مقالات > كانون الثاني/يناير > 2007

كليا شاكرافيرتي

الهند تبحث عن هوية للقرن الحادي والعشرين

أكثر من مليار نسمة. 28 ولاية وسبعة أقاليم. 18 لغة رسمية، عدّة أديان وطوائف وأثنيات متساكنة، نحو مئة قبيلة، العديد من التقاليد والثقافات، مشهدٌ اجتماعي بتراتبيّة صارمة. المسافر إلى الهند يُصاب بسرعة بالدوار. ففي القطارات حيث يمكن تبادل الأحاديث لساعات، يكفي التعرّف على اسم محدّثك كي تعرف هويته: هندوسياً أم لا، من أي فئةٍ أو طائفة، من أي منطقةٍ وحتى من أي مستوى تعليمي. فللاسم أهميةٌ بحيث تنشر الصحف يومياً إشعارات تخص أفراداً غيّروا أسماءهم رسمياً لأسبابٍ دينية وأيضاً اجتماعية. كذلك تكفي مراجعة إعلانات الزواج للتعرّف على مختلف هويّات الزوج المقبل: مهندس، لون الجلدة فاتح، الطول متر و80 سم، العائلة من جنوب دلهي، عضو في هذا النادي أو ذاك، من أتباع المذهب الجايني الهندوسي، لا يدخّن...

كثرٌ من يودّون اختصار الهند ببُعدها الديني فقط، لاسيّما الهندوسي. لكن يمكننا أن نلاحظ مع أمرتيا سن [1] أنّه "لا يمكن مقاربة الثقافة الهندية المعاصرة دون الأخذ في الحسبان الدور الرئيسي للمسلمين في بلادنا". عددهم 145 مليون نسمة، فالهند هي البلد المسلم الثاني في العالم. لكن يمكن للهوية الهندية أن تكون سيخية أو مسيحية أو بوذية أو جاينية أو يهودية أو فارسية... أو ملحِدة. وفي الواقع، كما يقول أمرتيا سن أيضاً، "لا يمكن اختزال الفرد إلى هويّةٍ واحدة. فهناك ميزات متنوعة يمكن أن ننتمي إليها معاً".

وقد أدّى انفجار الشعور القومي الهندوسي والمآسي التي خلّفها (تدمير مسجد بابري في 6 كانون الأول/ديسمبر 1992، أعمال العنف التي تلت ذلك...) إلى وضع مسألة الهويّة في صلب النقاش الهندي للقرن الحادي والعشرين. ولكي ندرك حجم التحديات، لا مفرّ من الاطّلاع على الكتاب الأخير الذي قام بتنسيقه كريستوف جافريلو [2]. فبمشاركة ثلاثين اختصاصياً، كتب سيرة الهند من عام 1950 إلى اليوم مع التركيز على مسألة الفيدرالية الهندية كما على موقع المرأة ودور الصحافة، مع تدليلٍ على تعدد التقاليد الثقافية والجذور العلمانية للبلاد.

ماذا يعني أن تكون هندياً في القرن الحادي والعشرين؟ يكتب الدبلوماسي السابق بافان ك. فارما في كتابه "التحدّي الهندي" [3] قائلاً: "منذ سنوات قامت الأنتليجنسيا والنخب الهندية طوعاً بالتركيز على صورة تجميلية للهنود يدركون أنها خاطئة. والأسوأ من ذلك أنّهم اليوم أُغرِموا بهذه الصورة وأصبحوا يرفضون أن تكون خاطئة". ويعتبر فارما أنه إذا كان يحقّ للهنود إعطاء هويتهم بُعداً ميتولوجياً عام 1947، فالهند من الأهمية بحيث لا يجب أن تبقى أسيرة هذا الوهم. ويقدّم فارما فكرة هوية هندية جامعة متطوّرة مصنوعة من "طموحاتٍ مشتركة" و"تضامنٍ مستوحى من قيودٍ متشابهة" تنهض من بين "موزاييك الهويات".

"السعي للتكيّف، هي العبارة التي تعرّف عنّا"، هذا ما يهتف به أحد شخصيات الفيلم البوليودي المعبّر عن جيلٍ من الهنود، "رتبة باسانتي" [4] والذي يجسّد فيه شاباً ضَجِرْ من أصحاب الامتيازات، وهو يمثّل نموذجاً لفئةٍ يمكن مصادفتها في دلهي. وعن طريق تلك الشخصية، يستعيد الفيلم صورةً شائعة: "الهندي العادي" هو قبل كل شيء من يُحسِن "التكيّف"، وفق تعبير فارما. لكنّه أيضاً من يصوِّت بصرف النظر عن فئته الاجتماعية وديانته وجنسه أو طبقته، وهي صيغة طوّرها حزب المؤتمر برئاسة سونيا غاندي والذي فاز في الانتخابات الأخيرة.

وعملاً بالحصص المخصصة للفئات الدنيا ("داليت")، تكوّنت طبقة سياسية جديدة وبرزت أحزابٌ صغيرة جديدة. وخلافاً لما قد يحدث في بلدانٍ أخرى، يصوّت الهامشيون بكثرة، وتنظّم الأقليّات نفسها، وهم جميعاً أطرافاً فاعلة في تشكّل الهويّة الهندية. ذلك "أنّنا جميعاً أقليات" في نهاية المطاف، كما أعلن رئيس ومدير عام شركة "أنفوسيس" للمعلوماتية، نارايان مورتي [5] في مقابلة يذكرها فارما.

بيد أن الخطاب الأقليّ يمكن أن لا يعمل لصالح الهند؛ وهذا ما يثير قلق سونيل خيلناني [6]: "في ردّة فعلٍ، يمكن أن نشهد بروز حركات "مولِدية" ترفع شعار الانتماء المحليّ، وهو ما قد يترجم بشعورٍ "دون قومي" داخل الهند".

وبفضل وجود الهويات المتعددة وحمايتها، تسعى الهند لتقديم نموذجٍ عالميّ شاملٍ وحريات فردية توحِّد السكّان وتعطي الشعور بالانتماء إلى مصيرٍ مشترك. ألا نشاهد في غالبية مدن الهند شعار "أحب الهند"I love India مرسوماً على السيارات والشاحنات والباصات؟ وفي النهاية، لا يهمّ إلى أي هندٍ يشير سائقو السيارات وركّابهم.


* صحافية، نيو دلهي

[1] Amartya Sen, Identity and Violence, the illusion of destiny, Allen Lane Penguin Group, New Delhi, 2006, 215 pages.

[2] Christophe Jaffrelot (sous la direction de ) L’inde contemporaine, nouvelle dition, Fayard-Ceri, Paris, 2006, 970 pages, 36 euros.

[3] Pavan K. Varma, Le dfi indien-Pourquoi le XXIe sicle sera le sicle de l’Inde, Actes-Sud, Arles, 2005, 368 pages.

[4] Rang de basanti, ralis et produit par Rakesh Omprakash Mehra, Inde, 2006.

[5] ورد في Pavan K. Varma, Le dfi indien, op.cit

[6] Questions internationales, La documentation franaise, Paris, septembre-octobre 2005. إقرأ أيضاً من نفس الكاتب L’ide de L’Inde, Fayard, Paris, 2005.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان