
مراجعات كتب > كانون الثاني/يناير > 2007اريك رولو"شيراك العرب"
هل السيّد جاك شيراك مؤيّد للعرب؟ هل أطلق "سياسة فرنسا العربيّة"؟ هل أدّى على الأقلّ دوراً حاسماً على مسرح الشرق الأدنى؟ يحاول صحافيّان متخصّصان من صحيفة "ليبراسيون" الإجابة عن هذه الأسئلة، وكتابهما "شيراك العرب" [1] مثير للاهتمام على أكثر من صعيد: فهو مكتوبٌ بأسلوبٍ سَلِس، يعتمد الوقائع والأخبار ذات الدلالة، إضافةً إلى الشهادات المتعدّدة من أطرافٍ فاعلين أو من شهودٍ على الدبلوماسية التي قادها السيّد شيراك منذ عقودٍ من الزمن. إنّها رواية جزءٍ من التاريخ المعاصر كما صنعه رجلٌ كان غالباً في قلب السلطة، وزيراً، رئيساً للوزراء، رئيساً لبلديّة باريس أو رئيساً للجمهورية. وممّا لا شكّ فيه أنّ شيراك، وخلافاً لمن سبقوه على رأس الدولة، يعرف العالم العربيّ عن كثب، يفهمه ويحسن اللعب على أوتاره الحسّاسة. وسواء كان صادقاً أم ساخراً صلفاً، فإنّه منبهرٌ بهذا العالم الغامض الذي يسيطر عليه المشايخ والأمراء والملوك والعسكريّون باللّباس المدني، ويعرف كيف ينسج معهم علاقات شخصيّة، لا بل عاطفيّة، دون أن تخلو هذه العلاقات من المصلحة. وهو قادرٌ، دون شعورٍ بالذنب، على التعامل مع الأنظمة الأكثر رجعيّةً في العالم، بشرط أن تكون "مستقرّة" ومفيدة مادّياً. فالعالم العربي، الأفريقي أو الآسيوي، يذخر في الواقع بالموارد الحيويّة للاقتصاد الفرنسي. وقد تبيّن ذلك باكراً، في العام 1974، عندما أقام شيراك علاقات "صداقة" وثيقة مع صدام حسين، الرجل القويّ في النظام العراقي. وكانت صداقة مثمرة، إذ أنّ فرنسا حصلتْ، حتى حرب الخليج 1990-1991، على عقودٍ هائلة في النفط والتسلّح إضافة إلى مبادلات تجاريّة مكثّفة. في الواقع، يعرف شيراك إخفاقات ونجاحات "السياسة العربية" لفرنسا التي كان قد أطلقها الجنرال ديغول ومارسها أسلافه جورج بومبيدو وجيسكار ديستان وفرنسوا ميتران، كلٌّ على طريقته. مع أنّ هذا الأخير كان قد عبّر عام 1991، بصوت وزير خارجيّته رولان دوما، عن أنّ هذه السياسة ليست سوى "وهم". الصحافيّان الكاتبان، إيريك آيشيمان وكريستوف بولتانسكي، ليسا بعيديْن عن هذا التفكير. بيد أنّ الوهم والحقيقة يلتقيان عند توضيح الأمور: ففرنسا "مؤيّدة للعرب" عندما تبدي تضامنها مع القضايا القليلة التي تتوافق عليها شعوب المنطقة، كالنزاع العربي الإسرائيلي أو السجال الدائر في الغرب حول الإسلام. لكنّ التنوّعات الجيوسياسيّة الكبيرة في بلدان الشرق الأوسط والخلافات بين هذه البلدان تحول دون أي خلطٍ للأمور حول إطلاق تسمية "سياسة عربيّة". ويُعطي المؤلفان أمثلة على هذا التمايز، عن طريق وصف العلاقات المتناقضة لفرنسا مع بلدانٍ مختلفة مثل المغرب أو السعودية، سوريا أو لبنان، دون نسيان كيف كان شيراك يحتقر عرفات حتى الثمانينات، ليعود ويعبّر له عن التقدير والاحترام ومشاعر الصداقة حتى وفاته في إحدى المستشفيات الباريسيّة. دراسة جامعيّة باللّغة الانكليزية صدرت مؤخّراً، بقلم دايفيد ستيان، تحت عنوان "فرنسا والعراق" [2]، تختصر جيداً العوامل التي دفعت بفرنسا إلى إقامة علاقات متينة مع العالم العربي: التجاور الجغرافي والتاريخي والثقافي مع منطقة كانت مستعمَرة في الماضي، أهمّية المبادلات التجارية معها، ضرورة ضمان السلم الاجتماعي في فرنسا نظراً لوجود أقلّيات عربية وإسلامية فوق أراضيها (وهي أكبر الأقليات في أوربا)، وأخيراً واجب الدفاع عن مصالحها أمام المنافسة مع دول صناعيّة أخرى، لاسيّما الولايات المتحدة التي تسعى إلى تهميش الدول الأوربية في منطقة تعتبرها "محميّة مطوّبة" لها. وفي ما يخصّ العراق، يُضيف دايفيد ستيان ضغوطات لوبي واسع النفوذ مكوّن من "عصابة الأربعة" - شركات داسو وطومسون وماترا وأيروسباسيال - مع موظّفين كبار في الإدارة وسياسيّين من اليمين واليسار، كانوا معجبين بالديكتاتور الدموي في بلاد ما بين النهرين إلى حدّ نعته بـ"ديغول العراق". ألم يكن يدافع عن سيادة و"عظمة" بلاده؟ وكانت بعض الشخصيّات الجمهورية تدافع، ببراءةٍ على الأرجح، عن أنّ "علمانيّة" النظام البعثيّ تشكّل سدّاً في وجه التوسّع الإسلامي لإيران الخمينيّة. وقد ساهم سخاء سيّد بغداد تجاه بعض الأحزاب السياسية والعديد من الجمعيّات في تكثيف جوقة المدائح التي كان يحظى بها. في الصورة القاسية أحياناً التي يرسمها آيشيمان وبولتانسكي لجاك شيراك، لا يخطئان كثيراً بنعته بـ"دوّار الهواء". فهو غير مستقرٍّ وليس وفيّاً تجاه "أصدقائه" السياسيّين، يتبنّى رأي محاوره الظرفيّ ولا يتردّد في الوقوع في تناقضاتٍ في الرأي. وهو قد غيّر في واقع الحال توجّهاته عندما قام بإلحاق السياسة الفرنسية الخارجية إلى حدٍّ ما بالسياسة الأميركية. وجاء أبرز مواقفه في عام 2003 عندما عارض بأبّهة اجتياح العراق دون أن تتمّ متابعة ذلك، إذ سار بعدها على خطى الرئيس جورج والكر بوش في الشرق الأوسط حول النزاع العربي-الإسرائيلي (مقاطعة حكومة حماس، التقرّب الواضح من إسرائيل) وحول الاحتلال المُستديم للعراق والملفّ النوويّ الإيراني. بيد أن ردّ هذا التغيير في التوجّه فقط لأطباع الرئيس الحالي ليس إلاّ، هو خطأٌ في التحليل. فالسؤال الممكن طرحه هو حول مدى قدرته على الاستمرار في مسارٍ تعارضه الأوساط الأطلسيّة في فرنسا، حتى داخل حزبه. وهل من الواقعيّ معارضة الولايات المتحدة التي تتمتّع بتأييدٍ مُتواطئٍ من كافّة الدول العربيّة تقريباً؟ وهل في مصلحة فرنسا الابتعاد عن الموقف الأوروبي المؤيّد بازدياد لأميركا منذ انتساب البلدان الشيوعيّة السابقة إلى الاتحاد الأوروبي، وهؤلاء الأخيرون في غالبيّتهم حلفاءٌ الولايات المتّحدة دون قيدٍ أو شرط؟
* صحافي، سفير سابق.
[1] Eric Aeschimann et Christophe Boltanski, Chirac d’Arabie. Les mirages d’une politique franaise, Grasset, Paris, 2006, 19,90 euros. [2] David Styan, France and Iraq. Oil, arms and French Policy, I.B. Tauris, Londres-New York, 2006, 272 pages, 69,50
|