اقتصاد، اجتماع وبيئة > كانون الأول/ديسمبر > 2006

نيكو كرولس ومارلين توغيلس

كيف تجاهلوا مخاطر الأميانت (الأبستوس)؟

صلافة وتقاعس ونتائج كارثيّة

يتمّ إلى اليوم إطلاق منتجات في الأسواق من دون التأكّد من طريق التجارب من عدم سموميتها. ولكننا نحتاج إلى عشرات السنين قبل أن نبرهن علميّاً على مخاطرها الصحيّة. وتبرهن مأساة الأميانت ضرورة القيام بتغيير شامل. إذ يجب التأكّد من سلامة المواد مسبّقاًً قبل طرحها للاستهلاك في الأسواق. كما يجب خصوصاً أن تُؤخذ تحذيرات ذوي الاختصاص بعين الاعتبار.

بينما كانت التوصية الأوروبية التي تتحدث عن مخاطر الإصابة بالسرطان، قد صدرت منذ العام 1962، فإن الحظر الكلّي على الأميانت لم يوضع موضع التنفيذ في أوروبا إلا في العام 2005!. ويمكن أن نعزو هذا التباطؤ كلياً إلى سياسة مجموعات الضغط من قدامى عمالقة صناعة الأميانت-الإسمنت [1]، مثل مجموعات "اترنيت" الصناعية البلجيكية والسويسرية [2]، بالإضافة إلى تقصير الحكومات [3]. و يلاحق القضاء حالياً، في العديد من الدول الأوروبية، مسؤولي الشركات التي لم تُبَلِّغ، كلياً أو بشكل كافٍ، عمّالها عن مخاطر تعرّضهم للأميانت. وفي محاكمات واجهها صناعيون من الدرجة الأولى مؤخراً، استمرّ هؤلاء في الادعاء أنّهم كانوا يجهلون هذه المخاطر [4].

غرّمت محكمة الجناية في مدينة ليل،في حكمٍ صدر في 4 أيلول/سبتمبر عام 2006، شركة "ألستوم باور بويلرز"، بمبلغ 75 ألف يورو بتهمة تعريض عمّالها للأميانت ما بين العامين 1998 و2001. وهذه هي العقوبة القصوى التي يمكن للقضاء أن يحكم بها على شركةٍ "تعرِّض حياة الآخرين للخطر". كما حُكِمَ على مديرٍ سابق، تعرّض هو بدوره للملاحقة، بالسجن تسعة أشهر مع وقف التنفيذ وبدفع غرامة بقيمة 3000 يورو. ووفقاً للقانون المدني، حُكِمَ على الشركة بدفع مبلغ 10 ألاف يورو لكلٍّ من موظفيها الـ150. و في العام الماضي، واجه في صقلية، ثمانية من كبار مديري شركة "اترنيت" عقوبة السجن مع وقف التنفيذ، فقاموا باستئناف الحكم. ويجري حالياً تحقيقٌ على مستوى رفيع في تورينو ضد عملاقين صناعيين واحد بلجيكي وآخر سويسري من الشركة ذاتها.

فالاميانت هو مادة جيولوجية عجيبة، إذ يتمتع بديمومة طويلة وبكلفة انتاج رخيصة، وما يزال إلى اليوم، يُستخرَج من بعض المناجم في كندا وروسيا وجنوب إفريقيا. فلا غرابة أن يجد فيه الصناعيون منجماً للذهب، وأن يصنعوا منه بكثافة ألواح مموّجة وأنسجة وكوابح للسيارات وموادّ عازلة.

ولقد استشرفت الأوساط الطبيّة الكارثة باكراً . فقد كان الطبيب الفرنسي ومفتّش العمل دنيس أوريبو، قد اكتشف الخطر في العام 1906، ووصّف أمراض "تغبّر الرئة، والسل، وتصلّب الرئتين" لدى عمال مصنع غزل ونسيج الأميانت بالقرب من "كوندي سور نوارو" (في مقاطعة كالفادوس). وذاك بعدما لفت انتباهه وفاة خمسين عاملاً من هذا المصنع. ولاحظ أن وضع أجهزة لشفط الغبار، قد ساعد في تحسين الوضع. ونشر "أوريبو" اكتشافاته في أحد النماذج الأولى من "مذكّرات تفتيش العمل". لكن الأمر، تطلّب الانتظار حتى أواسط سبعينات القرن الماضي، لكي تُعمَّم بعض إجراءات الوقاية في شركات الأميانت في القارة الأوروبية. وقد تبيّن أن هذه الإجراءات غير كافية، على أساس أن هذه المادة مسببّة لمرض السرطان، ولم يكن في الإمكان معرفة درجة التعرّض إليها والتي لا تشكل خطراً. لكن، تصنيع الأميانت بلغ ذروته في أواسط سبعينات القرن الماضي هذه. وكان العالم الصناعي يعرف ذلك، لكنه استمر في إنتاج هذا السمّ وبيعه بكلّ حرية.

ومنذ العام 1962 صاغت المفوضية الأوروبية لأعضائها الستة (ألمانيا، بلجيكا، فرنسا، إيطاليا، لوكسمبورغ وهولندا) توصيات مرفقة بلائحة للأمراض المهنيّة. ولم تكتفِ هذه اللائحة، التي نُشرت في "الجريدة الرسمية للمجموعة الأوروبية [5]" بذكر مرض "الأسبيستوز"، بل ذكرت سرطان الرئة كذلك. وقد وصف تقرير بعض الخبراء، الذين طلبت المفوضية الأوروبية رأيهم، بصورة مفصلّة مخاطر التعرض للأميانت. وقد عدّدوا المصادر الرئيسة للخطر مثل "تصنيع منتجات الأميانت-الاسمنت (الاترنيت مثلاً) وتحويلها، وأعمال العزل الحراري والسمعي، ومعالجة بقايا الأميانت". وقد لفت التقرير إلى أن الأمراض تصيب العمال الذين يتعرّضون له بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

وفي العام 1966، أوصت المفوضية الأوروبية بتأمين نشر التقرير على نطاقٍ واسعٍ، لا في أوساط الدوائر الحكومية أو المؤسسات الخاصة فحسب، وإنما بين المنظمات المهنيّة للمستخدِمين والمستخدَمين، ولدى أطباء العمل والجامعات، الخ. وممّا ورد في الطلب أن المفوضية تأمل- مع وجود معرفة أفضل بالمخاطر- أن تساهم بطريقة غير مباشرة، لا عبر إجراءٍ ضعيف، في الوقاية من الأمراض المهنيّة، وفي تسهيل عمل الأطباء [6]".

ورغم ذلك، وبينما كانت التحذيرات الجزئية الأولى بخصوص إنتاج الأميانت، قد صدرت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي في السويد والدانمارك، فقد كان يجب الانتظار حتى العام 2005 لكي يُطبّق الحظر الشامل في الاتحاد الأوروبي. وتبدو اليوم هذه المهلة الطويلة، بمثابة الكارثة. إذ لا يموت حالياً فقط عمال الأميانت، إنما أقرباؤهم كذلك، بل حتى المقيمون على ضفاف الأنهار المجاورة للمصانع. فمنذ الآن ووصولاً إلى العام 2029 سيموت في أوروبا بسبب الأميانت نصف مليون شخص، نتيجةً لمرض "الأسبستوز"، وسرطان الرئة، والغشاء الرئوي [7]. وليس جميع الضحايا من العمال السابقين في هذا القطاع، بل يوجد بينهم أناسٌ لم يسبق لهم أن عملوا في هذه الصناعة.

لئن كانت مصانع الأميانت- لحسن حظّها- قد تمكنت من مواصلة أعمالها على مدى نصف قرن، فإنها تدين بذلك، وفي آنٍ معاً، للإستراتيجيّة التجاريّة ولمجموعات الضغط المعقّدة، التي تتواجد في مجمل الدول الأوروبية.

ويوضح المحامي الهولندي الخبير في شؤون الأميانت، السيد بوب رويرز، ما مفاده بأنّه "في العامين 1929-1930، وفي الوقت الذي انكشفت تماماً تأثيرات الأميانت المرضية، كانت مصانع الأميانت تتجمّع في اتحادٍ صناعي، هو "شركات صناعة الأميانت-الإسمنت المتحدة(SAIAC) ". وقد قسّمت الشركات الأسواق العالمية إلى مجموعات من الأمم الصغيرة "miniature league of nations". وهذا ما يشير إليه متباهياً التقرير السنوي لـ"ترنر ونيوول Turner & Newall " للعام 1929. وفي المرحلة ذاتها كانت تلك التأثيرات متداولة أيضاً في مداولات "منظمة العمل الدولية" التي تناولت العلاقة بين الأميانت ومرض "الأسبستوز". وهنا ارتسم المستقبل. فمذّاك استمرت مصانع الأميانت بعناد في مواجهة الهجومات المتزايدة عليها دوماً، و كانت في كل مرّة، تدافع بكل جوارحها عن المواقف التي تتخذها" [8].

إلى درجة أن هذه المصانع توصّلت إلى إفشال العلماء في أبحاثهم. ففي العام 1965 أُغلِقَ باب مجلس نقابة منتجي الأميانت في وجه طبيب الرئة الفرنسي الشهير جود تورياف، يوم كان ينوي القيام بدراسة معمّقة أكثر، حول أسباب سرطان الغشاء الرئوي لدى أحد المصابين به من العمّال. ولم تكن حالة تورياف هي الحالة الوحيدة.

وفي مطلع ستينات القرن الماضي، توصّل الأخصّائيّ بأمراض الرئة إيرفن سيليكوف إلى أدلّةٍ دامغة حول دور الأميانت في ظهور سرطان الرئة والغشاء الرئوي. وفي العام 1964، نظّمت أكاديمية العلوم في نيويورك، مؤتمراً دولياً حول النتائج البيولوجية للأميانت، برئاسة الطبيبين سيليكوف وجاكوب تشورغ. وقد ركّز هذا المؤتمر المعارف المتعلّقة بالخطر. وبعد نشر تقريره، بات هناك إجماعٌ علميٌّ حول هذه القضية. وقد اندفع سيليكوف في التنبيه إلى مخاطر هذه الصناعة، ونظّم المعارض، ونشر الكثير، وذُكِر في العديد من المنشورات العلمية وفي الصحف. وهذا ما جعل منه، وفقاً لبعض التقارير الداخلية، "رجلاً خطيراً" على هذه الصناعة [9]. وإثر المؤتمر الدولي المنعقد في العام 1964، وزّعت شركة "أوينز كورنينغOwens Corning " الأميركية المتعدّدة الجنسية مذكّرة داخليّة جاء فيها : "ينصب اهتمامنا حالياً على إيجاد الوسائل الكفيلة بمنع سيليكوف من التسبّب بمشاكل ومن التأثير على حجم أعمالنا [10]".

مقاومة انتقادات العلماء

ناقش صناعيو الأميانت في المؤتمر الدولي لمنظمات الإعلام الخاصة بالأميانت، والذي عُقد في لندن في 24 و25 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1971، خطّة مشتركة [11]. وقد نصح السيد ف. هاو، رئيس "لجنة الإعلام الخاصة بمرض "الأسبستوز" (مانشستر) نظراءه بالتعاون من أجل وضع تشريعٍ مرتقبٍ أكثر صرامةً : "فهي الوسيلة الأكثر بساطةً لمواجهة الإجراءات الأكثر قوّةً وللتأثير على التشريعات". وبما أنّه توقّع تضاعف الهجومات على صناعة الأميانت، فقد قام بدعوة زملائه إلى القيام بعملٍ مشترك عبر تشكيل "لوبي"، من خلال لجنة عملٍ تتعاون مع وكالة جيدة للعلاقات العامة وناطقٍ رسمّي متخصّصٍ باسمها.

وقد جاءت خطط التواصل التي اعتمدها أنصار الأميانت مشابهة إلى حدٍّ كبير لخطط مصنّعي السجائر في الحقبة ذاتها. فقد تعاونوا مع وكالة العلاقات العامة عينها، وهي "هيل أند نولتون". وقد أوضح السيد جان بول تيسونيار، محامي الدفاع عن الضحايا الفرنسيين قائلاً: "لقد نفّذ منتجو الأميانت مائة في المائة ما تمّ الاتفاق عليه في هذا المؤتمر، إذ جاء القانون الفرنسي الصادر في العام 1977 أقل صرامةً من مثيله البريطاني الصادر في العام 1966. وقد وصفت جمعيات الضحايا البريطانيين قانوننا بأنه "إجازةٌ بالقتل".

وكشفت الاجراءات العديدة التي نُفِّذت مؤخراً، عن وثائق داخلية في مصانع الأميانت. وهي تعطي فكرةً عما يقع على "ضمير"هذا القطاع: فقد كان أعضاء اتحاد "ساياك الصناعيSAIAC"، يجتمعون على الدوام بهدف وضع الخطط لمقاومة هجوم العلماء وانتقاداتهم ، وكذلك النقابات والصحافة والحكومات. وفي اللقاءات التي عُقدت على المستوى الأوروبي بين مسؤولي الاترنيت البلجيكيين والسويسريين، كان "الأميانت والصحة"، هو الموضوع على جدول الأعمال دائماً.

قرّر ممثلو الشركات الحاضرة، في جولة كشفية التي عُقدت في باريس في 29 تشرين الأوّل/أكتوبر عام 1979، بأنّه: "قد تبيّن أنّه من الضروري العمل بقوّة من أجل دعم لوبي الأميانت على مختلف المستويات في أوروبا، في مواجهة العمال والنقابات والزبائن والوسط السياسي. ومن مصلحة مصانع الأميانت أن تفتّش عند اللزوم، عن موادٍّ بديلة، لكن من المهمّ أساساً ألا تتخلى أي شركة عن الأميانت [12]".

وحُدِّد الموقف الذي يجب أن يتخذ إزاء المفوضية الأوروبية (CEE) في جولة كشفية في 24 شباط/فبراير عام التي عُقدت 1981 في بروكسل. فوفقاً لما أشار إليه التقرير، انتاب المشاركون في المؤتمر آنذاك، "شعورٌ بأن على هذه المصانع أن تكافح من أجل الأميانت في أوروبا. ويجب علينا القيام بنشاطات، تورّط أعضاء البرلمان الأوروبي في قضيتنا، خصوصاً إذا كان لديهم مصانع أميانت في دوائرهم الانتخابية. كما يجب العمل على تنشيط ثقة أصحاب الطلبيات (المهندسون ومكاتب الدراسات والإدارات العامة) ومستخدمي المنتجات التي يدخل الأميانت في تصنيعها [13]".

وتوجد معارك ضارية، مختلفة من بلدٍ إلى آخر، سبقت الحظر الأوروبي المتأخر على الأميانت. ففي إيطاليا، اندفعت الحركة النقابية في ستينات القرن الماضي. إذ لم تتأخر شكوك النقابي نيكولا بوندرانو (من الاتحاد الايطالي العام "لافورو، CGIL) لكي تنتابه، حين عمل في أحد المصانع وهو في الرابعة والعشرين من عمره: " كنت أصادف في طريقي إلى العمل كل يوم جنازات تقريباً، وكان مصنع كازال يبدو متداعياً. إذ كانت ظروف العمل فيه رديئة. وبعد شهرين من بدئي العمل فيه، انتسبت إلى النقابة. ولم يكن، في تلك الفترة من السهل إقناع العمال بذلك، فالأمر يتعلّق بلقمة عيشهم. غير أن النضوج تغلّب في النهاية. فبماذا يفيد معاشٌ جيّد إن كان عملك يقتلك؟".

ولأكثر من مرة زحف العمال إلى روما في الباصات، واعتصموا أمام البرلمان الإيطالي وسائر الوزارات المعنية. ونفّذوا من أجل المطالبة بفيلترات وكمّامات وظروف عملٍ صحية أكثر، إضرابات طويلة، أضعفت حركة الإنتاج. إلى أن أقرّ قانونٌ تحظير استخدام الأميانت في العام 1992. و يقول السيد برونو بيسكي الأمين العام السابق لاتحاد النقابات الإيطالي العام بشيءٍ من الغضب : " تراوح المأساة مكانها منذ 25 عاماً. فنحن نطالب رؤوس حربة صناعة الأميانت السابقين بتعويضات محقّة للضحايا، لكنها ليست في المتناول حتى الآن. المهم أن النقابات والعمال وسكان الضفاف باتوا يعملون معاً يداً بيد".

وتعلق عائلات ضحايا كازال اليوم آمالها على المدّعي العام في المقاطعة رافاييللي غوارينييللو، الذي يجمِّع في قصر العدل في تورينو، ومنذ خمس سنوات، وثائق مقنعة ضدّ كبار المديرين المسؤولين عن مصنع الأميانت-الاسمنت إترنيت القديم. ويوضح المحامي سيرجيو بونيتو، الذي يناضل منذ سنوات من أجل الضحايا قائلاً: "إن البارون البلجيكي لويس دو كارتييه دو مارشيان (شركة الاترنيت البلجيكية) متّهمٌ مع المديرين السويسريين توماس وستيفان شميدهايني (شركة الاترنيت السويسرية) بجنحٍ بالغة الخطورة بسبب الدور الذي لعبوه. وآمل بالتوصل إلى تسوية قبل المحاكمة. لكن، في حال بقي المدّعي العام ضد أي تسوية مالية، فإن المحاكمة ستجري. وأنا شخصياً، أفضل تسوية تعوِّض مالياً على الضحايا. أما سجن مديرين من الدرجة الأولى فلا يعود علينا بنفع كبير".

أمّا في هولندا فيستفيد ضحايا الأميانت حالياً من اتفاقٍ تسوية ماليّ. وقد صرّح المحامي بوب روييه، الذي شارك في الدفاع عن حوالي 1500 شخص على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، ومن ضمنهم عشرات ضحايا اترنيت: "لم يتحقق هذا القانون من دون تعب. إذ لم يكن سهلاً إشراك عمال المصنع في التحرّك. فقد كانوا يشعرون أنّ في ذلك هجوماً على عملهم في مصنعهم. وبعد إلحاح كثير، أبدت ثلاث أرامل لعمالٍ سابقين في مصنع "غور"، في العام 1989، استعدادهن لرفع دعوى ضد شركة اترنيت. وعندها عرضت الشركة تعويضات مقنعة، ووافقت الأرامل على ذلك".

ومذّاك تكاثرت الدعاوى. وفي كل مرة كانت شركة أترنيت تستسلم. ويؤكد السيد روييه: "في العام 1999 خسرت شركة إترنيت من الدعاوى القضائية، إلى الحد الذي سلّمت فيه بالأمر، وعرضت تسويات مع العمال السابقين، من دون أن يرفع الضحايا دعاواهم. وقد عوّضت شركة إترنيت عن الأضرار مع الفوائد (أكثر من 48 ألف يورو) إضافةً إلى تعويضٍ عن الضرر الجسدي الفعلي، والذي قد يصل بشكل استثنائي إلى 200 ألف يورو. وبعد سنواتٍ اقترحت شركة إترنيت أيضاً تسويات مع أفراد عائلات العمّال السابقين فيها. و تمّت منذ ستة أشهر فقط، تسوية مع الضحايا الذين لم يعملوا في الشركة شرط أن يستوفوا بعض الشروط".

فلماذا تظهر على الخارطة الأوروبية نقطتان سوداوان حيث لم تبرز لفترة خلت، مشكلة الأميانت إلا نادراً على جدول الأعمال السياسي؟ بالتأكيد، ليس من باب الصدفة أنّ الأمر يتعلّق بسويسرا وبلجيكا، مرفئي الارتباط الثنائي الرأس لشركة إترنيت، واللذين تديرهما عائلتان من المستثمرين، شميدهايني وإمسنس.

ينتمي مساهمو شركة إترنيت البلجيكية إلى طبقة النبلاء البلجيكية السابقة، وإلى صفوة رجال الأعمال. فأسرة "إمسنس" كانت في الأساس، في مطلع القرن الماضي، أسرة ثريّة من المستثمرين المقرّبة حتى من البلاط البلجيكي. وتتألف الأسرة من فروعٍ متعدّدة ولكلٍ منها / أو كان لها أعضاء، يحتلّون مناصب في إدارات شركة إترنيت، ومن بينهم لويس بارون دو كارتييه دو مارشيان، وجان ماري، ستانيسلاس وكلود أمسنس، بول جانسن دو ليمبنز...وشركة إترنيت، التي تقوم باستثمارات قليلة الشفافية، (على غرار المجموعة الصناعية الحالية إيتكس) لم تضع أسهمها في البورصة قط. وتقيم إدارتها، المنظّمة بشكل إقطاعي، وبأعلى مستوياتها علاقات وثيقة مع سياسيين من الدرجة الأولى، أكثر منها مع العمال العاديين.

في بلجيكا، يستفيد فقط العمال الذين أصيبوا بالمرض بسبب الأميانت من تعويضٍ من صندوق الأمراض المهنية. أما العمال المستقلّون وأفراد أسر العمال وسائر الأشخاص الذين يعيشون في جوار المصانع، فيتساقطون مُهمَلين. لكن سلسلة من المقالات الصحافية طوّرت الأمور. إذ قرّرت الحكومة البلجيكية أن تخصّص سنوياً، ابتداءً من العام 2007، عشرة ملايين يورو لصندوق ضحايا الأميانت. والأمر الذي سيكون موضوع نقاش في البرلمان، هو معرفة ما إذا كانت السلطات العامة هي وحدها التي ستساهم في ذلك أم أن المصانع ستُجبَر على المساهمة أيضاً.

وإن كان ملف "الأميانت" يثير مسألة الخطأ الجماعي، إلا أنّه ليس لدى الشركات القديمة في هذا القطاع ما تخشاه من عمّالها في مجال التعويضات. فنتيجة اتفاقٍ بين الحكومة والمصانع والنقابات، لا يمكن للعمّال المستفيدين من صندوق الأمراض المهنية، أن يرفعوا أمام المحاكم دعاوى ضد مدراء الشركة، إلا إن كان هناك دليلٌ قاطعٌ على الأذى المتعمّد. وتوجد حالياً دعوى واحدة من هذا النوع قائمة.

والوضع في سويسرا، شبيهٌ بما في بلجيكا. فأسرة شميدهايني تلعب هناك الدور ذاته الذي تلعبه أسرة أمسنس. فالأخوان توماس وستيفان شميدهايني يُمسِكان بقسمٍ كبير من الاقتصاد السويسري. فالسيد ستيفان شميدهاني هو من المساهمين الكبار، وهو عضو في مجلس إدارة في شركة الطيران السويسرية وفي شركة نستله، وفي مجموعة "يو.بي.أس. UBS" المصرفية وفي شركة المحرّكات المتعددة الجنسية "أزيا براون بوفيري" (Asea Brown Boveri) وفي شركة سواتش(Swatch). و يسيطر السيد توماس شميدهايني على شركة الاسمنت العملاقة "هولسيم Holcim. أمّا السيد ستيفان شميدهايني، المدير السابق لشركة إترنيت السويسرية، فينكر كلّ مسؤولية، ويدّعي حالياً أنه يشكل قاطرة للتنمية الاقتصادية المستدامة [14]. لكن الإدارة الحالية لشركة إترنيت السويسرية أنشأت في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، مؤسسة لتعويض الضحايا الذين يثبتوا بأن مرضهم ناتج عن أميانت شركة إترنيت، والذين يواجهون في النهاية صعوبات مالية. وقد حدّدت موازنة المؤسسة عند سقف 900 ألف يورو.

لكن الدعاوى العديدة وطلبات التعويض هذه، لن تضع حداً لهذه المشكلة في أوروبا. إذ يجب إبعاد آلاف الأطنان من الأميانت، سواء عن المساكن الخاصة أم عن المواقع الصناعية والمباني العامة. فمصنع الأميانت السابق نادراً ما يتحمّل، إن لم نقل أبداً، تكاليف عمليات التطهير. فإذا بالمواطنين والشركات والإدارة ينتهون حاملين همّ "النفايات" على أكتافهم وأيديهم.

لو كانت المصانع قد عرفت مبادئ الوقاية في حينه وطبّقتها، لما بلغ عدد الضحايا هذه الدرجة المرتفعة. ويمكن التساؤل في مطلق الأحوال عمّا إذا كانت المصانع بشكلٍ عام، وأوروبا بنوع خاص، قد استخلصت العبر من هذه المأساة. فحين دخل حظر الأميانت حيِّز التنفيذ، بدأت المصانع الغربية، من دولة إلى أخرى، تبيع معدات مصانعها إلى الدول النامية وتمنحها التراخيص. ووفقاً لما يقول كزافييه جونكييري، رئيس الجمعية البلجيكية لضحايا الأميانت (ABEVA)، في مؤتمرٍ حول الأميانت عُقد في البرلمان الأوروبي في 22 و23 أيلول/سبتمبر عام 2005، فإنها "تصيب كل دول العالم، مثل أخطبوطٍ ينشر مجسّاته. فما هو محظورٌ في بلادنا بات مرخّصاً له في أماكن أخرى، حيث قانون العمل غير ملزم، وحيث تنعدم تقريباً مستويات الحماية، وحيث تكون "لوبيات" الأميانت نافذة جداً [15]".

وهناك بعض الدول "النموذجية"، مثل كندا، ما تزال تستثمر مناجم الأميانت. ويبدو أنها لن تتوقف قبل أن تستنفذها كلياً.


* صحافيان، (بلجيكا)، بدعم من مؤسسة باسكال دوكروز Pascal Decroos (Flandre) (بلاد الفلمنك)

[1] هي عملية صناعية اخترعها لودفيك هاتسشيك في مطلع القرن العشرين وتقوم على دمج ألياف الأميانت مع الاسمنت.

[2] إترنيت هي براءة اختراع أعطت اسمها لشركات مختلفة لا تنتمي بالضرورة إلى المالك نفسه.

[3] لم يأتِ المنع النهائي في بلجيكا وأنكلترا وفرنسا إلى في سنين التسعينات.

[4] اقرأ:Patrick Herman et Annie Thbaud-Mony, La stratgie criminelle des industriels de l’amiante , Le Monde diplomatique, juin 2000.

[5] Recommandations de la Commission de la CEE , Journal Officiel, d.d. 31.8., n 80, 23 juillet 1962.

[6] Journal Officiel, d. d. 9.8., n 147, 20 juillet 1966.

[7] راجع Hesa News Letter, 27 juin 2005، حيث أعيد إلقاء أوّل موقف للاتحاد الأوروبي في اللجنة الخاصة التابعة لمنظمة التجارة الدولية WTO جنيف 21 آيار/مايو 1999.

[8] Ruers, R. F. et Schouten N., “ The Asbestos Tragedy: Eternit and the Consequences of 100 years of Asbestos Cement”, Socialist Party of the Netherlands, juillet 2005.

[9] مقتطفات من تقرير اجتماع :"أسبستوس تكستيل إنستيتيوت" في العام 1971، حيث جرت مناقشة، من ضمن ما نوقش، كيفية محاربة سيليكوف. راجع:Barry Castleman, Asbestos Medical and Legal Aspects, cinquime edition, Aspen Publishers, 2005, p. 593.

[10] Owens Corning, note interne publie in Barry Castleman, Asbestos Medical and Legal Aspects, fifth edition, op. cit.

[11] وثيقة داخلية "مؤتمر دولي لمنظمات المعلومات عن الأميانت، لندن، 24-25/11/1971.

[12] Rapport Tour d’horizon , Paris, 29 octobre 1979.

[13] Rapport Tour d’horizon , Bruxelles, 24 fvrier 1981.

[14] www.stephanschmidheiny.net

[15] Amiante : les cots humains de la cupidit des entreprises , Gauche unitaire europenne / Gauche verte nordique (GUE/NGL), Bruxelles, 2006.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان