
مراجعة كتب وسينماوموسيقا > كانون الأول/ديسمبر > 2006سمير العيطةإعادة إعمار لبنان
جاء الدمار الكبير الذي أحدثته عمليّات القصف الإسرائيلي في لبنان، ليزيد من تدهور الاقتصاد اللبناني البالغ الهشاشة، والذي كان يتطلّع، منذ قبل الحرب، إلى مؤتمرٍ دوليّ للمانحين. يتساءل شربل نحاس في كتابه الذي صدر قبل حرب تموز/يوليو-آب/أغسطس 2006 [1]، قائلاً : "ألا يُخشى أن تتحوّل المساعدة الماليّة إلى مجرّد ذريعة إضافيّة في الابتزاز الداخليّ المزدوج : داخليّ -خارجيّ وداخليّ-داخليّ؟". وقد سبق لهذا الخبير الاقتصادي اللبناني، أن عمل على بلورة برنامجاً للإصلاح الاقتصادي [2]، في فترةٍ انتقالية بين حكومتيْن للرئيس الحريري. ومنذ اتفاق الطائف، كانت عملية إعادة إعمار البلد، قد ترافقت مع تزايد للدين العام، إلى أن بلغ ضعفي الناتج المحلّي الإجماليّ. ومن أجل تفادي الأزمة الماليّة، وقع على عاتق القطاع المصرفيّ اجتذاب المزيد من الودائع الماليّة. لا يقارب الكتاب السياسات الاقتصادية فحسب، بل يتناول خاصةً الاقتصاد السياسي. إذ يفكّك منطق العلاقة بين الخطاب والممارسة لدى الأطراف الفاعلين من جهة، وبين التطوّرات الاجتماعية الاقتصادية من جهة أخرى، وصولاً إلى برنامجٍ للإصلاحات، حيث المطلوب "ترميم الوظائف الاقتصادية للدولة" من خلال "إعادة الاعتبار لشرعيّة هذه الدولة وفاعليّتها"، إضافةً إلى "علمنتها وتوضيح مراميها وتوسيع نطاق عملها الاجتماعي". وبالتالي، فإن المطلوب ليس إعادة هيكلة الدين العام والخصخصة فقط، إذ يلاحظ نحّاس: "ما يُزمع خصخصته في لبنان، هو على وجه الخصوص الحصيلة الضرائبية، وعائدات الامتيازات الحصريّة" في "دولة تبلغ نسبة الخصخصة فيها مرتبةً عاليةً، في الوقت الذي هي فيه محض تحصيل حاصل في خدمة سلطات ما دون الدولة، من طائفيّة وحزبيّة وإحسانيّة". "المطلوب في لبنان هو "دولة أكثر" لا "دولة أقل". وقد أكدّت الحرب الأخيرة هذه خلاصة. والسؤال : ما هي الحلول الممكنة في بلدٍ لا يعمل إلاّ بالتوافق؟. فإذا كان يجب استمرار النظام القائم مثلما هو عليه، أنحتاج إذن إلى حَكَمٍ مفروضٍ-مقبولٍ (وقد كان دور سوريا السابق)، وإلى إعادة ضخّ الأرباح والمداخيل في الاقتصاد تسهيلاً للتسوية؟. يقوم التغيير على فرض نظامٍ مؤسّساتيٍّ جديدٍ، يفكّك قبضة المجموعات السياسيّة ذات القاعدة والجمهور الطائفيّيْن، ويتم ذلك، بصورة أساسية من خلال قانونٍ انتخابيٍّ جديد. فـ"ثورة الأرز" التي انطلقت بعد اغتيال رفيق الحريري كانت من هذه الناحية فرصةً ضائعة. وما هو إذاً دور المجتمع الدولي (لا سيّما فرنسا) في عمليّة الإنقاذ المالي، والآن في القوّات التابعة للأمم المتحدة؟. إذ قد تؤدّي تعقيدات السياسة اللبنانيّة، والتي تؤكّدها الأزمة الحكومية الحالية، واغتيال الوزير بيار الجميّل، وحجم الأخطار الماليّة، تؤدي كلّها بهذه الدول، إلى التورّط الكامل لا بل إلى الإدارة المباشرة، ممّا يعني التمديد الواقعي للنظام القائم باعتباره أهون الشرور.
* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com
[1] شربل نحّاس: "برنامج اقتصاديّ اجتماعيّ من أجل لبنان"، المركز اللبناني للدراسات والصندوق الألماني Konrad Adenauer, بيروت آيار/مايو-كانون الأول/ديسمبر 2005. [2] شربل نحّاس: حظوظ اجتناب الأزمة وشروط تخطيها، سيرة تجربة في الإصلاح"، مقدمة لوثيقة "برنامج العمل للتصحيح المالي، حزيران 1999"، دار النهار 2003
|