مراجعات كتب > كانون الثاني/يناير > 2007

آلان شينال

مفهومان متعارضان للـ"حرب المقدّسة"

"حدود الجهاد"

نادراً ما تمكّنت صورة الغلاف في كتابٍ ما من التعبير بهذا الوضوح عن الأطروحة الأساسية للكتاب كما جرى في "حدود الجهاد"، للكاتب جان بيار فيليو [1]، وهو اليوم أستاذ مشارك في معهد الدراسات السياسيّة في باريس، ومؤلّف مراجعة تحصيلية لافتة للنظر حول "ميتران وفلسطين" صدرت عن دار فايار للنشر عام 2005. ونرى على الغلاف السيّد أسامة بن لادن جالساً أمام خارطة لأفغانستان، مُمدَّدة أرضاً، وهو يشير بطرف عصاه إلى البانشير، منطقة أحمد شاه مسعود، أحد أبرز وجوه المجاهدين الذي اغتيل في 9 أيلول/سبتمبر 2001...

ففي نظر الكاتب، هناك مواجهة دون هوادة بين نوعين مختلفين من الجهاد: واحدٌ شامل، دمويّ، عدائيّ، ومُنبثق من العولمة؛ والآخر جهادٌ تقليديّ، محلّي، مُرتبِط بالمقاومة الوطنية، ويغرِس جذوره عميقاً في قلب التاريخ الإسلاميّ. يبدأ الكاتب بالتعريف الواضح والصلب بأُسس هذا الجهاد في الإسلام الأوّل، ولا يغفل عن أنّ الجهاد المُسلَّح هو جزءٌ يسيرٌ من المجهود الشامل المطلوب من كلّ مسلم. ويمكن لهذا الجهاد أن يكون نشراً للإيمان، كما حصل من البدايات حتى العثمانيّين والمغول؛ ويمكن له أن يكون دفاعيّاً كما حصل ابتداءً من الحروب الصليبيّة.

ومع التوسّع الاستعماريّ والامبريالي الأوروبي، متضمّناً الروسيّ، تحوّل الجهاد إلى فعلِ تحريرٍ في الأساس. وقد أدّت فيه مسألتا التراب الوطنيّ والحدود الدور الأوّل؛ وكانت رموزه وجوهاً مُفعمة بالروحانيّة ذات البعد الصوفيّ، أمثال الأمير عبد القادر الجزائري والإمام شامل في القوقاز. ويُبرّر استخدام تعبير "الجهاد" عموماً في الإشارة إلى هذه الحوادث التاريخية الوطنيّة ذات السمات المختلفة إلى حد بعيد، ليس بفعل "الموضة"، بل لكون المقاتلين أنفسهم، من جبال الأوراس إلى جبال بامير، قد أطلقوا على أنفسهم تسمية "المُجاهِدين"، بصرف النظر عن التسمية التي ألصقها بهم الغربيّون، من لصوصٍ أو إرهابيّين أو مقاومين أو مقاتلين من أجل الحريّة، الخ.

وقد دخل هذا الجهاد في مجابهة مباشرة مع جهادٍ شموليّ معاصر، ينتقل من أرض جهادٍ إلى أخرى، بحثاً عن "قواعد" يُطلِق منها مشروعه العالميّ: وهكذا جرى استلام السلطة بالتعاون مع الطالبان في أفغانستان، وفشل في الأردن، وتحوّل التمرّد الدمويّ في العراق إلى نزاعٍ مع الشيعة. أمّا النجاح الوحيد الذي قد يكون من شأنه ذات يوم توحيد هاتيْن النزعتيْن المتعارضتيْن في الجوهر، فهو بنظر الكاتب الانتصار في السعودية، أرض النبيّ، على ركام مملكةٍ لم تغتسل أبداً من جريمتها الأصليّة في تصفية "الأخوان المسلمين" عام 1934.

إنه تحليلٌ فريدٌ يثير أسئلة عميقة عن طريق الاستعاضة عن التمييز التقليديّ بين الإسلام المعتدل والراديكاليّ بالتركيز على نزاعٍ جوهريّ في صلب الجهاد نفسه. فهل يمكن أن يكون صديقاً لنا كأوروبيين هذا الجهاد الوطنيّ المدافع عن الأرض، الذي لا يتحدّث لغتنا السياسية، والذي لا يعدّ عدواً لنا، بل الذي قد يحمينا من هذا العدو؟ كيف نفهمه، وكيف نستجيب له؟

سؤالٌ آخر: هل تمتدّ جذور هذا الجهاد الشامل المُنبثِق من العولمة إلى تاريخ القرن الماضي؟ هل هو خيارٌ دائمٌ أم مجرّد ظاهرةٍ عنيفة، في حقبةٍ من التاريخ، عانت من الفشل أكثر ممّا حقّقت من النجاحات؟ المؤكّد، كما يقول باتقان علي سعيدي في "عودة الشعلة" [2]، وهو كتابٌ مُكمِّلٌ للأوّل، إن "انقلاب العالم" يتغذّى من الفجوات الكبيرة التي يعانيها من جرّاء الأحاديّة الأميركيّة.


[1] Jean-Pierre Filiu : Frontires du Jihad, Fayard, Paris, 2006, 366 pages.

[2] Ali Sadi : Retour de flamme. Comment la mondialisation a accouch du terrorisme, Calmann-Lvy, Paris, 2006, 248 pages

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان