
اقتصاد، اجتماع وبيئة > كانون الأول/ديسمبر > 2006رافاييل باينسبةً للنيكاراغويّين "الحلم" هو كوستاريكا ماذا بقي من الثورة الساندينيّة؟ ذكرى النضالات التي أدّت في 17 تموز/يوليو 1979 إلى سقوط الديكتاتور أناستازيو سوموزا. والمرارة تجاه الولايات المتحدة وعدوانها عبر أدواتها من الثورة المضادة. والطعم الجاف للهزيمة الانتخابية في 1990 في نيكاراغوا مثقلة بالجوع والحرب. ثم مأساة السياسات النيوليبرالية التي فرضتها الحكومات التي تعاقبت منذ ذلك الوقت. فهل سيوقف انتصار السيد دانيال نورتيغا في 5 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي هذه الدورة المشؤومة؟ وهل سينهي الفوضى الاجتماعية التي تدفع عشرات الألاف من النيكاراغويين إلى المنفى؟
ها هم ينتظرون كعادتهم كلّ يوم أثنين في فترة ما بعد الظهر. أكثريّتهم من المُسنّين والنساء والأطفال. يترقّبون عند تقاطع طريقيْن ترابيّتيْن وصول الشاحنة الصغيرة. قرية سانتا روزا ديل بينون، شمال نيكاراغوا، تترقّب بأكملها أخباراً من كوستاريكا. وعند وصول شاحنة يتم توزيع الرزم وسط غيمةٍ رماديّة، وتسود المعمعة: الجميع آتٍ لاستلام رسالةٍ أو نقودٍ في مغلّف أو حتى برّادٍ صغير. إذ أنّ مهاجرو سانتا كروز يساعدون عائلاتهم من البلد المجاور. والقرية تعتاش من الإمدادات المتواصلة. وتتراوح المبالغ ما بين عشرة ومئة دولار شهرياً، "لشراء حاجتنا من الطعام"، "للحصول على دفاتر للأولاد"، "وأدوية" أو "لتسديد دين". فمنذ أن بادرت نيكاراغوا إلى تقليص خدماتها العامّة، أصبحت نفقات التعليم والطبابة تُثقِل كاهل الشعب العاجز عن مواجهتها. وبالرغم من التدفّق المستمرّ للدولارات، تكتفي قرية سانتا روزا ديل بينون فقط ... بالبقاء. كان العمل في المنطقة محصوراً تقليدياً بالزراعة. لكنها اليوم تكاد لا تنتج شيئاً يُذكر. ويتساءل السيّد خوليو أنطونيو نينو، وسط حقوله التي اجتاحتها الأعشاب البرّية: "نزرع بشكلٍ أساسيّ ما يكفي حاجتنا الشخصية، فكيف يمكننا فعل أكثر من ذلك؟ لا يمكنني الاستثمار لبناء بئر أو نظام ريّ، لأنّ القرض باهظ جداً (40 بالمئة بالدولار) والمصارف لا تمنح قروضاً سوى للاستثمارات الضخمة التي تقدّم ضمانات ثابتة". هذا ما يلحظه مجمل الفلاحين الصغار في نيكاراغوا. أضِفْ إلى أنّ أزمة البنّ، المُرتبطة بانهيار الأسعار العالميّة في بداية الألفيّة الثانية، قد زادت هذا المشهد قتامةً. ولا شكّ أنّ الحكومة تهتمّ رسمياً بالفلاحين في بلدٍ يعيش نصف سكانه في المناطق الريفية. لكن في الواقع، لسياساتها الاقتصادية طموحات أخرى: فتح الحدود، المنافسة الدولية بفضل زراعة تصديريّة، استثمارات أجنبية في المناطق الحرّة تُنتِج آلاف الوظائف حسب الرئيس السابق أنريكي بولانوس. ويبتسم خوليو بمرارة لهذا "الأداء" قائلاً: "نعم، لقد ذهبت بعض نساء القرية للعمل في مصانع الماكيلاز (للإنتاج التعاقدي) للنسيج، فذلك أفضل من لا شيء. لكنّ الأجور متدّنية مرّتين أكثر ممّا هي عليه في كوستاريكا...". "كوستاريكا"، ها قد أفصحنا عن الكلمة. فقد ورد في الإحصائيّات أنّ واحداً من أصل خمسة من سكان سانتا روزا قد هاجر أو هو الآن مُهاجرٌ في هذا البلد. وعلى صعيد نيكاراغوا كلّها، يشكّل المهاجرون 500 ألفاً على الجهة الأخرى لنهر سان خوان الحدوديّ و300 ألفاً موزَّعين في أماكنٍ أخرى - أي حوالى 14% من السكان. وبالنسبة للريفيين الذين لا يملكون شيئاً، تشكّل كوستاريكا الوجهة الأنسب: إذ كان يمكن الدخول إليها دون تأشيرة دخول (حتى تاريخٍ قريب)، وهي على بُعد بضع ساعات بالباص، ما يمكّن من إدّخار حوالى عشرة دولارات لمن يودّون الدخول بطريقة شرعيّة. ومهما كان عملهم الأصلي في بلدهم، يعمل العديد من سكان نيكاراغوا كعمالٍ زراعيين في المساحات الزراعيّة الكوستاريكيّة. في زراعة الموز والبنّ والسكّر واللّيمون: فلقد توصّل البلد المجاور بنجاح إلى تنويع مجالات الاستثمارات الزراعيّة التي تستهلك كمّاً واسعاً من اليد العاملة. ويشرح السيّد نينو الذي يقصدها سنوياً بصورةٍ غير شرعيّة، لسأمه من العمل في الأرض في سانتا كروز، أنّه "منذ كانون الثاني/يناير، أقطع نباتات البنّ هناك، ثم أواصل العمل على المحاصيل الأخرى. وعلى غرار سواي هنا، أعود لأزرع الفاصوليا. أربح على الأقلّ مرّتين أكثر ممّا قد آمل الحصول عليه هنا في نيكاراغوا". لطالما لجأ النيكاراغويّون تاريخياً إلى جارهم في الجنوب، هرباً من مراحل العنف وحكم أناستازيو سوموزا الديكتاتوريّ أو حتى من حرب الثمانينات. لكن ابتداءً من التسعينات، أصبحت الهجرة اقتصاديّة. هجرة للبقاء على قيد الحياة. وبعد الحرب، إثر تسريح الجيوش، تمّ إطلاق آلاف الجنود والمناهضين للثورة، دون أملاك ولا مستقبل، واتّضح أنّ اقتصاد نيكاراغوا عاجزٌ عن دمجهم. في تلك الفترة، اقتصرت أولويّة ماناغوا على الخصخصة وعلى تقليص النفقات العامّة. وبدت كوستاريكا، بفعل نموّها الاقتصادي وبفضل نظام رعايتها الاجتماعية المتطوّر بشكلٍ لافت بالنسبة للمنطقة، شبيهةً بالألدورادو (بلاد الذهب) سهلة المنال. وبحسب تحليل السيّدة مارتا كرانشاو، المُنتمية إلى شبكة المجتمع المدني النيكاراغويّة التي تُعنى بحركات الهجرة (RNSCM)، وهي منظّمة غير حكومية تدعم المهاجرين وعائلاتهم: "نجد حكومتنا فائدة حقيقيّة في هذه الهجرة. إنها تريح من الضغط الذي تخلقه البطالة. لكننا بدأنا اليوم نلمس تأثير هذه الظاهرة على بلدنا". أحياناً بعكس التحليلات الرائجة... ففي حين تراهن كلّ من المنظمة العالمية لحركات الهجرة (OIM) ومنظمة الأمم المتحدة على عمليّات تحويل مال المهاجرين لإعادة إطلاق عملية الإنماء في نيكاراغوا، وتُظهر التحقيقات على الأرض بأنّ الأموال المنقولة التي تبلغ قيمتها 900 مليون دولار - أكثر من قيمة صادرات البلاد- تُستخدم بشكلٍ خاصّ للتخفيف من وطأة الحياة اليوميّة لشعبٍ على شفير الهاوية [1]. كما تلحظ شبكة المجتمع المدني النيكاراغوية التي تُعنى بحركات الهجرة (RNSCM) ظاهرةً أخرى، لا يمكن تحديد حجمها بشكلٍ سريع. وتُفصح السيّدة كرانشاو عن الأمر قائلة: "نرصد شيئاً فشيئاً آلاف المآسي الفرديّة التي تخلّفها هجرة والد أو والدة العائلة. إنّ تأثير هذه الظاهرة على مجتمعنا ضخمٌ على صعيد الجماعة."عائلات مفكّكة، أطفال يتربّون في كنف الجدّ والجدّة الحاضريْن نسبياً، غياب صورة الأب أو الأم، الخروج من المدرسة: فأيّ مجتمع بانتظار نيكاراغوا في المستقبل؟. وفي قرية سانتا روزا، يروي لنا جدٌّ سافر ابنه وزوجته، لكن دون الأطفال: "نربّي أنا وزوجتي أحفادنا، لكنّ النزاعات معهم تكون كبيرةً أحياناً، ونحن قلقون جداً على ابننا الموجود في كوستاريكا دون أوراقٍ شرعية. أحياناً، أقول لنفسي بأنه يجب إيجاد وسيلةٍ أخرى لحلّ المشكلة. فالمخاطر كثيرة علينا وعليهم". وفي شوارع سان خوسي، عاصمة كوستاريكا، يسهل العثور على النيكاراغويّ. فلونه داكنٌ أكثر، وشعره أكثر سواداً، وهو يحمل دائماً حقيبةً على ظهره، يضع فيها بذلة العمل أو بدلاً لبعض الأغراض. الرجال مُستخدَمون في ورش البناء أو يعملون كحرّاسٍ ليليّين. ويتمّ استخدام النساء في المنازل. وفي غالبيّة الأحيان، يكون العمّال الموسميّون دون أوراق. كذلك أولئك المقيمون هناك لعدّة سنوات. فقط نصف الـ"نيكا"، المُقيمين في كوستاريكا، يتمتّعون بوضعٍ شرعيّ. ومعظمهم اختبروا العمل الشاقّ في زراعة البنّ أو سواها. لكن بالنسبة للأغلبيّة الساحقة من الـ"تيكوس" - أي الكوستاريكيّين- البالغ عددهم 4,3 ملايين نسمة، هم يشكّلون أوّلاً عِشراً غير مرغوبٍ به من الشعب. نرصد شيئاً فشيئاً آلاف المآسي الفرديّة التي تخلّفها هجرة والد أو والدة العائلةويعبّر كارلوس ساندوفال، عالم الاجتماع في جامعة سان خوسي، بشكلٍ لاذعٍ عم الوضع بقوله أنّ "النيكاراغويّ يجسّد نموذجاً مُضاداً للقيم بالنسبة للكوستاريكيّين". فهو يعتقد بأنّ تشكيل هويّة كوستاريكا قد تمّت حول أفكار قويّة رئيسة: بياض اللّون، المُلفِت في إطار أميركا الوسطى والعائد إلى عدم وجود عددٍ كبير من السكان الأصليّين عند وصول الكونكيستادور المستعمرين؛ استقرار الديموقراطية التي لم تشهد سوى فصولٍ قليلة من العنف؛ أداء الاقتصاد ودولة الرعاية الفريديْن من نوعهما في المنطقة. فبالنسبة للدول المجاورة وله أيضاً، يشكّل هذا البلد الجبليّ الصغير فعليّاً "سويسرا أميركا الوسطى". أليس هو الوحيد الذي يستقبل سوّاحاً بكثافة، قادمين من الدول المتطوّرة بحثاً عن شطآنه وأدغاله وعذوبة العيش فيه وعن سياحته البيئيّة؟ وتبدو نيكاراغوا، إذا ما نظرنا إليها من هنا، بحروبها وعدم استقرارها المُزمِن، كبلدٍ غير ناضجٍ ومحكوم عليه بالفقر. وفي كوستاريكا، غالباً ما يتمّ اعتبار السكان الداكني اللون أشخاصاً عنيفين، جُهّالاً وغير موثوق بهم، يُضاف إليه أنّهم سارقون ومُدمنو كحول. "لا تكنْ نيكا" تقول إحدى الشتائم الشائعة - "لا تكن أحمقاً"... هذا العداء الكامن يظهر باستمرار - ويقابله في الواقع عنصريّة ضدّ الكوستاريكيّين قويّةٌ جداً في نيكاراغوا - فور احتدام النزاع الأبدي حول الملاحة في نهر ريو سان خوان الحدوديّ. لكنّ البلديْن يتكيّفان مع هذا الوضع، أو بالأحرى كانا يتكيّفان. لأنّه، منذ التصويت على قانون الهجرة الجديد، في نهاية 2005، قد تأزّمت الأحوال. من خلال اعتماد موقف شبيه بالولايات المتحدة التي طفحت بمُهاجريها، وضعت سان خوسي قانوناً وصفه رئيس الجمهورية الجديد أوسكار أرياس - الحائز على جائزة نوبل للسلام والمُنتمي إلى حزبٍ غير الحزب الذي أسّس لهذا القانون- بالـ"الجائر"، مُضيفاً أنه قد يحوّل شرطة الهجرة إلى "غيستابو" (شرطة نازيّة) جديدة. وتمثّلاً بالتشريع الذي تتمّ مناقشته في واشنطن، ينصّ القانون الكوستاريكيّ على وضع حواجزٍ أكبر على الهجرة الشرعيّة والمُلاحَقة المفتوحة للّذين لا يملكون أوراقاً رسميّة، وللذين يأوونهم أو يستخدمونهم. لكنّ تطبيق هذه الإجراءات ،بشكلٍ فعليّ، يستلزم مصادراً بشريّة وماليّة لا تملكها البلاد... فهل القانون ردٌّ رمزيّ على الاحتقان الشعبيّ؟ في الواقع، لقد بلغ هذا الأخير ذروته عدّة مرّات. ففي إحدى ليالي تشرين الثاني/نوفمبر 2005، أطلق صاحب مشغَل، يبعد ثلاثين كلم عن سان خوسي، كلبيْه من نوع روتوايلر على شابّ نيكاراغويّ كان على ما يبدو يحاول الدخول إلى ملكيّته. وتحت أعين الشرطة التي بالرغم من استنفارها لم تتدخّل ، قتل الكلبان الشابّ. وقد صوّرت إحدى الكاميرات المشهد الذي تصدّر الأخبار المُتلفزة: "جريمة الكراهية" هذه، الأولى في كوستاريكا، صعّدت النزاع بين البلديْن إلى أوجّه. وبعد بضعة أشهر، بين أجمام الأزهار الملوّنة في حديقة ميرسيد، المكان الذي يلتقي فيه نيكاراغويّو سان خوسي كلّ يوم أحد، يروي غوستافو أنه: "في ذلك اليوم، ذُعِرنا فعلاً. لقد اعتدنا على العنصرية، لكنّ الموت بهذه الطريقة كان فظيعاً جداً. في نيكاراغوا أيضاً خاف الناس. فقد قرّرت قريبةٌ لي الذهاب إلى سالفادور، فالوضع هناك أكثر أماناً ولا يطلبون تأشيرة دخول". ويبوح "النيكا" بمخاوفهم وهم يقضمون المآكل الوطنية الخاصة بهم. "بسبب هذا القانون، نرغب جميعنا بالتمتّع بوضعٍ شرعيّ. إذ حتى الآن، لم نكنْ نولي الأمر اهتماماً بهذا القدر... في نيكاراغوا نحن لا نملك أوراقاً، وهنا أيضاً، من العمليّ بالنسبة للجميع البقاء "في وضعٍ غير شرعيّ". غوستافو يبلغ 28 سنة وهو يعيش دون أوراقٍ منذ خمسة أعوام. موظّفٌ في مجال البناء خارج العاصمة، يأتي إلى سان خوسي في نهاية كلّ أسبوع لرؤية زوجته وابنه. وهو يعترف، على غرار الكثيرين غيره، بأنه سعيدٌ لأنّ ابنه ولِدَ هنا - "هكذا سيحصل على الجنسيّة الكوستاريكيّة". مؤخّراً، يبدو أنّ المناخ السائد في كوستاريكا وحاجات السالفادور إلى اليد العاملة قد خفّفا من وتيرة الهجرة من نيكاراغوا. هذا التطوّر يُقلِق كبار أرباب العمل في البلد. ففي آب/أغسطس 2006، اشتكت غرفة الصادرات علناً لأنّ النقص في اليد العاملة قد يخفّض الصادرات الوطنية بنسبة 15%. إذ لا تزال هذه الأخيرة مرتبطة بالقطاع الزراعي بنسبة تقارب الـ 25%. ولا شكّ أنّ الاقتصاد الكوستاريكيّ، غير النموذجيّ في أميركا الوسطى، قد طوّر القطاعين الثاني والثالث (خاصّة عبر الانخراط بنجاح في السياحة البيئيّة)، لكنه لا يزال يعتمد كثيراً على الإنتاج الزراعيّ. فهذا البلد هو المصدّر الثاني للموز، وهو بارعٌ في زراعة البنّوقد طوّر زراعات "معلّبة" كالزهور أو أنواع البطيخ. إلاّ أنّ العمّال النيكاراغويّين ضروريّون؛ فهم يشكّلون، في منطقة سارابيكي التي يُزرع فيها الموز، أكثر من 40% من اليد العاملة. فلقد شكّلوا - ولا يزالون- بالنسبة للعديد من علماء الاقتصاد، عنصراً ضابطاً مذهلاً للاقتصاد في خضمّ مرحلته الانتقالية. وقد قدّموا ميّزةً هامّةً بالنسبة لكبار المصدّرين الزراعيّين في المنافسة الدولية، من خلال المحافظة على أدنى حدٍّ ممكن للأسعار الإنتاجية. وبحلولهم مكان سكان البلد - الذين أصبحوا أكثر كفاءةً - في قطاعي الزراعة والبناء، لقد ساهموا أيضاً في نزول الكوستاريكيّات إلى سوق العمل، عبر توفير جيشٍ من خادمات المنازل. يبوح السيّد أوسكار ألفارو، مؤسّس شركة نقليّات برّية مُتمركِزة في كافة أنحاء أميركا الوسطى وعضوٌ في منظمة مهمّة لأرباب العمل، برؤيته الخاصّة على حدة: "يجب على الكوستاريكيّين أن يفهموا أننا بحاجة إلى النيكاراغويّين. فسياسة الهجرة التي نتّبعها مرتكزة على فلسفة أمنيّة وليس على الواقعيّة الاقتصاديّة، دون الحديث عن كونها غير نابعة من الإطار البديهيّ للتضامن". ويتذكّر السيد ألفارو أنّه، بعد إعصار ميتش الذي دمّر نيكاراغوا في كانون الأول/ديسمبر 1999، نظّمت كوستاريكا أوضاع 152 ألف شخص. ويستعيد السيّد ألفارو رأياً غالباً في البلاد ألا وهو أنّه "سيكون هناك دائماً تداخل بين بلديْنا." "يجب وضع إطاراً لهذا التداخل ووضع حدّ لخرق القانون. فهذا الأخير يُثقل كاهل نظاميْنا الصحّي والتعليميّ، المفتوحيْن أمام الأجانب، في حين لا يساهم هؤلاء في تسديد اشتراكاتهم." (لكنّه لا يذكر أنّ أرباب العمل الذين يستخدمون عمّالاً غير شرعيّين لا يسدّدون أيضاً حصّتهم...). وقد عرضت الحكومة الكوستاريكيّة نفسها الثمن الاجتماعي الذي يتكبّده بلدها بفعل الهجرة الكثيفة. وردّاً على الاحتجاج الذي قدّمته نيكاراغوا أمام لجنة محكمة الأميركيّتيْن لحقوق الإنسان بسبب التمييز العنصري [2]، ذكّرت سان خوسي بأنّ صندوق التأمين الصحّي يأخذ على عاتقه كافة حالات الطوارئ والحمل والولادة، بغضّ النظر عن جنسيّة المرضى. كما ذكّرت بأنّ التعليم الابتدائي مجّانيٌّ للجميع. "وذلك في بلدٍ نامٍ، يفوق فيه معدّل الهجرة المعدّل الذي تسجّله الدول المتطوّرة: 110 بالألف، على غرار اللوكسمبورغ عمليّاً التي تسجّل الناتج المحلّي الإجمالي للفرد الأكثر ارتفاعاً في العالم". وبالنسبة إلى كارلوس ساندوفال، تقع كوستاريكا في قلب التناقضات: فهي بحاجة إلى الهجرة للمحافظة على اقتصادها والمساهمة في تجديد الأجيال، لكنّ مجتمعها عاجزٌ عن إدارة هذه الهجرة بهدوء. ويشرح عالم الاجتماع بأنّ "الاختلافات الثقافية تشكّل، دون شكّ، جزءاً من المشكلة، لكنّ الرفض المُعادي للنيكاراغويّين لم يصبح قويّاً سوى في التسعينات، عندما دخل بلدنا الأزمة. خاصّةً في أوساط الشريحة الأكثر تضرّراً من الشعب". يهدف النموذج الاجتماعي الكوستاريكيّ إلى التقرّب جداً من الأنظمة الأوروبية، مع ميلٍ قويّ إلى إعادة التوزيع والاستثمار العام [3]، مع العلم أنّ المنطق النيوليبيراليّ قد اجتاح البلاد في الثمانينات. فقد تمّ الحدّ من الاستثمارات العامة في مجالات التعليم والصحّة والسكن الاجتماعي. والطبقات الوسطى السفلى هي أكثر من يعاني اليوم من تدهور مستواها المعيشيّ. ويعلّق ساندوفال قائلاً: "إنّ الشريحة الأكثر عنصريّةً من الشعب هي التي خسرت أكثر. مجتمعنا الذي يريد أن يجعل من نفسه استثناءً، يشعر بتراجعه فيرتدّ على المهاجرين، دون الالتفات إلى ما تُلحِقُه السياسات الاقتصادية من ضعفٍ بنظامنا". ففي العام 1999، أُُعيد النظر في شموليّة المنحة العامة للتعليم المخصّصة للأكثر فقراً: فقد رفضت بعض السلطات منحها إلى الأجانب. وعلى غرار بعض دول الشمال، تعلّمت كوستاريكا، القلقة على مصيرها، أن تلجأ شيئاً فشيئاً إلى التحكيم بين "المواطنين" وبين الآخرين. وفي غاراريري، أحد الأحياء الفقيرة في ضاحية سان خوسي، تتكدّس البيوت الفقيرة التي تجري بينها ساقية من المياه الوسخة يلفظها المركز الصناعيّ اللمّاع المطلّ على الحيّ. آلاف المهاجرين يعيشون في هذا المكان. للوهلة الأولى، تبدو غاراريري شبيهة بنيكاراغوا، ومع ذلك، غالبيّة السكان هنا لديهم عمل؛ كلّ منزلٍ تصله المياه والكهرباء. هنا يعيشون أفضل من بلدهم. غاراريري الفقيرة والوسخة تشكّل أحياناً ملجأً لمهرّبي المخدّرات، كما تستضيف، وهي ذات السمعة السيّئة، مئات العائلات الكوستاريكيّة التي أصبحت فقيرة. ويقول غالبيّة السكان: "هنا لا نواجه مشكلة العنصريّة، الواقع متشابه بالنسبة للجميع". وفي الحقيقة، العديد من المبادرات، الداعية إلى التعايش بصورةٍ أفضل بين الـ"نيكا" والـ"تيكوس"، قد انطلقت من الأحياء الأكثر فقراً. ويعلّق كارلوس ساندوفال بالقول: "لهذه المبادرات منحىً إيجابيّ لأنها تناقض بعض الخرافات التي يتمّ تداولها حول النيكاراغويّين، مثلاً كونهم يسرقون وظائفاً. إذ في الواقع، إنّهم يمارسون مهناً لم يعد الكوستاريكيّون يريدونها". ولكن هنالك حدود للحملات الإعلاميّة حول الأخوّة بين النيكاراغويّين والكوستاريكيّين. ففي حين تُراوح البطالة ضمن معدّلات معقولة (بالكاد 6,5%)، يقلق بعض المراقبين من النتائج الممكنة لارتفاعها. فهل سيتمكّن التوازن الهشّ لهذا البلد، قيد النموّ، من الصمود في حال دخل سكان البلد والأجانب في منافسةٍ على سوق العمل؟ ففي غاراريري، في حديقة ميرسيد أو في المساحات الزراعية للضفّة المُطلّة على المحيط الأطلسي، قد يزداد الوضع تأزّماً ويصبح من غير الممكن التحكّم به.
* صحافيّ
[1] برهنت الدراسة التي أجرتها RNSCM في ثلاثة مجموعات بشريّة في البلاد أن الأموال التي تحصل عليها العائلات يتم صرفها بدايةً على المأكل (57%) ثم على النفقات الصحيّة والمدرسية (على التوالي 12 و17%) وأخيراً على تسديد الديون (12%). [2] http://www.corteidh.or.cr/ [3] تحتلّ كوستاريكا، في تراتبيّة مؤشّر التنمية البشرية، مرتبة قريبة من كرواسيا. http://hdr.undp.org/statistics/data/countries.cfm?c=CRI
|