الافتتاحية > آذار/مارس > 2007

سمير العيطة

النسوة العرب ... المجتمع والقيم والتشريعات

أتى صدور تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول قضايا المرأة في العالم العربي في وقتٍ كان الرأي العام في هذه البلدان يهتمّ بقضايا أخرى. وعلى عكس التقارير السابقة التي ركّزت على مجتمع المعرفة وعلى الحريّات، والتي كان لها وقعاً أكبر، لم يأخذ صدى المشكلة التي يطرحها التقرير الجديد حقّه في الإعلام وفي حلقات النقاش. فالكلّ اليوم مشغولٌ بالصراعات السياسيّة الإقليميّة، وما ستؤول إليه السياسات الأمريكيّة في المنطقة، والنزاع بين "المدّ الفارسي" والعمق العربي، والخلافات المذهبيّة الذي أعادت إلى السطح مسألةً عمرها 1400 سنة هجريّة تنازع عليها صحابة رسول الله في زمانهم؛ فكيف لنا حسمها اليوم؟

في كلّ هذه الأحوال، يبدو أنّ المعضلة الأساس في العالم العربي تكمن في الفارق بين الواقع والذهنيّة. الرأي العام العربيّ، المسلم السنيّ بغالبيّته يكتشف اليوم أنّ هناك في الواقع مذاهبٌ أخرى في الإسلام لها حساسيّاتها وطقوسها الراسخة في القدم، تناست أجيالٌ وجودها، ثم أتت وسائل الإعلام الحديثة لتضعها أمام الأعيُن من جديد. ولا سبيلٌ إلاّ احتضانها على أنّها جزءٌ من تاريخٍ وثقافةٍ وإرثٍ مشترك. كذلك الرأي العام العربيّ يكتشف، على مستوى آخر، أنّ هناك نصفٌ نسائيٌّ للمجتمع له طموحاته وأفكاره وحصّته التي يريد أن يأخذها من الحاضر والمستقبل.

مشكلة حقوق المرأة ليست فقط مسألةً نظريّة أو ترف فكريّ نتيجة تأثّرٍ بالأفكار الغربيّة. المشكلة لها أُسسها في التطوّرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة. فعندما تقفز معدلات البطالة عند النساء عند مستوياتٍ أكبر بكثير من تلك للرجال، يبقى ما له دلالة هو أنّ نسبة مشاركة المرأة في قوّة العمل في البلدان العربيّة قد تضاعفت في العشرين سنةٍ الأخيرة. أيّ بالتحديد أنّ نسبة النساء من الفئة العمريّة التي يمكنها العمل واللاتي يرغبن في العمل قد تضاعفت كثيراً. وهذا جزءٌ محسوسٌ من مشكلة البطالة في البلاد العربيّة بقدر الزيادات السكّانيّة.

النساء يقتحمن إذاً سوق العمل لأسبابٍ كثيرة، منها تردّي الأوضاع الاقتصاديّة للأسرة ولزوم إيجاد مداخيل مكمّلة. ويرافق ذلك تطوّرات ملحوظة في السلوك الاجتماعي، لها أهميّتها الكبيرة، حيث قفز سنّ الزواج المتوسّط للنساء في كثيرٍ من البلدان العربية من أقلّ من العشرين سنة إلى قرب الثلاثين. وليست قلّة مداخيل الرجال وصعوبة تأمين المهر (والسكن) والهجرة الكبيرة إلى الخارج من أقلّ الأسباب التي أدّت إلى ذلك.

هكذا وجد الرجال في البلاد العربيّة أنفسهم أمام وضعٍ لا يمكنهم فيه التواصل مع فتاةٍ عمِلَت وكانت لها نجاحاتها (وإخفاقاتها) بنفس الطريقة التي تعامل بها أباؤهم وأجدادهم مع فتاةٍ يافعة لا تفقه شيئاً من الحياة. هذه الفتاة حملت خوفها من العنوسة ولكنّها تعوّدت عليه وتعاملت معه بنضج. لم يعُد هاجساً وحيداً، بل جزءاً من مجموعةٍ من الهواجس الاجتماعيّة والسياسيّة وغيرها. هي أيضاً فتَحت أعينها وسائل الإعلام الحديثة ومعاركها اليوميّة في الحياة العمليّة، لتغيّر في ذهنيّتها. ولهذا الوعي الجديد تجلياتٌ متعدّدة: بعضها مستوحى من السلوك في البلاد الغربيّة وأخرى في التشدّد بالتمسّك بالهويّة الإسلاميّة مع اعتماد حجابٍ وسلوكٍ ومظهرٍ دينيّ أقسى بكثير ممّا يفرضه المجتمع. هكذا حتّى إسلاميّاً تغالي النسوة اليوم وتزايد على الرجال.

البطء في تطوّر الذهنيّات الاجتماعيّة في البلاد العربيّة يأتي أكثر من طرف الرجال. فهم متفاجئون أمام هذه التغيّرات التي لا يعيشونها هم مباشرةً. والمفاجأة أكبر عندما يرون أن المرأة لا تخشى المطالبة بالطلاق وحريّتها إذا زال التفاهم الزوجيّ. وهكذا زادت نسب الطلاق واعتاد المجتمع على تقبّل الأمّ التي تعيل أولادها وحدها، التي لا تختلف حالها كثيراً عن حال زوجة ذلك المغترب الذي يعمل بعيداً في المهجر لكسب الرزق.

يبقى أنّ الذي تخلّف عن كلّ هذه التطوّرات هو الدول (أي الحكومات) والقوانين الاجتماعيّة. فحتّى حين تعترف الحكومات بمسألة حقوق المرأة، يتمّ حصر المفهوم فقط في حق العمل (الذي يُنظَر إليه بشكلٍ نصف جديّ) أو التصويت في الانتخابات (هذا إذا كان للانتخابات في البلاد العربية من معنى)، دون الوصول إلى تداعيات التطوّرات الحاصلة على قوانين الأحوال الشخصيّة والرعاية الاجتماعيّة وعلى طرق تطبيقها. وهكذا يُنظَرُ إلى ظواهر الزواج المتأخّر والطلاق على أنّها أخلاقيّة وليست مجتمعيّة، وتنحصر رعاية الحالات الاجتماعيّة الجديدة المتكاثرة للنساء ضمن شبكات الحماية العائليّة أو عبر جمعيّات الأعمال الخيريّة. ولا ينطرح الموضوع على أساس أنّ حالةً اجتماعيةً جديدةً قد نشأت ويجب على الدول أن تعيد النظر في الأطر التنظيميّة والقضائيّة والتشريعيّة للتعامل معها بما يصون حقوق كلّ الأطراف سويّةً، لضمان استمراريّة المجتمع وصفائه.

الأمور على هذه الصعد لا تتطوّر كثيراً في البلدان العربيّة. بل قليلةٌ هي الدراسات الاجتماعية التفصيلية والاقتراحات القانونية والشرعيّة في هذا المجال. ربّما على العالم العربي أن ينتظر الوقت الذي يمكن أن تقود فيه النساء معظم الدول الكبرى (ألمانيا الآن وربّما فرنسا والولايات المتحدة قريباً) كي تحصل تغيّرات كافية في الذهنيّة تمكن من طرح هذه المواضيع على المستوى القانوني والشرعي.


* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان