
اقتصاد، اجتماع وبيئة > كانون الأول/ديسمبر > 2006لوران كوردونييهالحرب على العاطلين عن العمل! قبل اثني عشر عاماً، جعل السيد جاك شيراك من مكافحة "الشرخ الاجتماعي" هدفاً لدوره في رئاسة الجمهورية. كان على هذا الهدف، أن يتحقق من خلال خفض البطالة، وزيادة الأجور ("وثيقة الأجر ليست عدوّةً التوظيف"). واليوم، ومع افتتاح حملة الانتخابات الرئاسية الفرنسيّة، يستمر مستوى معيشة الفئات الشعبيّة بالتدهور، خاصّةً من جرّاء زيادة تكاليف السكن. وإن كانت البطالة تتراجع، فيعود ذلك إلى التركيبة العمريّة للسكان الذين يحالون إلى التقاعد، وبفضل تعميم التوظيف التدريبي المؤقت، وعقود العمل المتدنيّة الأجور، كما يعود أخيراً إلى الصرامة العقابية في دفع تعويضات البطالة.
استمرّت الضغوطات بالتصاعد على العاطلين عن العمل وعلى "المُستفيدين" من المساعدات الاجتماعيّة بعد انقطاعهم عن العمل لفترةٍ طويلة. وتمتدّ هذه الضغوطات إلى مجمل الدول الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE)، وتُمارَس هذه الضغوطات على كافّة الأصعدة : الخطابات السياسية، مواقف الباحثين والمُعلّقين، عناوين الصحف العريضة والتقارير الرسميّة. من دون أن ننسى الشيء الأساسي : سياسات العمل المطَبّقة، والتي تخصّ المحرومين من العمل بمعاملةٍ مميّزة. هذه الحركة عامّة ومنسّقة... فقد عرضت هذه المنظمة في تقريرها "آفاق العمل المستقبلية 2006"، ومن دون زَيْف، الخطوط الإستراتيجية العريضة لتلك السياسات، والتي تشكّل بحسب قولها "الاقتصاد السياسي لعمليّات الإصلاح" التي تمّ تطبيقها منذ العام 1994 [1]، والتي يتعلّق الجزء الأكبر منها بـ"استراتيجيّات تنشيط العاطلين عن العمل". إنّ منظمة "قصر لا مويات" (على شاكلة اسم بناء المقرّ) التي تودّ "الاهتمام أكثر بكافّة جوانب الحماية الاجتماعية"، تتابع عملها بغير انقطاع، وهو يقضي بأقلمة "عقيدة "رعاية" العمل (Workfare، أي جعل العمل مجدياً ومدفوعاً) على مجمل الدول الأعضاء، والمدعوّةٌ، -تحت غطاء "تسهيل الانتقال من الإعانة إلى النشاط المهني"،- إلى حلّ تشابك المؤسّسات الحامية للأجور، بدءاً بأنظمة تعويضات البطالة. فهنالك إذاً، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، إعادة تأكيد لأساس هذه العقيدة : "بما أنّ العديد من الأشخاص العاطلين عن العمل في سنٍّ يسمح لهم بالعمل، ويستفيدون من التعويضات، فمن الضروريّ ألاّ تشكّل هذه الأخيرة عوائق في وجه إيجاد عمل" [2]. وفي فرنسا وحدها، يكفي أن نطّلع على جردة "الإصلاحات" التي شرع العمل بها منذ حوالي عشرة أعوام، تحت راية رعاية العمل (Workfare)، كي نُصاب بالدوران. فباسم "التشجيع على العمل"، أُعيد توجيه السياسات المالية والاجتماعية باعتماد أسلوب الترغيب والترهيب مع العاطلين عن العمل. فقد تمّ مراراً إصلاح آليّة حثّ المُستفيدين من الحدّ الأدنى للاندماج (RMI) على إيجاد عملٍ جديد، فأُعيد تحديد تدابير المساعدات السكنيّة، وسقوف الإعفاء من ضريبة السكن، ومدّدها. وعزّزت الحكومات المتعاقبة تعويض التوظيف التي تمّ وضعه في العام 2001. وظهر في العام 2004 الحدّ الأدنى للنشاط (RMA)، في حين خسر الحدّ الأدنى للاندماج، -والذي لم تتم إعادة تقييمه منذ زمن طويل،- 25% من قيمته الفعليّة مقارنةً مع الحدّ الأدنى للأجور منذ العام 1990... ضمن الإطار نفسه، تراجع حقّ الحصول على تعويضات البطالة، في العاميْن 2004 و2006، من خلال تمديد الحدّ الأدنى لفترة العمل الضرورية، واللازمة للحصول على تلك الحقوق من جهة. ومن جهة أخرى، من خلال تقليص فترة التعويض. وعلى نهاية السلسلة من الطرف الآخر، تمّ الحدّ بشكل كبير من فترة الحصول على التعويضات الخاصّة بالتضامن (ASS)، والتي كانت تستقبل من أعيد احتساب تأميناتهم ضدّ البطالة [3] والعاطلين عن العمل الذين انتهت فترة استفادتهم من تلك الحقوق. بالتوازي مع ذلك، تمّ تشديد المراقبة والعقوبات المفروضة على "العاطلين الزائفين عن العمل". فمنذ العام 2001، وضمن إطار مشروع العمل المُشَخْصَن (PAP)، أصبح بإمكان صندوق إدارة أحوال العاطلين عن العمل، رفع شكوى أمام المدير الإقليمي للعمل "في حال افترض وجود شكوكٍ حول احترام شروط البحث عن العمل، أو رغبة المُستفيد بمتابعة تدريبٍ ينصّ عليه مشروع العمل المُشَخْصن". وفي الحال التي، -كما هو مُحتَمَل-، لا يكون "الشكّ" لمصلحة المُتَّهم، يمكن للمدير الإقليمي عندها وقف التعويضات، حين "لا يقدّم المَعْنيّ "الأوراق التي تُثبت حقيقةً بحثه عن عمل، وجديّته" [4]. وداعاً لمجانيّة وسائل النقل العام! وعلى المستوى العملي، كان نادراً إلغاء دفع التعويضات بكلّ بساطة، باعتباره أمراً قاسياً جداً. وبغية جعل نظام العقوبات نافذاً أكثر، صدر تعميمٌ في 5 أيلول/سبتمبر 2005 [5]، يحدّد نظاماً للتقليص المُتدرِّج لمجموع التعويضات، ترتفع نسبته (20 بالمائة، وصولاً إلى 50، ثمّ إلى 100%)، في كلّ مرةٍ يرفض فيها العاطلون عن العمل العروض التي تُقدَّم لهم، لكن شرط "أن تكون هذه الأخيرة مُلائمة لاختصاصهم، أو إعدادهم وإمكانيّاتهم على التحرّك، وأن يحصلوا على معدّل راتبٍ يتمّ اعتماده عادةً في المهنة وفي المنطقة". من دون تحديد فترة العمل الأسبوعيّة. وهكذا تمّت غربلة مجمل مؤسّسات فرنسا الاقتصادية والاجتماعية، من خلال سياسات الحثّ على استعادة العمل. وما من أحد يتردّد، وقد حرّكه الزخم، كي يتساءل حول الدور الذي تلعبه بطاقات المطاعم، أو الأسعار الخاصة التي تقدّمها المكتبات البلديّة، في الثناء على عمل. فقد دقّ ناقوس الخطر وآن الأوان لخلق "يقظة". هكذا، اقترح تقرير كامديسوس، الذي طلبه السيّد نيكولا ساركوزي،- في الفترة التي كان فيها وزيراً للاقتصاد والماليّة،- "تحرّكاً تحفيزيّاً وإعلاميّاً في أوساط المجالس المحلّية، لكي تقوم هذه الأخيرة بتعديل الآليّات الحالية، التي تخفّض من الأسعار المحلّية (مطاعم، مكتبات، ...) (...). ففي الواقع، تميل المجالس المحلّية، من خلال التمييز بين الأشخاص غير الناشطين أو العاطلين عن العمل من جهة، وبين الناشطين الذين يتقاضون رواتب منخفضة من جهة ثانية، إلى الحدّ من الأرباح الماليّة لدى استعادة العمل، وإلى توسيع الأوضاع التي تشكّل "فخّاً للبطالة"، والتي تجري محاولات لتقليصها على الصعيد الوطنيّ" [6]. وقد بادر المُقرِّر العام لمركز دراسات المدخولات والتناغم الاجتماعي (CERC) هو أيضاً إلى اصطياد آخر الأفخاخ التي تستميل العاطلين عن العمل: "لا يزال هناك عددٌ من الأفخاخ الأخرى للبطالة غير معروفة جيداً، لأنها مُرتبطة في غالبية الأحيان بمسؤوليّة المجالس المحلّية. منها مثلاً مجّانية النقل العام التي تؤمّنها بعض المجتمعات للذين يتقاضون الحدّ الأدنى للاندماج أو للعاطلين عن العمل. وقد تطرّقت بعض المدن - أفكّر بمدينة رين بشكل خاصّ- إلى هذه المشكلة [7]". لم يبقَ إذاً سوى النظر في التأثيرات المُثنية عن العمل للأرباح الفاحشة، التي يتمّ تجميعها في ألعاب الحَكّ (اليانصيب) من قبل أولئك (العاطلين عن العمل) الذين يملكون الوقت للإدمان عليها...! ما يتمّ القيام به في فرنسا مُستوحى من فلسفة شاملة سخر منها جون ك. غالبرايث قائلاً: " تعمل المساعدات العامّة (...)على نقل مدخولات الناشطين إلى الكسالى وإلى سواهم من الفاشلين، وبالتالي تُثني جهود هؤلاء الناشطين وتشجّع بطالة الكسالى. إذن، وإذا ما عملنا العكس، من خلال أخذ المال من الفقراء وإعطائه للأغنياء، فسنحثّ على الجهد، وبالتالي سنحرّك الاقتصاد ! [8]". تستعيد الإستراتيجيّة الأوروبية للعمل (SEE)، -التي تمّ وضعها في العام 1997، وأُعيد تحديثها في العاميْن 2003 و2005، لكي تتمكّن من الإحاطة بشكلٍ أفضل بأهداف قمّة ليشبونة (2000)- من خلال الخطوط الرئيسة أساس ما تضمّنته رسالة رعاية العمل (Workfare) هذه : يجب "باستمرار تكييف التأثيرات المًشجّعة والرادعة الناتجة عن أنظمة الاقتطاع والخدمات، بما فيها إدارة وشَرْطيّة التقديمات، والحدّ بشكلٍ كبير من معدّلات الضرائب الهامشيّة الفعليّة المرفوعة، خصوصاً بالنسبة للأشخاص ذوي الدخل المحدود، مع تأمين مُستويات ملائمة من الضمانات الاجتماعية" [9]. إنّ أعضاء الاتحاد الأوروبي مدعوّون إلى الإفصاح، في المقابل، عن خططهم الوطنيّة للتحرّك من أجل التوظيف، والتي تتناغم مع تلك التوجيهات. بعد ذلك، يرسل مجلس الاتحاد الأوروبي توصياته. ومن خلال النبرة الغاضبة للمجلس الذي يعتبر أنّه من المفيد "توجيه توصيات أقوى إلى الدول الأعضاء"، يتّضِح أنّ الأمر لم يكتمل بعد. فمن المطلوب إذاً "تشجيع المزيد من الأشخاص على الدخول والبقاء في سوق العمل وتحويل العمل إلى خيارٍ فعليّ للجميع [10]". ولا شكّ إذاً أنّ العمل "كخيار" هو المستقبل. إذا كانت إستراتيجيّة العمل الأوروبية (SEE) تستنكر التأخّر الذي حصل بالنسبة لجدول عمل قمّة ليشبونة، الذي نصّ على مسيرةٍ قسريّة نحو تأمين العمل للجميع قُرابة العام 2010، فإنّ منظّمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) أقلّ تشاؤماً. إذ تراقب منظمة الدول الأكثر "تطوّراً" في العالم، عن كثب أخذ الدول الأعضاء بعين الاعتبار النصائح التي تمنحها إيّاها في ما يتعلّق بسياسات العمل. مع التشديد على إمكانيّة رفع إيجابيّات "السياسات الناشطة لسوق العمل" إلى أقصى حدود، من خلال دمجها بـ"إستراتيجيّة كاملة لتنشيط العاطلين عن العمل"، تُسرّ المنظمة "لاقتراب عددٍ متزايدٍ من الدول المُنتمية إلى المنظّمة نحو نظامٍ من هذا النوع". واستناداً إلى الإصلاحات الهيكليّة التي بدأ العمل بها في مجال تعويض البطالة منذ العام 1994، نشرت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية مُلخّصاً للمبادرات التي تذهب في الوجهة الصحيحة. فإذا كانت الدول الأعضاء قد اتّخذت إجراءات غير منسّقة في ما يتعلّق بقيمة تعويضات البطالة، إلاّ أن التوافق أكثر وضوحاً في ما يخصّ الحدّ من فترات الدفع. فقد بدأت حوالي العشرة دول، منها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبلجيكا والدانمارك أو هولندا ،"عمليّاتٌ إصلاحيّة تتّبع وجهة إستراتيجية العمل التي تعتمدها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية". وفي ما يتعلّق بـ"التشدّد في شروط الأهليّة للعمل"، تبدو الإجراءات المُتَّخَذة من أجل "الحدّ من الإمكانيّة المعروضة على العاطلين عن العمل لرفض أيّ عرض عمل، بسبب عدم التكيّف المهنيّ مع العمل، أو الراتب و/أو أمكنة العمل السابقة"، أفضلُ أيضاً. هنا، ومن بين الثلاثين دولة التي تضمّها المنظمة، لعبت عشرون منها دور التلميذ الشاطر. أمّا البقيّة فقد عوّضت عن تخلّفها عبر التشدّد في معايير القبول في نظام التعويضات، باشتراطها في حالاتٍ معيّنة متابعة المُستفيد لتدريبٍ ما، مقابل حصوله على المساعدات، أو عبر تقليص المُهَل. وكمجموعٍ عام، يمكن لسبع عشرة دولة اليوم الإعلان عن تقلصّ "مصادر الثناء عن العمل". لكن أربع دولٍ تميّزت بوضعها أو بتعزيزها لتأمينها ضدّ البطالة"، هي إيطاليا واليونان وتركيا وكوريا. وهكذا تشكّل توصيات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في ما يتعلّق بتعويض البطالة، إحدى ركائز سياسات رعاية العمل (Workfare)، التي أعلنت المنظمة عن مسلّمتها التي لم تتغيّر منذ عشرة أعوام: "لقد انطلقت توصيات إستراتيجية العمل للعام 1994 من المبدأ الذي يقضي بأنّ منح تعويضات بطالة مرتفعة، خلال فترةٍ طويلة، قد تخلق بلبلة في آليّة سوق العمل". ووفق العقيدة الاقتصادية المُسيطرة، فإنّ سوق العمل، الذي يفترض أن يؤدّي بشكل عفويّ إلى التوظّف الكامل، لا يجب أن يتعرّض لـ"البلبلة". لذّة الكسللكن يمكن، في الفصل المتعلقّ بالبلبلات، "لتعويضات البطالة أن تؤدّي إلى تفاقم البطالة بطريقتيْن". الأولى مُرتبطة بكسل ودلال العاطلين عن العمل : "يمكن للتعويض من خلال تثبيط حماسة العاطلين عن العمل في بحثهم عن عمل، وفي القبول بما يُقدَّم لهم، أن يُطيل فترة البطالة أو حتى أن يحمل بعض المُستفيدين على الانسحاب بكلّ بساطة من الحياة الناشطة". السبب الثاني هو أنّ التعويض يميل إلى رفع سعر العمل. ليس بسبب الكلفة المرتفعة جداً للاشتراكات في التأمين ضدّ البطالة، لكن بسبب اضطرار المًستخدِمين لدفع المزيد، من أجل انتشال الأُجَراء من ملذّات الكسل، عندما يتمّ إلحاق هذه الأخيرة بمدخولٍ بديل: إذ "عبر خفض كلفة احتمال البطالة، قد تؤدّي (تعويضات البطالة) إلى تصعيد مطالب العمال المتعلّقة بالأجور، وبالتالي تقليص طلب الشركات إلى اليد العاملة". إنّ "الجيش الاحتياطيّ لرأس المال" (العاطلين عن العمل)، الذي كان من المُفترض بحسب ماركس، أن يُمارِسَ ضغوطاً باتجاه تخفيض الأجور، سيبدأ إذاً بالعمل في الاتجاه المعاكس. وسيصبح السبب عينه في بطالته، من خلال العمل على رفع الأجور!. في الواقع، ما حصل هو العكس تماماً: إذ لم تتوقّف الكلفة النسبيّة للعمل عن التداعي منذ خمسة وعشرين عاماً (فقد تراجعت حصّة الأجور من القيمة المُضافة بما يزيد عن معدّل أربع نقاط في مجمل الدول المُنتمية إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية)، تحت ضغط البطالة تحديداً... لا يهمّ: فها هي المنظمة تحاول أن تشرح لمن كانوا يعتقدون، بنوعٍ من السذاجة أنّ نظام التأمين ضدّ البطالة وُجِدَ لإنقاذ العاطلين عن العمل، أنّ تعويضات البطالة هي التي، بعكس ذلك، التي تخلق البطالة! تذوب نظريّة رعاية العمل (Workfare) من تلقاء نفسها فور غمسها، لأكثر من خمس ثوانٍ، في مياه الواقع : إذ أنّ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تقدّم نفسها في الواقع، العديد من الترسيمات التي تُظهِر بأنّ "المعدّل الضريبيّ الهامشيّ" لشخصٍ يستفيد من تعويض للبطالة، لدى إيجاده عمل، يتراوح بين 80 و100% (ممّا يعني، على الورق، أنّ معظم ارتفاع مدخوله يوازيه تقليص المساعدات المختلفة التي يستفيد منها وارتفاع الضرائب المفروضة عليه). الدعوة إلى المنطق واضحة جداً: كيف لنا ألاّ نفكّر بأنّ العاطلين عن العمل يفقدون أيّ حماسة لاستعادة العمل، عندما يعون ضآلة الأرباح الماليّة التي قد يحقّقونها؟ تكمن المشكلة برمّتها في أنّ هذه الدعوة إلى التعقّل غير متوازية. فالحشريّة الفعليّة تكمن في الواقع في التساؤل لماذا في فرنسا مثلاً، 25 بالمائة من الأُجراء ( ربع شريحة الأجراء!) قد "اختاروا بأنفسهم" العمل لقاء مردودٍ شهريّ متوسّط (أو مرتكز على أساس شهريّ) يقلّ بنسبة 1,14 مرّة الحدّ الأدنى للأجور [11]....في حين ليس لديهم ما يخسرونه عمليّاً إذا اختاروا من تلقاء أنفسهم الحصول على جائزة تعويض البطالة؟ وإذا كانت نظريّة ضمان العمل (Workfare) ذات فاعلية حقيقةً، سيكون هناك في فرنسا حالياً، ليس فقط بين 2 و4 ملايين عاطل عن العمل، بل بين 7 و11 مليون عاطلٍ طوعيّ عن العمل! وبدل حمد الله على عدم فاعليّة هذه النظرية، تدقّق منظمة التعاون والتنمية في إستراتيجيّتها بما يخدم مصالحها بشكل أفضل. لأنّ المهمّ هو العقيدة. التلاميذ النجباء : الأسبان والبرتغاليونتتساءل حينها المنظمة، كيف يمكن الحصول على تأمين تأييدٍ للإصلاحات في مجال سوق العمل، التي تصبّ في مصلحة الأُجَراء والعاطلين عن العمل، ولكن التي يرفضها هؤلاء؟ إنّ التوصيات التي وُجّهت إلى حكومات الشعوب الفوضويّة، مكتوبة في التقرير بالبنط العريض وبحروف مائلة: يجب اللّجوء إلى "إصلاحاتٍ جزئيّة: الإصلاح على الهامش من أجل تحقيق تغيّرات سياسيّة لاحقة أكثر جذريّةً". لذا يجب على هذا الحملة أن تمرّ عبر الجوانب وأن تُلغي الدعامات الأكثر هشاشةً للعمل المأجور، من خلال الاحتفاظ بـ"النواة" الصلبة لهجومٍ ثانٍ: إذ "تفادياً للنزاعات مع المجموعات الأساسيّة المعنيّة، يُمكن للحكومات في خطوةٍ أولى أن تُدخِل إصلاحات على هامش "النواة الصلبة" لسوق العمل، من دون المَساس فعليّاً بالتركيبات الدستوريّة التي يستفيد منها العاملون فيها. ومن شأن ذلك، تعزيز ازدواجيّة سوق العمل، ما يمكنه بالتالي السماح بالحصول تدريجيّاً على مؤازرة الرأي العام لعمليّات إصلاحيّة أكثر أساسيّةً لمؤسّسات وسياسات سوق العمل". وقد اعتبرت المنظمة كلاً من إسبانيا والبرتغال مثالاً للتطبيق الناجح لهذه الإستراتيجيّة. ففي البرتغال بشكل خاصّ، تمّ الحرص على تحرير العمل الثانوي وعقود العمل المؤقت، قبل المبادرة إلى توسيع أسباب الطرد السارية على عقود العمل الدائم وقبل التوقّف عن طلب إذنٍ مُسبق للطرد الجماعيّ. وجاء في خُلاصة تقرير منظمة التعاون والتنمية أنّ هذه المعركة التي تمّت معالجتها بشكلٍ جيّد "وضعت على الأرجح العاملين بموجب عقدٍ دائم في موقف ضعفٍ لمواجهة الإصلاحات، نظراً للعدد الكبير نسبيّاً للعمّال المؤقّتين والعاطلين عن العمل". فوفق إستراتجيّة المقاربة عبر الجوانب هذه، التي تهدف إلى خرق الجبهة عبر الخطوط الأقلّ صلابةً، سرعان ما ندرك أنّ الطريقة الأكثر فعاليةً تقضي بالهجوم أوّلاً على العاطلين عن العمل أنفسهم. وبما أنّ العقلانيّة صديقة للخير (!): "فالإصلاحات الهيكليّة التي تترتّب عليها تكاليف في البداية، قبل الوصول إلى النتائج المرجوّة، يمكن أن تتصادم مع معارضة سياسيّة أقلّ وطأةً، إذا تحمّل العاطلون عن العمل في الفترة الأولى، هُم وطأة التغيير السياسي. فبالفعل، إذ أنّ هؤلاء أقلّ قدرةً من الموظّفين أو الأُجراء العاملين على تشكيل غالبيّةٍ سياسية قادرة على إيقاف عمليّة الإصلاح، نظراً لكونهم أقلّ عدداً وأقلّ تنظيماً في غالب الأحيان". صحيح بأنّ أعمال المنظمة مُكلِفة جداً لدافعي الضرائب، لكنّها واضحة. غير أنّ فعّالية عقيدة رعاية العمل (Workfare) تتخطّى الأهداف الإستراتيجية التي تساهم في تسليحها عقائديّاً. فلا شكّ أنّ لنظريّة البطالة تلك، التي تنطلق من الطابع الطوعيّ للبطالة، وتحوّل فرضيّاً كلّ عاطلٍ عن العمل إلى "عاطلٍ زائفٍ عن العمل"، طابعاً وظيفيّاً، عندما يؤدّي عجز السلطات العامّة إلى تعميق المخاوف عند كلّ فرد. وفي أزمنة الانعدام المُتزايد للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتشريع عدم ثبات العمل، تتمّ جزئيّاً مواجهة الخوف من احتمال السقوط والانحدار الطبقيّ والفقر أخيراً، من خلال التأسيس الخيالي لغيريّة راديكالية ومذنِبة لمن أصابهم الانهيار [12]. وإذا كان للأسى من اللّطف ما يجعله ينتقي ضحاياه بتقفّيه ندوب خطأ أخلاقيّ مؤكَّد (هنا يشير الكسل والتدلّل إلى الزبون المناسب)، فغالبيّتنا سيشعر أنّه بأمان. الأمر الذي قد يكون ذو منفعة إذا ما وَعَيْنا، كما يذكّر به إيمانويل بييرو، بأنّ "عاملاً من أصل اثنيْن قد مرّ بفترة بطالة!". وقد أكّدت لازمة "الجمل الصغيرة"، وسواها من التنبيهات المفخَّمة التي يوجّهها رجالنا السياسيّون إلى العاطلين عن العمل، على نظريّة البطالة الطوعيّة. فهل يجب التشديد على الدور المُعكِّر أحياناً لوسائل الإعلام في تسيير بلبلة مُخيفة تهدف إلى المزج بين النهّابين العابرين لنظام التأمين ضدّ البطالة (إنّها مسألة موجودة بطبيعة الأمور!)، والمزوّرين المحترفين (كيف يمكن تفادي ذلك؟) واللصوصيّة على مستوى عالٍ (المُقلقة طبعاً). ربما يستحقّ هذا الأمر التوقّف عنده، إضافةً إلى أنّ الرأي العام ينقاد أحياناً به على ما يبدو. لكنّه يبقى من المُستغرَب أن تثير عمليّات التزوير والنهب القليلة، اهتماماً أكبر مّما تثيره الادّخارات الضخمة التي يحقّقها نظام التأمين ضدّ البطالة في حين لا يقدّم تعويضات سوى لـ60 بالمائة من العاطلين عن العمل [13]. من جهةٍ أخرى، وإذا ما افترضنا أنّ 10 بالمائة من نفقات التأمين على البطالة مُرتبِطة بمساعدات غير مُستحقَّة (ولم يسبق لأحد أن "خرج" بتقدير مُرتفع كهذا [14])، سيتمّ بصعوبة بلوغ صناديق تأمين البطالة خسارة قيمتها 3 مليار يورو سنويّاً... وهو رقمٌ بعيدٌ جداً عن مبلغ التهرّب الضريبي، المُقدَّر بـ50 مليار يورو سنويّاً بالنسبة لفرنسا [15]. ومن الغريب أنّ نهب الدولة يبدو أقلّ خطورةً. يجب القول أنّه لا شكّ أنّ السارقين ليسوا نفسهم. عندما أعلنت الأكاديميّة عن موت كينز، قُرابة نهاية السبعينات، -وقد رافقه طموحه بتأسيس دولة الرعاية Welfare state إلى داخل القبر-، تم استبدال رؤيته للعالم بأُخرى أُطلق عليها إسم “Workfare” ("رعاية العمل"). وقد عادت بقوّة الفكرة التي تقضي بأنّ أفضل طريقة لنجدة الفقراء تكون بعدم مساعدتهم. وقد اعتُبر نظام دولة الرعاية في الواقع مسؤولاً عن نسجه لشبكةٍ من المؤسّسات التي تُفرِطُ في حماية مجموع الأُجَراء والعاطلين عن العمل والفقراء. وكان هذا كافياً لتفسير شبه كامل لكافّة المشاكل التي تكبّدتها الأنظمة الاقتصادية الغربية في نهاية الثلاثينات المزدهرة [16]. فمن خلال حصول ذوي القلّة على الكثير، بمساعدة فترةٍ طويلة من التوظّف الكامل، فقد قادوا الرأسماليّة في نهاية المطاف إلى مشارف الهاوية. قدرتهم على التفاوض قد غيّرت، لما يخدم مصلحتهم، تقاسم القيمة المُضافة. وبالتالي انهارت مردوديّة رأس المال. وتراجعت الإنتاجيّة هي أيضاً بفعل الحواجز التي أعاقت الحاجة إلى المرونة وتحديث الآليّة الصناعية في إعادة تأسيس الشركات الكبرى المتعدّدة الجنسيات. وقد تمّ النظر إلى التضخّم نفسه كنتيجة للسياسات النقديّة الكينزيّة "التساهليّة"، التي كانت تُستخدَم لإخفاء حقيقة البطالة البنيويّة من خلال تغذية العمالة الكاملة عبر أوهامٍ نقديّة. وعندما تمّ التطرّق أخيراً إلى مصدر المشكلة (السياسات الكينزية المسبّبة للتضخّم)، ظهرت حقيقة البطالة البنيويّة إلى العلن، وتمّ إثبات أسبابها النظرية لاحقاً على غرار الإثبات بحلوى البودينغ (الإثبات بأنّ حلوى البودينغ موجودة هو أنّنا نأكلها). لم يعد هنالك إذاً من جدوى في تحفيز الطلب طالما أنّ المصادر الإنتاجية، وخصوصاً العمّال، سترفض بيع نفسها بسعر السوق. يرتبط أساس مآسينا إذاً بالعرض. وبعرض العمل بالدرجة الأولى. فيصبح العدوّ حينها مجموع المؤسّسات الحامية للأجراء (حقّ العمل، الضمان الاجتماعي، التأمينات ضدّ البطالة، المساعدات الاجتماعية، الخ.)، والتي، من خلال حماية العمّال من انعدام الاستقرار الاقتصادي، تسمح لهم ببيع أنفسهم مقابل أجور مرتفعة جداً، الأمر الذي يضعف الطلب على العمل لدى الشركات، ويكون بالتالي مُسبِّباً للبطالة. وبعد خمسة وعشرين عاماً، ما زلنا في هذا النوع من التفكير. حين يأتي وحي الليبراليين من ماو تسي تونغفي رواية جورج أورويل الشهيرة التي تحمل عنوان "مزرعة الحيوانات"، في كلّ مرة تنقضّ فيها مأساةٌ ما على مجتمع الحيوانات - الذي قاد ثورةً بروليتاريّة عبر طردها أصحاب المزرعة- يُطلق حصان الجرّ العجوز، مالابار، صرخة الافتداء : "سوف أعمل بجهدٍ أكبر!" هكذا، أُعيد إعمار طاحونة المزرعة التي دُمّرت مراراً، بفضل بذل جهدٍ كبير في مواجهة العدائيّة. ومالابار هو دائماً من يعمل! لكن الاقتصاد الرأسمالي ليس مزرعة الحيوانات، ولا اقتصاداً زراعياً يذكّر ولو بشكلٍ مبهم بغزو الغرب في أمريكا الشمالية. إذ لا يكفي حمل المِعْول والمِجْرَفة، والتسلّح بشجاعة مالابار المُنفتِحة أو بفخر أحد الروّاد الإيرلنديّين، والتصفير مثلهم على عتبة الورش الكبيرة أو المصانع الجميلة، ليُغدَق علينا بالعمل وبوفرة. إذ أنّ عبارة ماو تسي تونغ، "فمٌ واحد وذراعان"، التي نستغرب تشكيلها أساس المفهوم الأرثوذوكسي للعمل، لا تنطبق إلاّ عند وجود مساحات شاسعة من الأرض ما من مالكٍ شرعيّ سابقٍ لها [17] والتي لا تنتظر سوى تخصيبها بعرق الرجال. لكنّ هذه النظريّة لا تنفع أبداً لفهم أيّ مجتمع رأسمالي. ومثلما أنّ الدراسة ليست هي التي تخلق مجالات عملٍ نوعيّة ومتقدّمة، والذهاب لقطف الفطر لا يجعل الفطر ينمو، والرغبة بالوقوع في الغرام لا يزيد عدد الحسناوات أو الوسيمين (مع أنّ...)، فليس البحث عن عمل هو الذي يخلق مجالات عمل!. فعندما يكون مستوى الطلب الفعلي ورغبة أصحاب العمل بتكديس الأرباح، غير كافيين لتلبية آمال مجموع الشعب بإيجاد عمل، الأجدر بنا الاكتفاء بجملة مُحتَرَمة واحدة هي "أتركوا العاطلين عن العمل وشأنهم!". إنّ النيّة الحسنة قد تؤدّي حتى إلى التسليم، في غياب مجالات عمل، وفي مواجهة انعدام أخلاقيّة أحبار العمل الشاقّ، بأنّ التفكير الاقتصادي الأصحّ يقضي بالإعلان عن تشريع البطالة الطوعيّة. في الواقع، عندما يسود العَوَز، من الأفضل حرمان من هم الأقلّ حاجةً إلى "الخير" المرغوب به بشدّة. لقد وضعنا ثقتنا منذ قرنيْن، في السرّاء والضرّاء، بيد اقتصاد المؤسّسات الخاصّة. وعندما يطرأ الأسوأ ( وقد تحقّق "الأفضل" أحياناً يوم كان العالم الرأسمالي المتطوّر يعتمد السياسة الكينزيّة الفورديّة)، ستنصّ الحكمة "الليبيراليّة" بالمعنى الصحيح للكلمة على التخفيف إلى أقصى درجة من أسى المجموعة، والسماح للأفراد بـ"اختيار" من يجب أن يبقى عاطلاً عن العمل ومن يجب أن يعمل.و ليس هذا تماماً هو التوجّه الذي يرتسم... على مدى الأزمنة، كانت الشعوب تعي أنه يتمّ إرسالها إلى الحرب بمال الضرائب التي تدفعها. الجديد في الأمر هو أنّهم، من خلال تمويل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، يحرّكون جيوشاً ضدّ أنفسهم.
* اقتصادي، أستاذ في جامعة ليل-1. آخر كتبه Pas de Pitie pour les Gueux, Raison d’agir, Paris, 2000.
[1] Serge Halimi, “ Les chantiers de la dmolition sociale ”, Le Monde diplomatique, juillet 1994. [2] تأني كل الاستشهادات المتعلقة بمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية من Perspectives de l’emploi de l’OCDE (2006) : Stimuler l’emploi et les revenus, OCDE, Paris, 2006. [3] "من أعيد احتساب تأميناتهم" هم العاطلون الذين تدنّت تعويضاتهم تبعاً للاتفاق الذي جرى توقيعه في 20 كانون الأول/ديسمبر 2002، بين جمعيات أرباب العمل وبين النقابات الثلاث (CFDT, CFTC, CGC). ولأوّل مرّة تمّ تطبيق الإجراءات بمفعولٍ رجعيّ. وبعد عدّة أشهر من النضالات، تمت إعادة "من أعيد احتساب تأميناتهم" إلى حقوقهم الأصليّة. [4] المادّتان 9 و10 من الاتفاقية بين الحكومة وصندوق التعويض ومؤسسة التشغيل Etat-Undic-Anpe المتعلّقتان بتنفيذ خطة المساعدة للعود |