
فنّان عربي > شباط/فبراير > 2007خاص النشرة العربيةيوسف عبدلكيإيهاب شاكر.... الأسطه إيهاب إيهاب شاكر عجينة خاصة في الفن التشكيلي المصري المعاصر. فهذا الفنّان المُجدّ، لا يعرف المراقب أين يبدأ فيه المصوّر الزيتي وأين ينتهي الرسام الصحفيّ. فلقد خطّ لنفسه منذ الخمسينيات مساراً متميّزاً: تجد دائماً خبرات التصوير الزيتي في رسومه للصحافة والكتب، كما تجد خطوط ومبالغات وسخريات تلك الرسوم في لوحاته الزيتية والمائيّة. هل يشرح الكلام السابق عمل إيهاب؟ قطعاً لا. فما يغلي تحت كلّ هذه الأعمال هو الموهبة. قدرته على اجتراح الحلول الطازجة، المفاجئة؛ وهو بقدر ما يتمتع بخفّة الظل في ذلك، يتمتع أيضاً بصرامة البناء، ورسوخ الكتل. يغرف إيهاب موضوعات أعماله من الحياة الشعبية حوله: بائعو الفول والطعميّة والبطاطا والخضار والعرقسوس والروبابيكيا، عازفو العود والقانون والتشيلّو، ونافخو الأبواق ولاعبو التحطيب وترقيص الخيول والمهرّجين، وكذلك دراويش حلقات الذكر ومرتلو الكنائس؛ ولا ينسَ صبيان المقاهي وحاملي الأراكيل، فلقد كان ذلك جزءاً أثيراً من ذاكرة إيهاب الطفل، ولكنّه أيضاً جزءٌ حيٌّ لا زالت قاهرة اليوم تعيشه. إيهاب شاكر لا يتعامل مع تلك الموضوعات من باب الحنين، ولا من باب العرض المأساوي لحياة الفقراء ولا بغرض التأكيد على الهوية المحليّة. إن تلك المفردات هي حجّة الفنّان ليقول كلمته كفنّان، ليقول خطوطه وألوانه وتحويراته ومبالغاته الخاصّة، وضربه عرض الحائط للفهم الواقعي أو الفلكلوري للموضوعات. إنّه يتعامل مع أشخاصه كأنّهم عجينة يعيد تشكيلها وفق أهوائه البصريّة، وكأنّهم أيضاً أصدقائه يتعامل معهم بمودّة، بقسوة، وبـ "تَرْيَقَة " ... ولتأكيد حريّته في اقتراح منظورٍ مختلف عن التعاطي الواقعي، ينفخ مرّةً كتف بائع العرقسوس أضعاف نسبته المألوفة، ومرّة ثانية يؤلّف ثلاثة أيدي لعازف التشيلّو ، وثالثة يُلغي المنظور في لعبة التحطيب، ورابعة يقلّص نسبة الرأس ليمنح المنادي رشاقةً مشتهاة، أو يضاعف تلك النسبة ليصنع من بائع الطيور عروسة عيد. اللوحة عند إيهاب حقلٌ للمبالغات ومساحةٌُ للحريّة. في أعمال إيهاب المنجزة بالـ "تمبرا"، نرى عنايته بتعميم "كلّ" مساحة اللوحة، فلا يترك شخصاً أو عنصراً أساسياً في قلب الفضاء الأبيض، بل نرى الحبك المتأنّي لعلاقة الشخص بالخلفيّة، بل تصبح الخلفيّة بدورها عنصراً أساسياً في نسيج العمل؛ فنلحظ عنايته بطبقات اللون المتراكبة فيه، كما هي عنايته بالملامس اللونية والغرافيكية؛ وهي لا تقل عن عنايته "ببطل" اللوحة. وتصبح اشتقاقات اللون الهارموني فيه، وكذلك التضادّات هي التي تحدّد بنيته وليس الخط، رغم وجوده الأوّل في تخطيط اللوحة. ولكننا ندرك أنّ إيهاب كلّما تقدّم، قلّ حضور الخط لصالح اللون، وذلك عكس أعماله الخطيّة، وهي الغالبة في إنتاجه من حيث الكمّ. ففي هذه الأعمال، تحضر درجاتٌ خجولة ومتدرّجة من الكون المائي أو ألوان الأقلام الجافة؛ ولكن يبقى الخط هو سيّد المساحة وصانع موسيقاها. غير أنّ إيهاب يتعمّد كسر "سرديّة" الخط وجفافه بطربوشٍِ أحمرٍ هنا، وحزامٍ أخضر هناك، وكأنّه يريد أن يقول لنا مهارته في تلوين العمل بلمستين لونيّتين أو ثلاثة. لكن ذلك لا يخفي سطوة الخط من جهة، وقوّة الكتلة المستقرّة في منتصف بياض الورقة من جهةٍ أخرى؛ وهذه الكتلة لا تكفّ عن تذكيرنا بالكتلة الراسخة الصمّاء في النحت الفرعونيّ أو بالوضعيات المتينة للنحت البارز الفرعونيّ أيضاً، حيث يصبح كلّ "الشغل" وكل الألاعيب وكلّ المحسّنات البلاغية ضمن كتلة الأشخاص أو الطيور فقط، وليس في الأشخاص والخلفيّة معاً؛ وهذا ما يقودنا إلى إنعام النظر في الأشكال ونسيان اللوحة ككلّ ... ذلك أنّ الخلفيّات في أعمال إيهاب الخطيّة تصبح فعلاً فراغات. ولد إيهاب شاكر عام 1933، ودرس في كليّة الفنون الجميلة في القاهرة، وكان أحد فرسان "صباح الخير" مع كوكبة رسّاميها المبدعين: بهجت وحجازي وجاهين وبهجوري والليثي ... الخ.؛ رسم أغلفة الكتب، ورسوم بديعة للأطفال. ومنذ عام 1970 يعرض أعماله في قاعات المعارض في القاهرة أساساً، ولكن أيضاً في اليابان والنمسا وإيطاليا... إيهاب شاكر ليس رسّاماً، إنّه نخلة بلح زغلول على ضفاف النيل الخالد. يوسف عبدلكي باريس 20/1/2007
* فنّان
|