العالم العربي والإسلامي > كانون الثاني/يناير > 2007

وندي كريستياناسن

من هم مسلمو بريطانيا؟

غابة من التنظيمات

تضمّ بريطانيا 2،5 مليون مسلم، أي ما يعادل 3 بالمئة من عدد سكّانها على وجه التقريب. وقد أقام بعضهم هناك كبحّارة منذ القرن الثامن عشر، لكنّ الهجرة الكبرى بدأت في نهاية الخمسينيات. وثلثا المسلمين من أصول آسيوية، هنود وباكستانيّون (وهم الأكثر عدداً، 660 ألفاً، وغالبيّتهم العظمى من الريفيين) ومن بنغلادش؛ ويمكن أيضاً إحصاء عراقيّين ونيجيريّين وإيرانيين التحق بهم جزائريّون وصوماليّون وبوسنيّون ومن سكّان إقليم كوسوفو... أكبر تمركز للمسلمين، أي نحو 750 ألفاً، موجود في مدينة لندن ومنطقتها، ضمن أحياءٍ مختلطة تتكلّم أكثر من خمسين لغة. ويُضاف إلى هذا التنوّع الإثني تعدّدٌ في الانتماء المذهبي، ولو أنّ الغالبية الساحقة من المسلمين هم من السنّة.

اتجاهان سنّيان يطغيان على المشهد. "الباريليون" Barelvis، الأكثر عدداً، وفيهم غالبيّة من الباكستانيّين. وهم الأكثر انقساماً والأقلّ تنظيماً. إنّهم تحالفٌ من المدارس الصوفيّة اتخذوا لهم اسم علاّمة مُسلم من مدينة باريلي شمال الهند، ويتم تمثيلهم خصوصاً عبر المنتدى الإسلامي البريطاني. يأتي من بعدهم "الديوبنديون" Deobandis على اسم مدرسة دينيّة تقع في مدينة ديوبند الهندية إلى الشمال الشرقي من دلهي. هؤلاء أقلّ عدداً لكنهم أكثر نفوذاً من الـ"باريليين"، وهم متزمّتون دينياً ومحافظون اجتماعياً، وتقوم مساجدهم ومدارسهم بإعداد أغلب الأئمّة المولودين في بريطانيا. وقد التحقت بعض من فروعهم في شبه القارّة الهندية بالجهاد العالمي، وهم يؤيّدون عموماً المجلس الإسلامي البريطاني.

من ناحية أخرى، تقوم في بريطانيا منظّمة كبيرة للدعوة تحت اسم "جماعة التبليغ"، مركزها الأوروبي الرئيسي هو في دوزبوري، يوركشاير، وهي لاسياسيّة، ولو أنّ تنظيمها الهشّ يسمح بتغلغل عناصر تنظيم القاعدة إلى صفوفها. والحركة تنظّم وتُعِدّ الدُعاة المسلمين من أتباع "الديوبندية" لترسلهم في للتبشير لفترات متفاوتة.

من الصعب أحياناً التمييز بين مختلف التيّارات والمنظمات السياسية الإسلاميّة. فالسلفيّون السنّة يدعون إلى العودة إلى مجتمع الأصول، مجتمع النبيّ محمّد (ص). وهم يمارسون نفوذهم عن طريق الأئمة المتخرّجين من جامعة المدينة المنوّرة. أيديولوجيّتهم وتأثيرهم منتشران، وهم يسهمون في "تجديد الأسلمة" (born again). ويشمل التيار السلفيّ، ذي التبعية الضبابية، ثلاث نزعات: الإصلاحيّون والتقليديّون والجهاديّون. وهكذا فقد جعل تجذّر الجهاديّين في بريطانيا من هذا البلد موئلاً لمناضلي تنظيم القاعدة الذين طُردوا من أفغانستان.

وغالباً ما يتمّ الخلط بين الوهّابية [1] والسلفيّة، حيث تُستخدَم العبارتان إحداهما بديلة عن الأخرى. فالسلفيّون، وبالرغم من كونهم محافظين، فهم يعملون بالاجتهاد ويرضون بأهميّة العلوم والتكنولوجيا، وهم ناشطون اجتماعياً ويسعون إلى أسلمة المجتمع.

ومن بين المنظّمات السياسية، هناك "جماعة إسلامي" التي أسّسها السيّد مودودي في لاهور عام 1941؛ وتمثّلها المؤسّسة الإسلامية والبعثة الإسلامية في بريطانيا، وهذا مّا يمنحها وزناً ثقافياً وفكرياً. ونجد في صفوف غير الآسيويّين تأثير الإخوان المسلمين الذين أسّس جمعيتهم السيّد حسن البنّا في مصر عام 1928، والذين يتمتعون بقاعدةٍ محدودة، عربيّة أساساً؛ ويُنظر إليهم كالـ"الأخ الأصغر" لـ"جماعة إسلامي" التي انشقّوا عنها عام 1997 عندما أنشؤوا الجمعية الإسلامية في بريطانيا (Muslim Association of Britain, MAB). وقد وسّعوا من حضورهم في صفوف الشباب من أصولٍ آسيويّة، مع مشاركتهم في مناهضة الحرب على العراق في نطاق التحالف لوقف الحرب (stop the war).

يؤكّد "حزب التحرير-بريطانيا"، في منشوره الفاخر، أنّه قد "أُسِّس في العام 1953 وأنّه حزبٌ سياسيٌ إسلاميّ لاعنفيّ". وبعد أن هُدِّد بالمنع نهاية 2005، عدّل حزب التحرير كثيراً من لهجته، مُستخدماً لغةً غربيةً ناعمة للتعريف بأهدافه ولاسيّما إعادة الخلافة (ليس في بريطانيا بل في العالم الإسلامي) وعدم المشاركة في الانتخابات البريطانية. وهو لا يعود بأية مرجعيّة إلى الحزب صاحب التسمية ذاتها الذي أُسِّس في القدس عام 1953 والممنوع حالياً في الشرق الأوسط. ويؤكّد حزب التحرير أنه أقصى من صفوفه السيّد عمر بكري محمد عام 1996، لكنّ داعيةً متطرّفاً آخر، هو السيّد فؤاد حسين، ما زال عضواً فيه.

ولمسجد فينسبوري بارك مكانةً خاصّة بصفته أحد معاقل التطرّف. فقد ارتبطت أسماء شخصيّات هامّة بهذا الجامع الواقع شمال لندن، ومنهم أبو حمزة المصري الذي اعتُقِلَ في 2004 بتهمة التشجيع على الكراهيّة والقتل، وأبو قتادة (عمر محمود) الذي أُوقف بدوره عام 2002 بعد عامٍ ونصف من الاختباء، خصوصاً وأنّ لندن تريد تسليمه إلى الأردن. كما أن ريشارد رايد "المتّهم صاحب الحذاء" وثلاثةً من منفّذي عملية 7 تموز/يوليو كانوا يرتادون هذا المسجد.

أخيراً يتابع حزب "المهاجرين" (الذي غيّر اسمه عدة مرات: "الغرباء" أو المخلّصون The saved ...) نشاطه السرّي، مُعتقداً أنّ الديمقراطية لا تتماشى مع الخلافة وأنه لا يُفترض بالمسلمين الاقتراع في بريطانيا. وقد وافق زعيمه السيد عمر بكري محمد وأتباعه على اتفاق لاعنفٍ مع الحكومة البريطانية التي استخدمت لقاءات وشبكات الجمعيّة لمراقبتهم. وكان الاتفاق قد انفسخ قبل 7 تموز/يوليو. ودعا حزب المهاجرين للتظاهر أمام السفارة الدانمركية في لندن أثناء قضيّة الرسوم الكاريكاتوريّة التي تناولت الرسول محمّد (ص)؛ وهو لا يخفي إعجابه بالسيّد أسامة بن لادن.


* صحافيّة، لندن.

[1] سمّيت باسم محمد بن عبد الوهاب، وهو داعية وقّع اتفاقاً عام 1774 مع محمد ابن سعود الذي كان أميراً محلّياً في منطقة نجد، وهو ما أدّى إلى قيام أول مملكة سعوديّة دامت حتى العام 1818. يدعو الوهّابيون إلى قراءة حرفيّة حنبليّة للقرآن.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان