العالم العربي والإسلامي > آذار/مارس > 2007

جوريس لوينديك

تلاعبٌ في الكلام في الشرق الأوسط

صحافة الحرب

أن نفهم لماذا وأين ومتى ومَن وكيف، ثم الإصغاء إلى كافة الأطراف حول الـ"لماذا"، مع الحرص على الفصل بين الوقائع والآراء... أليس هكذا تكون الصحافة النوعية؟ ألا تعِد إعلانات الـ"سي أن أن" و"فوكس نيوز" أو "الجزيرة" بالموضوعية تحت شعار "نحن ننقل الأحداث لكم، وأنتم تقررون"؟ بيد أنني، وبعد عملي كمراسلٍ لخمسة أعوام في الشرق الأوسط، أعود بخلاصةٍ متشائمة: إذ ليس بمقدور الصحافيين الغربيين أن يصفوا بدقّة، فكيف بموضوعية، العالم العربي والشرق الأوسط. وحتّى عندما يحترمون قواعد العمل الصحافي بحرفيتها، فهم يقدّمون وصفاً مشوّهاً وموارِباً في العمق للمنطقة.

المشكلة الأساسية تتعلق بالتعابير المستخدمة: فما يستخدمه الصحافيون لا يعني شيئاً للجمهور الأوروبي أو الأمريكي، أو أنّه يُفهم بطريقةٍ مختلفة أو أنه يُحرَّف ببساطة.

أفضل أمثلة على هذه التعابير "المجهولة" من الرأي العام الغربي، بمعنى أن الناس يستخدمونها دون أن يجرّبوها، هي "الاحتلال" و"الديكتاتورية". فالجهل بطبيعة الديكتاتورية ليس حكراً، في الغرب، على المثقّفين أو الرأي العام الواسع. وخلال عملي كمراسل، كنت أتلقّى أحياناً توبيخات من رئيس التحرير: لماذا كل هذا التأخير في الحصول على تأشيرة دخول إلى العراق في ظلّ حكم صدام حسين؟ ولماذا لم أصل إلى ليبيا بعد؟ "كيف لا يعطونك تأشيرة؟ أصرّ عليهم". أو هذا الطلب من صحافي شهير في مجال التحقيقات للحصول على طريقةٍ للاتصال بالمخابرات الأردنيّة. ثمّ هذا المحاسب الذي طالبَني بإيصالات من الأشخاص الذين رشوتهم خلال زيارتي إلى العراق في عهد صدام حسين.

مع ذلك، فإنّ رئيس التحرير والمحاسب والصحافي المحقِّق كانوا كلّهم يتابعون الأحداث عن كثب. يقرؤون الصحف ويتابعون التلفزيون. لكن أين لهذه الصحف ومحطات التلفزة أن توضح ما هي الديكتاتورية على حقيقتها؟

فالكتاب الذي أصدرتَه في صيف العام الماضي، يدور حول هذا الموضوع: الخوف، الريبة، غسيل الأدمغة، الفساد والتخريب المتعمّد للموارد الخاصّة بكلّ إنسان، وللكرامة الشخصية. الناشر تحمّس شخصياً وقرأ الكتاب مراراً. وقد عاد من معرض فرانكفورت للكتاب بمزيدٍ من الحماس: تحدّث عن كتابي مع زميلٍ مصريّ اهتمّ بالموضوع، لقد بات اختراقي للعالم العربي وشيكاً! بقي مُشرِقاً حتى اليوم الذي أوضحت له التناقض في التعابير: فهل ستسمح ديكتاتوريةٌ ما بصدور كتابٍ يتناول بالذات الطبيعة الكريهة لهذه الديكتاتورية نفسها؟ وهكذا، حتّى بعد هضمه مئة صفحة مخصّصة لثقافة الخوف التي ترتكز عليها الدول البوليسية، بقي معنى كلمة ديكتاتورية مجرّداً بالنسبة إليه.

وهل تكون عبارة "احتلال" فارغة أيضاً من المعنى بالنسبة للقرّاء والمشاهدين الغربيين؟ هذا الفراغ هو ما يفسّر لماذا نضاعف الضغوط على السلطة الفلسطينية كي تبرهِن أنها "تقوم بالمطلوب ضد العنف"، بينما لا يُطالب أبداً الناطقون باسم الحكومة الإسرائيلية لماذا لا "يقومون بالمطلوب لإنهاء الاحتلال". لا شكّ أن المواطن في الغرب يُدرك التهديد الرهيب للإرهاب، بدءاً من المسؤولين اليمينيين الذين لا ينفكون يذكّرونه به. لكن من يشرح للجمهور الغربي الإرهاب المختبئ وراء عبارة "احتلال"؟ وإذا نظرنا إلى إحصائيات أي عامٍ من الأعوام، نجد أن عدد المدنيين الفلسطينيين الذين سقطوا بفعل الاحتلال الإسرائيلي، يبلغ على الأقل ثلاثة أضعاف عدد المدنيين الإسرائيليين الذين قتلوا بسبب الاعتداءات. لكن المراسلين والمعلّقين الغربيين يتحدّثون عن "العمليات الانتحارية الدموية" ولا يأتون أبداً على ذكر "الاحتلال الدمـوي".

إذا كانت الفظائع اليومية للاحتلال تبقى محجوبةً عن الأنظار إلى حدٍّ كبير، فإن "المعلومات" الآتية من الديكتاتوريات تصل إلى الصحف ومحطات التلفزة الغربيّة. وعندها تظهر مشكلةً ثانية: إذ عندما يصف الصحافيون الأحداث، فإنهم يستخدمون عبارات خاصة بالديموقراطيات. مثل "برلمان" أو "قاضي" أو قولهم "الرئيس مبارك" بدل "الديكتاتور مبارك"، كما يتحدّثون عن الحزب الوطني الديموقراطي في الوقت الذي ليس فيه شيئاً من الديموقراطية، ولا من الأحزاب. يأتون على ذكر استاذٍ جامعي من العالم العربي، لكنهم ينسون أن يضيفوا أنه مراقب من قبل المخابرات السريّة. وعندما يظهر على شاشة التلفزيون بضعة شبّانٍ غاضبين يحرقون علماً دانماركياً في دولةٍ بوليسية، يسمّون ذلك "تظاهرة" وليس عملاً دعائياً.

المحيّر أنّ المراسلين الموجودين في الشرق الأوسط يعرفون حقّ المعرفة ماذا يعني الاحتلال وماذا تعني الديكتاتورية. فهم يقيمون ويعملون في البلدان العربية وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولهم فيها أصدقاء وزملاء وأقرباء لا يمكنهم اللجوء عند الضرورة إلى حماية أي قاعدة قانونية. فهؤلاء الأصدقاء والزملاء والأقارب ليسوا مواطنين بل أتباعاً، مجرّدين من أي دفاع، وهم يعرفون ذلك. لكن كيف للجمهور الغربي أن يعرف، أن يعرف فعلياً كيف يعمل نظامٌ من هذا النوع؟ لا سيّما عندما توحي المفردات المستخدمة بأن الدول البوليسية والديموقراطيات تعمل وفق النهج نفسه تقريباً، بوجود برلمانٍ ورئيسٍ، وفوق ذلك كلّه "انتخابات"؟

بعض الكلمات لا تعني الكثير للمواطن العادي في الغرب. بعضها الآخر تعني أشياءً مختلفة. إنها الكلمات المتلاعب بها بحدّ ذاتها: فدقائقٌ من التنقّل بين المحطّات الفضائية تكفي لتقديم البرهان. إذ هل نقول "إسرائيل" أم "الكيان الصهيوني" أم "فلسطين المحتلة"؟ "الانتفاضة"، "المحرقة الجديدة" أم "النضال من أجل الاستقلال"؟ هل قطعة الأرض هذه "متنازعٌ عليها" أم "محتلّة"، وهل "تُعطى" أم "تُعاد"؟ وهل يعتبر "تنازلاً" تنفيذ إسرائيل التزاماً وارداً في معاهدة موقّعة سابقاً من قبلها؟ وهل تجري "مفاوضات" بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإذا صحّ ذلك، فما هو هامش مناورة الفلسطينيين، علماً أن عبارة "مفاوضات" تعني التنازل المتبادل بين طرفين شبه متساويين؟

ليس هناك كلمات محايدة. إذاً، أيّ مفردات يجب أن نعتمد؟ وليس من السهل كتابة برقيةٍ صحافية من هذا النوع: " اليوم في اليهودية والسامرة/في الأراضي الفلسطينية/في الأراضي الفلسطينية المحتلة/في الأراضي المتنازع عليها/في الأراضي المحرّرة، ثلاثة فلسطينيين أبرياء/إرهابيين مسلمين تمّت تصفيتهم إستباقياً/قتلوا بوحشية/قتلوا على يد العدو الصهيوني/من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلية/على يد جيش الدفاع الإسرائيلي". أو حول العراق: "قام اليوم الصليبيّون الصهاينة/قوات الاحتلال الأميركية/قوات التحالف بمهاجمة قواعد للمقاومة الإسلامية/للإرهابيين/لخلايا إرهابية".

الثقافة الغربية تفاؤلية: فعندما تحدد مشكلةً ما، يُطلب منك بالتزامن حلاًّ مع هذا التحديد. لكن كيف الخروج من هذا المستنقع اللغوي، إلاّ بالاعتراف ربما وبصراحة أكثر بالانحياز وبالرقابة الذاتية الذين لا مفرّ منهما في كل عملٍ صحافي، ووضع حدٍّ لخداع شعارات التسويق؟ نحن ننقل الأحداث، أنتم تقرّرون، طيّب. لكنّنا نقرر أيضاً ما ترون وكيف سترونه.

لحسن الحظ، تبقى فئةٌ أخيرة من العبارات التي يمكن لوسائل الإعلام الغربية أن تفيها حقّها بشكلٍ أفضل. إذ لماذا يسمّى اليهودي المطالِب بأرضٍ أعطاه إياها الله، "قومياً متطرّفاً"، بينما المسلم الذي يتبع المنطق نفسه يُنعت بـ"الأصوليّ"؟ الديكتاتور العربي الذي يختار سياسة مختلفة عن سياسة الغربيين يسمّى "معادياً للغرب"، بينما لا تسري هذه التسمية في الاتجاه المعاكس؟ فهل يمكننا تخيّل زعيمٍ أميركي يُنعَت بأنّه "متطرفٌ في عدائه للعرب؟" المسؤول الإسرائيلي الذي لا يؤمِنُ سوى بالعنف حماية لشعبه، هو من "الصقور". فهل سمعنا بـ"صقورٍ" فلسطينيين؟ كلاّ، إنّهم متطرفون أو إرهابيون. المسؤولون الإسرائيليون المؤمنون بالحوار هم من "الحمائم". الفلسطيني الذي يختار الطريق نفسه هو "معتدل"، ما يعني أنّه بالرغم من العنف المعشش في قلبه، قد تمكّن هذا الفلسطيني، بحمد الله، من تعديل طبيعته الأصليّة. وبينما حماس "تكره" إسرائيل، ما من حزب أو زعيمٍ إسرائيلي "كرِهَ" الفلسطينيين حتى عندما يستغل هؤلاء الزعماء مقاعدهم الوزارية للمطالبة بطرد الفلسطينيين. إلا إذا كان الأمر يتعلّق بالـ"تطهير العرقي"" أو بـ"التهجير غير الإرادي"؟ أو بـ"الترانسفير"؟


* صحافي هولندي، مؤلف كتاب "أشباه إنسان. صور من الشرق الأوسط"، بالهولنديّة، دار بوديوم، أمستردام، 2006. بيعت منه 600 ألف نسخة في هولندا.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان