعة. تمّت تبرئته من أوّل تهمتين، وأعدم بتهمة قتل زوجته!. بعد تعرّضهم للاضطهاد، حظي أنصار المرشديّة بحظوة في عهد الأسد، لكنّهم غير متواجدين كثيراً في سلك الدولة. وهم يحافظون على موقفٍ محايدٍ في الصراع الحالي. [13] Ignace Leverrier, « L’Etat alaouite en Syrie, une remontée de l’histoire », Un œil sur la Syrie, 27/7/2012, http://syrie.blog.lemonde.fr [14] بعد تسميته كبير قضاة لدولة العلويين، تخلّى سليمان الأحمد عن هذه الوظيفة، ووقّع خطاب استقالته: "القاضي الأكبر للمسلمين العلويين". [15] Sabrina Mervin, « Quelques jalons pour une histoire du rapprochement (taqrîb) des alaouites vers le chiisme », Islamstudien ohne Ende, Festschrift für Werner Ende, ed. Rainer Brunner, et alii, Deutsche Morgenländische Gesellschaft, Ergon Verlag Würzburg, 2002, p. 281-288. [16] Michel Seurat, « Les populations, l’Etat et la société », dans La Syrie d’aujourd’hui, dir. Andre Raymond, Editions du CNRS, Paris, 1980. Michel Seurat, L’Etat de Barbarie, Presses universitaires de France, coll. « Proche-Orient », Paris, 2012. [17] Philippe Droz-Vincent, Moyen-Orient : pouvoirs autoritaires, sociétés bloquées, Presses universitaires
طلبت المؤلّفة من النشرة العربيّة الالتزام بالنصّ الأصلي لمقالها بدل تلك المنشورة في النسخة الفرنسيّة. وأضيفت معظم الهوامش من قبل النشرة العربيّة. الصورة: الشيخ صالح العلي، مع مجموعة من صانعي استقلال سوريا، بينهم الزعيم ابراهيم هنانو، وسعد الله الجابري، وشكري القوتلي، في اجتماع في دفنة في لواء الاسكندرون في 1918. الأرشيف العائليّ، سمير العيطة.
|