
مراجعة كتب وسينماوموسيقا > كانون الأول/ديسمبر > 2006ألين شامبراسإنسانية الإرهابي
لم يعد أمام سَيْل الإسلام، الشخصية الرئيسة لرواية سليم باشي الأخيرة والمعنونة بـ Tuez-les tous ("أقتلوهم جميعهم")، سوى أربعٍ وعشرين ساعة ليعيشها، قبل تسلّم قيادة طائرة ورميها على "البرجين الأكثر شموخاً في تاريخ البشرية". إنّ أي تشابهٍ مع اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر ليس من قبيل المصادفة. لذا، لا يقترض الراوي من الواقع، سوى النهاية المُريعة، التي ترمز إلى تداعٍ وسقوطٍ معلومٍ سلفاً. ذلك لأن الكاتب الجزائري الشاب، لا يهتمّ بالاعتداء على مركز التجارة العالمي، الذي لا يُؤتي أبداً على ذكره في الكتاب، بل يهتمّ في بوادره، في داخل رجلٍ يخطّط لعملٍ مماثل، وفي إمكانية العيش مع التفكير بمخطّط مماثل. يُدرك باشي، الذي يشعر بمزيجٍ متشابك من "الذهول والقرف وسوء الفهم" إزاء المُقترفين الفعليين للاعتداءات -"رجال من جيلـ(ه)" إذ يعرف "خطورتهم وتصميمهم"-، يستكشف باشي ويجول، داخل الإحتمالات العديدة لـ"الوعي الإرهابي". وينجح بطريقة فنية في خلق شخصيةٍ يدرك الجميع وحشيّتها، لكنها لا تزال كائناً بشرياً، ولها قصّتها الخاصة. وهذا ما قد يولّد في الواقع الانزعاج. في الواقع، وبعيداً من كليشيهات مجانين الله، بل أقرب إلى فكرة المريض النفسي العاجز عن تحمّل وجوده، تبدو شخصية سيل الإسلام جديرةً بالتصديق بشكل فظيع. فها هو يُغرق ضجره، وهو وحيدٌ في غرفة أحد الفنادق، في بورتلاند، بين تناول "الحبوب" و"الشامبانيا"، ثم يقرّر الخروج، ويجد نفسه في نادٍ ليلي حيث ستمضي امرأة شابة قسماً كبيراً من ليلته الأخيرة إلى جانبه. لم تعترض ساعات سيل الإسلام الأخيرة لا الصلاوات ولا أفعال الإيمان. بل فقط بعض التكرارات التي تزداد ضغطاً، والتي تعبّر عن أفكار الإرهابي المُستقبَلي، وهو ينظر إلى ماضيه وقد خدّره الحقد والكراهية. وفي مناجاةٍ للنفس تنسجها التكرارات الضاغطة، يستعيد ذكرياته يوم كان شاباً عربياً منفياً إلى باريس، وقع في غرام فرنسيةٍ ثم طلّقها، وتحوّل إلى رمز الانقسام، مع "غربٍ" يعجز عن فهمه، ويُقنِع نفسه، بعدم قدرته أبداً على تقبّله. وكيف أن الشاب "اليتيم" تتبنّاه "المنظّمة". وهكذا نتصوّر تعلّمه الكره لليهود والمسيحيين، وكيف استبدل عقدة النقص لديه بأنه "متخلّف" بمعاداة الغربيين. ويحوّل هناك كرهه لـ"جيل العاجزين" الذي يمثّله جيل أهله، إلى الشعور بالقوّة الخارقة الذي ينتاب الشخص الذي "انتصر على الإنسان الموجود داخله". إنّه شخصية المجنون الانتحاري الذي أصبح خابلاً، لعجزه عن مغادرة المنزل، والذي انخرط في التطرّف الديني كعدميّةٍ مفاجئة، يلاحقه "عذاب الوجود والعيش والتنفّس"، يكشف سيل الإسلام عن نفسه من دون أن ننسى، ولو لحظة أن الذين ألهموه كانوا موجودين فعلاً. ويولّد هذا الالتباس بين الخيال والواقع إحساساً مُربِكاً، كما لو أن الأدب يكشف هنا عن ذروة قدرته على اختطاف النفوس.
|