ملفات جيو-استراتيجية > آذار/مارس > 2007

جان ارنو ديرينز

هل كوسوفو هي آخر قطعة في التعقيدة البلقانية؟

غالباً ما تكررت العبارة: "بدأ تفكّك يوغوسلافيا في كوسوفو، وينتهي في كوسوفو". صحيح أن سلوبودان ميلوسوفيتش قد استخدم مسألة كوسوفو على نطاقٍ واسعٍ في سياق صعوده السياسي، في الثمانينات. فبحسب استعارةٍ شائعةٍ في بعض الأوساط الدبلوماسية، يمثّل استقلال كوسوفو "تركيب آخر قطعةٍ في التركيبة المعقّدة (puzzle) البلقانية". فيفترض بهذا الاستقلال أن يضع نهايةً لحقبةٍ من التفسّخ والانقسام. لكن الأمور ليست بهذه البساطة.

فاستقلال كوسوفو قد يشكّل قطيعةً مع المنطق المتّبع لدى تحلّل الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا، بمنح الاستقلال للجمهوريات المتّحدة فدرالياً (كما حصل، مثلاً، بالنسبة للجبل الأسود)، ولكن ليس للأقاليم والجمهوريات أو غيرها من الكيانات التي فقط ذات استقلال ذاتي (مثل كوسوفو وأيضاً الشيشان أو أبخازيا في القوقاز). وسيكون هذا الاستقلال، بالتالي، بمثابة سابقة.

ولا تنفكّ الدبلوماسية الروسية توضّح، منذ شهور، بأن حلّ قضية كوسوفو يجب أن يرتكز على مبادئٍ "عامة" صالحةٍ للجميع: فإذا تمّ الاعتراف باستقلال كوسوفو، فلمَ لا يُعتَرَف باستقلال ترنسنيستريا (في مولدافيا)؟ أمّا دعاة الاستقلال فيؤكّدون، على العكس، أن كوسوفو تمثّل "حالةً فريدة"؛ لكنهم لم ينجحوا فعلاً في تقديم حججٍ دامغة.

عدّة بلدانٍ تخشى انتقال العدوى من جرّاء استقلال كوسوفو. فداخل الاتحاد الأوروبي، تعارض اسبانيا تماماً الاستقلال لأنّها تفكّر في مصير بلاد الباسك ومقاطعة كاتالونيا. كذلك رومانيا التي تخشى على أقليتـها المجريّة في ترانسيلفانيا.

ويمكن تفسير "تصلّب" الموقف الروسي، الذي لاحظه الدبلوماسيّون منذ بضعة أشهر، بإرادة الكرملين، على الأرجح، إظهار قوّته الجديدة على المسرح الدولي. فموسكو ترفض أي حلٍّ لا يكون "مقبولاً" من الطرفين، بلغراد وبريشتينا. والمهمّ هنا ليس أسطورة "الأخوّة السلافية-الأرثوذكسية" بين روسيا وصربيا، بقدر ما هي رغبة السيد فلاديمير بوتين في تقديم البرهان على قدرته مواجهة البلدان الغربيّة - وهذا ما تبيّن من خطابه في ميونيخ بتاريخ العاشر من شباط/فبراير الماضي ضد "الهيمنة الأمريكية".

كما سيكون لاستقلال كوسوفو نتائجٌ إقليميّة في البوسنة والهرسك. فالمسؤولون في جمهورية سربسكا، "الكيان الصربي" في هذا البلد الذي ما يزال منقسماً، لا يتوانون عن التشديد على أن استقلال كوسوفو سيخلق سابقةً تبرّر طموحهم إلى الانفصال. كما أن بلغراد لم تتخلّى عن التلويح بهذه الورقة، حتى ولو أنّه يصعب تخيّل احتمال "مقايضةٍ" بين كوسوفو وجمهورية سربسكا التي سترتبط عندها بصربيا.

الوضع مشوبٌ بالخطر خصوصاً وأن البوسنة والهرسك هي في مأزقٍ سياسي. فقد فشلت جميع محاولات تعديل الدستور المنبثق عن اتفاقيات السلام في دايتون. فبينما ما تزال الأحزاب البوسنية والكرواتية منقسمة على نفسها، نجح رئيس وزراء جمهورية سربسكا، ميلوراد دوديك، في إعادة توحيد المعسكر الصربي. وقد حصل حزبه، "الاشتراكيين الديموقراطيين المستقلّين، على أكثر من 50% من الأصوات الصربية وهو يسيطر تماماً على جميع مراكز السلطة في بانجا لوكا. كما أن هذا الحزب هو الأقوى على مستوى البوسنة، وقد خاض معركته الانتخابية تحت شعار حقّ جمهورية سربسكا في تنظيم استفتاءٍ لتقرير المصير. ونذكّر بأن السيد دوديك مدينٌ كثيراً للدعم الأميركي، في مسيرته السياسية التي بدأت بعد انتهاء الحرب. وكان زعيم الاشتراكيين الديموقراطيين الصرب يُعتبرُ، بطبيعة الحال، معتدلاً.

وسيكون لتطوّر وضع كوسوفو نتائجاً لا مفرّ منها على مجمل الفضاء الألباني. وها هم بعض المعلّقين الألبانيين ينظرون إلى احتمال استقلال كوسوفو على أنّه "ثأرٌ من التاريخ"، حيث يُصار إلى تجاوز الانقسامات التي أنزلتها الدول الكبرى بالأمّة الألبانية، لا سيّما عند تقسيم السلطنة لعثمانية. وبالرغم من الضمانات الرسمية التي تضمّنتها وثيقة السيد أهتيساري والتي تمنع كوسوفو عن النزوع إلى ضمّ مناطقٍ أخرى، أو التوحّد مع أحد جيرانها، فإن المسألة القومية الألبانية باتت مفتوحةً من دون شكّ.

كذلك تعتبر السلطات المقدونية أنّه من الأفضل حلّ مشكلة كوسوفو على وجه السرعة، خشية انعكاساتٍ محتملة على بلدها الذي ما زال يعيش وضعاً هشّاً، بعد ستة أعوام على إبرام اتفاقيات أوهريد مع الثوار الألبان. لكن، ماذا سيجذب ألبان مقدونيا كي يحذوا حذو كوسوفو المستقلّة، وهم يمثّلون ربع عدد السكان في مقدونيا؟

تتجاهل وثيقة السيد إهتيساري عن عمد وادي بريسيفو، إلى الجنوب من صربيا، حيث يقيم ما يقارب المئة ألف ألبانيّ. ويسمّي هؤلاء منطقتهم "كوسوفو الشرقيّة" وما زالوا يحلمون بربطها بكوسوفو المستقلّة. وقد شهدت المنطقة أعمال حرب أغوار في العام 2001. والاعتقاد أن هذه المشكلة ستختفي إذا ما تمنّعنا عن الإشارة إليها، هو بمثابة سياسة النعامة المعروفة.


* صحافيّ، رئيس تحرير Courrier des Balkans, الصادرة في بلغراد من مؤلفاته مع كاترين ساماري Les conflits yougoslaves de A a Z, L’Atelier, Paris, 2000. مؤخراً نشر جان-أرنو ديرينز كتاب: Kosovo, annee zero, aux editions Paris Mediterranee. نشر مؤخراً مع لوران جيسلين كتاب Comprendre les Balkans. Histoire, sociétés, perspectives, Non Lieu, Paris, 2007.

جان- ارنو ديرينز ولوران جيسلان: " من الجبل الأسود إلى كوسوفو، صربيا أمام التحدي" و" الحلم الخطر "لألبانيا الكبرى"؟"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، تموز/يوليو 2006.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان