فنان عربيّ > كانون الأول/ديسمبر > 2006

خاص النشرة العربية

محمود أبو هشهش

هاني زعرب

في طريقه نحو التجريد

هاني من مواليد مخيّم رفح في غزّة عام 1976 وخرّيج جامعة النجاح في نابلس. شارك في عدّة معارض في فلسطين وأمريكا وإنكلترا واليابان وقطر والأردن والعربية السعودية وسويسرا ولبنان، ثمّ مؤخراً في باريس حيث يقيم.

يواصل هاني زعرب بحثه القلق عن لوحته الخاصة دون أن يركن إلى هدوءٍ ولو قليل، فشعور الرضا لديه هشٌّ ومؤقت. وكل لوحةٍ هي رحمٌ لولادةٍ جديدة، وبالتالي فإن آخر عمل فنّي له لن يكون بعد حين غير إشارة صغيرة في معرض الحديث عن مسيرة تطوره الدائمة والمضطردة، وهكذا يمكن تتبع رحلة هاني الفنية في إهتدائه، شيئاً فشيئاً، إلى ذاته المبدعة شكلاً ومضموناً وأسلوباً.

لعل هاني كان من أوائل الفنانين الشباب الذين بدؤوا رويداً رويداً التخفف من ثقل تأثيرات التجربة الأكاديمية وبقايا الحقبة الرمزية في المسيرة الفنية الفلسطينية، ليدخل في مرحلته التعبيرية سابقاً الكثير من أبناء جيله. ولم تكن هذه المرحلة التي امتدت بضع سنوات، سوى تلك الفسحة الانتقالية التي أتاحت له النزول من سماء الخطاب الجمعي ومفرداته المألوفة إلى المساحة الشخصية والغامضة. وربما من أهم ملامح هذه المرحلة لديه أن الفنان نفسه غدا محور عمله، فكان الباحث وموضوع البحث في الآن ذاته، ولعل ذلك ما جعل الكثير من أعماله تحمل ملامحاً شخصية حادة، قادرة على استيقافنا، ومسنا من الداخل.

مكّنته هذه المرحلة من البحث عن أسلوبه الخاص، وسط تزاحم الكثير من مفردات الآخرين وضرباتهم وألوانهم، ووصلت ذروتها في معالجته لموضوعة الحصار، حينما وجد نفسه (مثل السيف فرداً). وتبدو مفردات اللوحة في هذه المجموعة واضحة وصاخبة تماماً، فجاءت الألوان خالصةً وقويةً وصارخة، مثل الأحمر والأصفر والأزرق، والضربات والخطوط جليّة، لدرجة أن اللوحة تبدو محتشدة بطاقة درامية كبيرة. كما بدا حضور الجسد في اللوحات جلياً متواصلاً - ولعل هذا جاء ليتجاوب مع الصدى النفسي للتمثيلات الفيزيائية للحصار- وإن أخذ هذا الحضور تجلياتٍ مختلفة، ولكن ما كان ثابتاً هو دوام تحول هذا الحضور الذي مر عبر رحلة تقارب الانمساخ بسبب قساوة الظروف ولا إنسانيتها.

ولكن سرعان ما تقود عمليات التحوّل المستمرة- التي هي انعكاسٌ للتحوّلات والنضج في تناول الموضوع- هذا الجسد إلى التلاشي، فتتحرّر اللوحة من مركزيتها الفجة، وتأخذ إحساساً آخر. فنجد أن الألوان أخذت تخبو أكثر، وتنطفئ، لتغدو أكثر عمقاً، ويصبح إيقاعها أشد تعقيداً، ولم تعد تكتسب معانيها من حضورها وقوتها وحدّتها، بل من غيابها وهدوئها وغموضها، وبذلك نرى أن اللوحة تنفتح على التأمل، وتغدو أكثر تقشفاً وتجريداً في التكوين واللون، وبالتالي أكثر اتساعاً، الأمر الذي أخذ يتيح مساحةً أكبر لأنا الفنان المخنوقة، لا لكي تتنفس بهدوء فحسب- بعد أن صرخت كثيراً سابقاً- بل لتتماهى بأناةٍ في فعل الرسم ذاته، وعلى سطح اللوحة، وفي عمقها، فتغدو هي اللوحة بعد أن كانت اللوحة أشبه بسجنٍ لها.

وبذهاب الفنان نحو التجريد، نجده يبدو أكثر قدرةً وحريةً على التعامل مع اللون والتكوين بشكلٍ يحرر اللوحة ذاتها من محدّداتها، ويفتحها على المطلق، فتغدو فضاءً ينفتح على إمكاناتٍ جديدة للتكوين والتأويل، ويجعل الفنان نفسه أكثر تحللاً من إملاءات ما هو خارج اللوحة على داخلها، فتأخذ علاقته باللوحة منحىً أكثر صوفيةً، وتغدو اتصالاً مباشراً من داخلٍ لداخل.


* شاعر وناقد فنيّ يعيش في فلسطين

الرسوم من مشروع "حصار" 2006

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان