
الافتتاحية > كانون الأول/ديسمبر > 2006سمير العيطةمفترق طرق
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، بدا العالم وكأنّه قد استسلم للقوّة العظمى الوحيدة الباقية تفرض هيمنتها أينما كان وكيفما شاءت. وبدا نموذجها الاقتصادي والاجتماعي يفرض أيضاً نفسه على كل البلدان دون منازعٍ أو موازٍ، ولا حتّى حلمٍ بأفقٍ آخر. وإذ استكان الجميع على مستوى التاريخ أنّ الحقبة القادمة ستكون أمريكية إلى أمدٍ طويل، فإنّ التاريخ له مفارقاته. خصوصاً وأنّه تولّى شؤون القوّة المهيمنة قادةٌ مهووسون، أغراهم الانتصار، فجعلوا من عقائدهم منطلقاً للنظر إلى الواقع. إيديولوجيون كأنّهم تخرّجوا من مدارس الإعداد القديمة السوفياتية أو البعثية. لا يميّزون بين مصالح من أتى بهم وبين دورهم لإدارة الشأن العام، وخلقوا لنفسهم مهمّةً إلهيّة لحربٍ ضد "كفّارٍ" و"فاشيين" و"إرهابيين"، وأسّسوا لصراعٍ بين "حضارتهم" المزعومة، التي زرعوا فيها الخوف وبين الحضارات الأخرى، في نبوءةٍ تحقّق ذاتها عبر أعمالهم. ومع كلّ مراكز الأبحاث وأجهزة المخابرات الخبيثة التفكير، بنوا خياراتهم على "الوحي" قبل "الرؤية". كانت ذروة المأساة حينما دفعوا جيوشاً جرّارة لغزو عراقٍ أنهكه الحصار، بحثاّ عن أسلحة دمارٍ شامل أوهموا العالم بوجودها، ووقعوا في فخٍّ ضخمٍ حفروه بأيديهم. نسوا أو تناسوا أن العالم متعدّد الوجوه. فعندما أزالوا دولة العراق وقوّتها الإقليمية، قاموا في الحقيقة بتقوية منافسيها: إيران وسوريا، المصنّفتين عدوّتان لهم. وكان يكفي هاتين الدولتين أن تنتظرا غرق الجيوش الجرّارة بتقاناتها العالية في رمال العراق المتحرّكة. وهذا ما حصل. وعندما حطّموا الدولة في العراق، بحجّة نشر "الديمقراطيّة"، لم يحصدوا سوى الحرب الطائفيّة التي تستعر اليوم، تهدّد مصالحهم ... وفي نفس السياق وجودنا. لقد أدرك آخرون أنّ القوّة العظمى تحتوي في ديناميّتها وهناً. فتتالت التحديات. فها هي كوريا الشمالية تفجّر فعلياً قنبلتها النوويّة الأولى، ولا يثار إلاّ الصخب في مجلس الأمن. والصين التي بدأت تستفيق سياسياً، كما روسيا، توقّعان خُبثاً على العقوبات الدوليّة دون أن تطبّقها. وها هي إيران تواصل، ربّما بحق، بناء استقلالها النوويّ، مهما علا الصخب، فماذا باستطاعتهم فعله؟ جيوشهم في الحقيقة رهينةٌ في العراق، كما مصالحهم في المنطقة. وهم يعرفون أنّهم أقلّ تحمّلاً للخسائر من أيٍّ كان. قامت الإدارة الأمريكية بفتح جبهةٍ جديدة في لبنان، بعد أن كانت قد حصلت على مكسبٍ أوليّ مع انسحاب القوّات السورية. وهكذا دفعت القيادة السياسية والعسكريّة الإسرائيلية إلى مغامرةٍ ضدّ حزب الله، كان من الواضح أنّ الإسرائيليين كانوا (وبقوا حتّى النهاية) متردّدين في خوضها. وكل ما حصل هو تدميرٌ دون مكسبٍ سياسيّ جديد. إذ أن من يكسب سياسياً اليوم هو الذي يصمُد، ويجعل القوّة المتغطرسة تفشل في تحقيق هدفها على الأرض ولو حتّى احتلال بضعة كيلومترات. فها هم بغطرستهم قد جعلوا من يسمّونهم أعداءهم أكثر قوّةً. وها قد عاد الحديث عن "الواقعية السياسيّة" وعن "التعامل" engagement وعن "الصفقات" مع الأعداء والمنافسين (الصغار أمام حجمهم). ولكن أزمتهم كبيرة في العراق، كما الحفرة التي أوقعوا أنفسهم (ونحن معهم) فيها، لدرجة أنّ الخيارات الأخرى أضحت في منتهى الصعوبة. إذ حتّى الجمهوريّون الأكثر واقعيّةً ولَعِباً لا يجرؤون على تقديم طروحاتٍ جديدة للخروج من المأزق. وليس من الواضح، ما يستطيع أن يقدّم لهم "أعداؤهم"، وما يستطيعون هم في المقابل منحه إلى هؤلاء. العالم إذاً على مفترق طريق. في مواجهة الفشل الحالي، يستطيعون حتماً الهروب إلى الأمام والتصعيد. فـ"الوحي" ما زال يراودهم بضربةٍ عسكريةٍ استقصائية لإيران وبرنامجها النووي، مباشرةً أو بالتعاون مع الإسرائيليين. ولكنّ نتائج هذا التصعيد قد تكون وخيمةً أكثر مما جرى في العراق. وهل ستقف الصين وروسيا مكتوفتا الأيدي، في هذه الحالة كما عند غزو العراق، بعد أن شعرتا أن لعبتهما في ملف كوريا الشمالية قد عظّمت من قوّتهما ومن حاجة الولايات المتحدة لهما معاً؟ الحلّ الآخر هو السير في مسيرة "التعامل" مع "أعدائهم" في "محور الشر" كي يؤمّنوا انسحاباً مشرّفاً من العراق، لإخراج جيوشهم التي تستنفذ الأموال والمعنويّات والمصداقية الدولية. ولكن في ذلك خسارةً معنويةً كبيرة لهم، بل خسارات أكبر لحلفائهم في المنطقة. وعليهم بموجب هذا "التعامل" منح مقابلٍ من مكاسبٍ وتغطيات سياسية. هذا هو أوّل مفترق طرقٍ حقيقيّ أمام القوّة العظمى الأحادية الجانب. لماذا؟ لأنّ في الحالتين اعترافٌ بضعفهـا. الأنكى من ذلك، أنّ الإدارة الأمريكية لن تستطيع الانتظار طويلاً قبل تحديد خياراتها، فالأوضاع تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. فحتّى على مستوى الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، كم من الوقت تستطيع القيادة الإسرائيلية الاستمرار في التنكيل بالفلسطينيين على نحوٍ دموي وبهذه العجرفة الصلفة؟ كلّ هذا لأنّ كل من يدّعي نزول "الوحي" عليه، ليس بالضرورة أخلاقيّ بالمعنى الإنساني. فالأحرى بمن يريد نشر الديمقراطية أن يساعد على تأسيسها عند حلفائه، قبل أعدائه. والأحرى بمن يريد أن يظهر كقوة "خيرٍ" عظمى، أن يعمل على حلّ المشاكل المتعصية منذ زمن، والتي هي أصل مشاكل الهويّة في بلادنا، ألا وهو حق الفلسطينيين. ماذا سيفعل إذاً المارد المتعثّر؟ انطلاقاً من أنّه لم يثبت بمعجزة أن "الوحي" حقيقي، ولا بابتسامة الأطفال البائسين أنّه "الخير". ومن أنّ السياسة في بلاده قد فقدت عقلانيتها. ومن أنّ كل الأطراف في الساحة لهم ألاعيبهم. المتشائمون ينتظرون أن يشعل ناراً جديدة تأخذ الأنظار عنه، ربّما على شاكلة حربٍ أهليّة في مكانٍ آخر، ربّما في لبنان. أمّا المتفائلون، فلم أعد أتذكّر ما يقولونه، سوى أنّه إذا دافع الإنسان بصلابة عن حقوقه وإذا كانت حقوقه أخلاقيّة وإنسانيّة ... فلا قوّة تقدر أن تهزمه.
* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com
|