
مراجعة كتب وسينماوموسيقا > كانون الأول/ديسمبر > 2006جوزيف الغازيالخوف من العرب
منذ زمنٍ طويل، والعربي يثير الذعر في المؤسّسة الحاكمة في إسرائيل. وسواء أكان هذا الخوف حقيقياً أم مصطنعاً، فإنه ما انفكّ أن يكون المسلّمة والحقيقة الأوليتيّن، والقوّة المحرّكة لسياسة دولة إسرائيل الرسمية. يطال الخوف كذلك، عرب الدول المجاورة، ومواطني إسرائيل من العرب أنفسهم. يؤكّد هذا الخوف كتابان صادران حديثاّ عن مؤلّفَيْن من اليهود الإسرائيليّين. فقد كانت إحدى نتائج حرب 1984 تهجير 800 ألف فلسطيني. وما أحبط الدولة اليهودية الجديدة، هو واقع أن 160 ألف فلسطيني تمكّنوا من البقاء على أرضهم، وكانوا يمثّلون وقتها 15% من السكان، أمّا اليوم فتصل نسبتهم إلى 20%. وعلى الرغم من أن السلطات الإسرائيلية اضطرّت لمنحهم الجنسيّة، فإنها ما تزال تعتبرهم طابوراً خامساً، وتفرض عليهم تالياً الحكم العسكري (1948-1966)، وكذلك قوانين طوارئ استباحيّة (1945) ورثتْها دولة إسرائيل عن الانتداب البريطاني. ينهل مؤلّف كتاب "العرب الأخيار" [1] من الوثائق الوفيرة- والتي كانت سرّية إلى الآن لدى المخابرات العامة (الشاباك) وغيرها من أجهزة رئاسة الوزراء والشرطة- ليكشف لقرّائه عن الوسائل التي استخدمتها الدولة لتفرض على هؤلاء "الأعداء المُحتَملين" سياسةً قمعيّة، وتمييزاً قوميّاً، ومصادرة منهجيّة للأراضي، ولجماً لأيّ مقاومة. الكاتب هيلال كوهين، صحافي سابق، وباحثٌ في الجامعة العبريّة في القدس، وهو يُظهِرُ للعيان الشبكة المعقّدة من العملاء والمحرّضين والمتعاونين والوشاة التي نسجتْها أجهزة الأمن. ويُظهِرُ كيف تمّ اللّجوء إلى سياسة العصا والجزرة معاً : فالجزرة (وظائف متميّزة، منافع مباشرة، رخص حمل السلاح...) والعصا (إقامة جبريّة، توقيف إداري، إبعاد، فصل من الوظيفة، إذلال...). ذلك لأن الدولة عملت وفق مبدأ "فرّقْ تسدْ"، من أجل إجبار المواطنين العرب على إظهار ولائهم لها، وعلى أنّهم خائنون لشعبهم، وصولاً للتخلّي عن أيّ رابطٍ فلسطيني أو عربي. فعلى "العربيّ الصالح" أن يسلّم الناشطين والمحرّضين للسلطات، كما عليه أيضاً أن يقترع لصالحها خلال الانتخابات. وتأتي أهمّية كتاب "العرب الأخيار" من استناده على وثائق الشرطة، التي تؤكّد هذه السياسة، والتي يُصنفها البعض تخفيفاً بأنّها "وسخة وصلفة". أمّا نقاط ضعف الكتاب، فتتجلى في عدم قيامه بالمواجهة المنهجيّة بين الوثائق والضحايا، وبعدم إعطائه الكلام للمواطنين العرب، وعلى رأسهم، الشيوعيّون الذين تحدّوا هذه السياسة، وقدّموا التضحيات الكبيرة. منذ خمس سنوات وجدار الباطون، ما يزال يُشيَّد مع أسلاكه الشائكة، وتجهيزاته الكهربائيّة البالغة في التعقيد، بهدف فصل دولة إسرائيل والقدس وكتلة المستوطنات الكبيرة، عن سائر الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1967. وهذا الفصل، المُصنّف أمنياً، ليس في الواقع إلا فصلاً سياسيّاً وتوسّعياً، يعبّر بدوره عن الخوف من العرب كذلك. يروي عالم الآثار والمفتّش السابق للآثار الإسرائيلية، يوناثان مزراحي، في كتابه "أهل الجدار" [2]، تجاربه ولقاءاته وانطباعاته، طوال عاميْن من التفتيش، عندما كان مكلّفاً التأكّد من أنّ تشييد "الجدار" حول القدس لا يلحق الضرر بالمواقع الأثريّة. ونوضح هنا أنّ المقصود هي "القدس الكبرى" كما كوّنتْها إسرائيل بعدما ضمّت المدينة القديمة المحتلّة في حرب الأيام الستّة، والضواحي الفلسطينية حيث أُقيمت المستوطنات. كذلك، سيكتشف القارئ روايات مُؤلمة وعبثيّة غالباً - شبه كافكاويّة - روايات يُوحي بها هذا الجدار للفلسطينيّين الذين ينظرون اليه، كأنشوطة تخنقهم بعد أن جرّدتهم من أراضيهم وأملاكهم وحياتهم. يكتب مزراحي، الشاهد المُزعج للاحتلال: "هذا الجدار من الإسمنت، الذي يبلغ 8 أمتار، يثير الخوف. ويولد وحشةً باردةً إلى درجة يصعب فيها القول بأنها ليست سبب تعاسة السكّان".
* «صحافي في «هاآرتس
[1] Hillel Cohen, Des Bons Arabes, Les services de scurit israliens et les Arabes israliens , en hbreu, Hebrew Publishing House, Tel-Aviv, 2006, 307 pages, 84 shekels. [2] Yonathan Mizrahi, Les Gens du mur, en hbreu, Editions Pardes, Hafa, 2006, 144 pages, 69 shekels.
|