الافتتاحية > كانون الثاني/يناير > 2007

سمير العيطة

زيارة إلى المملكة العربية السعودية

كل عام وأنتم بخير. هذا عددٌ ممتاز بمناسبة مرور عام على صدور طبعتي باريس والمملكة العربية السعودية (مع صحيفة الرياض) من لوموند ديبلوماتيك، النشرة العربية؛ واحتفاءً بصدور العدد الأوّل في البحرين (مع صحيفة الوقت). أسرتنا أضحت كبيرة أيضاً مع مصر (مع صحيفة الأخبار) وقطر (مع صحيفة الوطن) وأخيراً الكويت (مع صحيفة القبس).

شاءت الأقدار أن يجري تحضير هذا العدد وأنا أزور المملكة العربية السعودية. كانت هذه أوّل زيارة لي لمنبت "العرب" ومصدر الإسلام. الانطباع الأوّل كان عمرانياً: "الولايات المتحدة بطابعٍ عربيّ وإسلاميّ". مدنٌ تمتدّ على أميالٍ، منظّمة في مربّعاتٍ كبيرة، تشقّها طرقٌ واسعة، منها السريعة؛ وتبرز على شوارعها الرئيسة ناطحات سحاب ومجمّعات تسوّق، وينتثر السكّان في بيوتٍ أغلبها إفراديّة، تجتمع أحياناً ضمن أسوارٍ محروسة. الإعلانات في كلّ مكان. كل شيءٍ يوحي بمجتمعٍ استهلاكيّ مُفرِط.

مع الأيام، وبالتنقّل بين الرياض وجدّة، برز طابعٌ آخر: "مجتمعٌ متعدّد"، كذلك الذي نشهده أثناء الحج. سعوديّون بجذورٍ مختلفة، وعربٌ مقيمون، أغلبهم يمنيّون وحضرميّون ومصريّون و"شوام" (بالمعنى العريض) بات لهم دهراً في هذه الأرض، وكذلك أندونيسيون وباكستانيون وبنغاليون وغيرهم من أصقاع العالم الإسلامي. أغلب سائقي السيارات هناك من هؤلاء الأخيرين (وكم الحاجة إليهم ماسّة هناك، حيث المرأة لا يمكنها قيادة السيارة). أوضاعهم تمثّلها نكتة متواردة عن أحدهم يأخذ درساً في القيادة، ويصل إلى ساحةٍ مكتظّة، فيسأله أستاذه: لمن الأفضليّة في "الدوّار"، فيجيب تلقائياً: "حتماً للمواطن السعودي!" أمّا العرب، فيمثّل أوضاعهم الابن الشاب لأحد الأصدقاء الذي يتساءل بسذاجة: "لماذا لا يحق لي الذهاب إلى الجامعة هنا؟ أنا لا أعرف مكاناً آخر مذ ولدت غير السعودية". هذا المجتمع المتعدّد ما زال إذاً يبحث عن لُحمةٍ وقواعدٍ اجتماعية في التعامل بين مواطنيه أنفسهم ومع مقيميه (الشرعيين)، لائقةٍ بالقيم التي نشأت فيه.

ليس ثمة حرج لديّ في طرح الموضوع بهذه الصراحة، فالأرض هذه تحوي جذوري، ولوموند ديبلوماتيك تطرح مشاكل المساواة والحقوق لأبناء العرب والمسلمين في أوروبا وغيرها؛ والمواطنون السعوديون أبناء الجزيرة أنفسهم يطرحون هناك أكثر من ذلك في صحفهم وكتبهم ورسائلهم الإلكترونية الغزيرة.

بلدٌ مليءٌ إذاً بالتناقضات الصارخة. عمرانٌ وشوارع وساحات وشواطئ جميلة من ناحية، وأحياءٌ فقيرة تنقطع عنها مياه الشرب (وأحياناً الكهرباء اللازمة للمكيّفات) لأيامٍ متتالية. قصورٌ فارهة وبيوتٌ تراثيّة جميلة متروكة للرياح (وأقصد هنا بالذات منازل جدّة التاريخية القديمة ذات الطابع الجميل). حكومةٌ تجبر الشركات على "السَعْوَدة" (أي توظيف حدٍّ أدنى من المواطنين) وشبابٌ سعوديون لا يقيّمون إلاّ العمل الحكومي والأعمال التجارية الحرّة [1]. نساءٌ تتراكضن على أخذ الوظائف ومنافسة الرجال لإبراز وجودهنّ في بلدٍ لا تستطعن فيه قيادة سيّارة ولا حتّى السير على الأقدام وحدهنّ (اللهم إلاّ في بعض واحات الحريّة النسبيّة).

ديناميّة جديدة تشهدها إذاً السعوديّة، بل "تغيّرات وتحوّلات في أنساق القيم، خاصةً التنشئة، العمل، الإنفاق والادخار"، تعود "إلى المؤثرات الكوكبية أو العالميّة التي غزت المجتمع السعودي فأحدثت صراعاً قيمياً وخلخلة قيميّة داخل المجتمع. خاصّة وأن أهم فئة تتأثر بالروافد الخارجية هي فئة الشباب" [2].

وعندما تتحدّث مع أهل البلاد عن مآل هذه الديناميّة، لا يبدو لك أن الأمر يتوقّف في الجوهر على صراعٍ بين القِدَم والحداثة، بين المصلحين والأصوليين. فالتجارة ومفهوم السوق متأصّلة في هذه البلاد، وكذلك قيم التضامن الاجتماعي والمدينيّ [3]. بل يبدو لك أن الأمر سيتوقّف على الصيغة التي سيعي بها أهل هذه البلاد (وخاصّة شبابهم) كيانهم كمجتمعٍ كامل. وهناك جميع العناصر لكي يبرز هذا الوعي ويقوى.

فاقتصاد الريع ليس كل شيء، وانهيار البورصة السعودية وإفلاس الكثيرين ليس بعيداً عن التساؤلات التي يطرحونها اليوم حول أنّ القيمة ليست فقط بالكماليات الاستهلاكية. والذي تربّى على يد مربيّةٍ من أقاصي الدنيا، لا تتكلّم حتّى العربية، لا بدّ له أن يبدي شيئاً من التضامن والإنسانية تجاه أولاد هذه المربيّة الذين يعيشون دون حقوق. والهجمة التي تتعرّض لها البلاد العربية من قبل الولايات المتحدة، لا بدّ أن تقوّي عنده شعورٌ بالأخوّة، بل بالمواطنة، مع ذلك العربي، ابن الذي عمّر بلاده مع آبائه. والعزيمة التي تبديها النساء في العمل، لا بدّ من أن تدفعه إلى الاعتراف بحقوقها.

لماذا عندي هذا التفاؤل؟ لأنّ أكثر ما أثلج قلبي خلال هذه الزيارة، هو الدعوات في خطب الجمعة التي استمعت إليها، وفي الأحاديث الفرديّة، إلى نبذ الصراعات والخلافات المذهبيّة في الإسلام. فلتكن الانطلاقة من هذا الأساس...


* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com

[1] د. شريقي الجابري: التحوّلات الاجتماعية-الاقتصادية وتأثيراتها في بعض القيم الاجتماعية بالمجتمع السعودي، جدّة، 1423 هـ(2002).

[2] المصدر نفسه.

[3] محمد يوسف محمد حسن طرابلسي: جدّة...حكاية مدينـة، جدّة 1427 هـ(2006).

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان