نقاشات ونضالات > آذار/مارس > 2007

جان كريستوف فرانسوا

فرانك بوبو

الخارطة المدرسية أو التحديات السياسيّة لنقاشٍ مغلوط

تساوي الفرص مقابل المساواة

من أجل الحدّ من عدد الموظّفين، ها هو السيد لوك فيرّي، وزير التربية السابق والمؤيّد للمرشّح نيكولا ساركوزي، يقترح زيادة عدد ساعات التدريس لأساتذة التعليم الثانوي من 17 إلى 23 ساعة، دون احتساب دوام تحضير الدروس... لكن يبدو أن اليمين الفرنسي يفضّل شعار "حرية اختيار المدرسة" في برنامجه التربوي. فالنقاش يتركّز إذاً على الخارطة المدرسية.

بتأثيرٍ من سياسات "الدمقرطة" التي أنتجت "تفجّراً" في عدد تلامذة المدارس، يجدر الالتفات إلى الخلل الوظيفي في المدرسة الجمهوريّة الفرنسيّة، التي من المفترَض أن تشكّل الحيّز الممتاز للتفاعل بين مختلف الأوساط الاجتماعية. لكن فعالية هذا الاختلاط المدرسي تتراجع شيئاً فشيئاً. وها هو ضغط البطالة يزيد من قلق العائلات على مستقبل أبنائها. فمع النشر المتكرر لقائمة الشرف للمؤسسات التربوية منذ الثمانينات، يرغب الجميع في التعرّف على "أفضل مدرسةٍ" يُلحِقون بها ذرّيتهم، إذا تمكّنوا من ذلك. فاختيار المدرسة يعني اختيار مستقبلٍ مهنيٍّ واجتماعيٍّ، وبالتالي الاستثمار في المستقبل.

ويسهل فهم تأثيرات هذا المنطق على آلية عمل النظام التربوي. فإذا كانت ممارسة التوظيف المدرسي تطمح، على المستوى الفردي، إلى الحصول على "الأفضل" للأولاد، وذلك وفقاً للموارد المتفاوتة للعائلات، فإنها تُفضي، بصورةٍ عامّة، إلى تمركز المصاعب في المؤسسات الأكثر حِرماناً والتي تحاول العائلات القادرة تفادي إرسال أبنائها إليها.

رؤيتان متعارضتان للمجتمع

هذا ما يقلق الرأي العام منذ سنوات. وفي طليعة العوامل المتّهمة تأتي الخارطة المدرسيّة التي توجّه الطلاب إلى المؤسسة التربوية العامة الأقرب إلى عنوان سكنه. إذ عند بدء العمل بها في الستينات، شكّلت هذه الخارطة أداةً إداريةً لتوزيع الإمكانات سعياً لمواجهة العدد المتزايد للتلامذة المرتبط بسياسة تمديد سنوات التعليم، وتأميناً لحدٍّ أقصى من التنوّع الاجتماعي داخل المدارس. فمن وجهة نظر وزارة التربية الوطنية، إنّها تسمح بـ"تعزيز الاختلاط الاجتماعي" و"الاندماج" من خلال الفرض على الطالب ارتياد مؤسسةً تربويةً محددة، وفقاً لعنوان سكنه (ولكن يفترض بهذا الإجراء أن يُطبّق بالتساوي على الجميع). فالمدرسة الجمهوريّة، معينُ الاندماج الاجتماعي، ستسمح بإيجاد التجانس بين طلاّبٍ من أصولٍ اجتماعيةٍ مختلفة.

لكن منتقدي هذا المنطق القطّاعي باتوا يؤكّدون أن الفروقات في الحيّز السكني تنعكس تلقائياً على الفروقات المدرسيّة، مما يهدّد وظيفة الاندماج المعطاة في فرنسا للمدرسة الجمهوريّة، وكذلك مبدأ المساواة أمام التعليم.

وبعد أن جرت مناقشتها طوال سنواتٍ في الأوساط الإدارية والعلمية، لفتت الخارطة المدرسية الانتباه بصورةٍ مشهودة بمناسبة العودة إلى الصفوف في شهر أيلول/سبتمبر من العام 2006. فدعا وزير الداخلية نيكولا ساركوزي إلى إلغائها، خلال حملته الانتخابية الرئاسية. ولم تتأخّر مرشحة الحزب الاشتراكي العتيدة، السيدة سيغولين رويال، ليس فقط في اقتراح "تليين" العمل بهذه الخارطة كما طالب به وزير التربية جيل دو روبيان، بل "التحرر من قيدها" وترك "الخيار بين مؤسّستين تربويتين أو ثلاثة". وينصّ البند الـ26 في برنامجها والذي تقدّمت به في 11 شباط/فبراير، دون مزيدٍ من التوضيح، على ضرورة "إعادة النظر في الخارطة المدرسية من أجل إلغاء "الغيتوات" المدرسية وتأمين الاختلاط الاجتماعي وتكوين شبكاتٍ تربويةٍ تحظى بالأولويّة". وقد أطلق رئيس الوزراء نقاشاً حول "تعديل" هذه الخارطة، لأن إلغاءها "سيؤدّي حتماً إلى دفع جميع الأهل لتسجيل أبنائهم في المؤسسات نفسها"، ما يتسبّب "في المزيد من الظلم" و"اضطّراباً لا مثيل له في التنظيم المدرسيّ".

ويعتبر مرشّح اليمين للانتخابات الرئاسيّة أن سياسة التنظيم القطاعي الجغرافي تمنع الأسرة من اختيار مدرسة أبنائها، بينما، برأيه، تتيح المنافسة الحدّ من الفروقات. وضمن رؤيةٍ مماثلة، يجب التخلّي عن الخارطة المدرسية، وهي الميّزة "البالية" لنظام التعليم الفرنسي، في سبيل تأمين "حرية الخيار" للعائلات. فسهولة الحركة المدرسية تعني المساواة التربوية. تعكس النقاشات إذاً رؤى متقابلة للعالم الاجتماعي: تعزيز "الحريّة الفردية" في التربية من جهة، والدفاع عن "الاندماج الجمهوري" من جهةٍ أخرى.

فأنصار الخارطة المدرسية يعتبرون أن تليين القطّاعية سيؤدي إلى زيادةٍ في فروقات المستوى بين المدارس، وأن أقليّةً فقط ستستفيد من حريّة الاختيار. فيدعون إلى تليينٍ محدودٍ يسمح فقط بالحركيّة نحو الأعلى للتلامذة الأكثر حرماناً [1]. في التزامن، وتفادياً لجعل الخارطة المدرسية تجمع الأكثر بؤساً في المدارس التي يتخلّى عنها الآخرون، يجب تحسين المؤسسات التي تخشاها العائلات، من خلال تأمين المزيد من الإمكانيات لها [2].

فتكاثرت التحقيقات الصحفيّة لتُظهِر "هؤلاء الأهل الغشّاشون"، أو تهاجم "عقيدة التنظيم القطّاعي"، مع تسجيل إيجابيةٍ من الجميع أنّ المسؤولين السياسيين قد تناولوا "أخيراً" هذه المسألة. وفي نظر المطالبين بإلغاء الخارطة، فإنّها تمنعُ الاختلاط إذ أنّها تحدّ من الحركيّة الفرديّة. أما المدافعين عنها، فيقولون أن عيبها الرئيسي هو في تثبيتها الأكثر حرماناً ضمن غيتوات تربوية. لكن من الجهتين، يُنظَر إلى النجاح المدرسي على أنّه مسألة وصولٍ فرديّ إلى أفضل ظروف التعليم. تفكيرٌ من هذا القبيل يلغي الميراث الثقافي، ولا يهتمّ لكون القسم الأكبر من عوامل النجاح المدرسي، وصولاً إلى اختيار المدرسة، يتحدّد داخل الأسرة. لكننا نتجاهل مسألة الفروقات الاجتماعية ما أن نعتبر بأن الدواء للتمييز الدراسي لا يقوم سوى على قدرة الاختيار الممنوحة للأفراد، وبالتالي على الاستحقاق. فمنذ العام 2004، أوضح تقريرٌ مرفوعٌ إلى لجنة النقاش الوطني حول مستقبل المدرسة، أنّه "طالما يسري نوعٌ من التمييز على الحيّز المديني، فإن المؤسسات الدراسية نفسها ستعاني من هذا التمييز، كون السياسة القطاعية تُدخِلُ رابطاً آلياً بين التمييز المديني والتمييز المدرسي" [3].

المنافسة من المؤسسات التربويّة الخاصة

بالطبع إن الخارطة المدرسية تستعيد الفروقات بين المناطق طالما أنها تقوم على تقسيمٍ مكانيّ قائمٍ على محلّ السكن، مع شروط التجاور والتماس في المساحات المحدّدة للالتحاق بهذه المدرسة أو تلك. بيد أن الدور الذي تلعبه هذه الخارطة بين المدرسة ومكان السكن يصبح أكثر تعقيداً مما يُظنّ. إذ ما يُفاقمُ التمييز في الحيّز المدرسي أكثر منه في الحيّز السكني ليس الخارطة المدرسية، بل "تفادي" هذه الخارطة أو حركيّة عددٍ من العائلات. فالأساس في الفارق بين مكان السكن ومكان التعليم يعود إلى اللجوء للتعليم الخاص وليس لحركيّةٍ داخليّةٍ في التعليم الرسمي [4].

هكذا بدل أن تشكّل ترسيمة الخارطة المدرسية مصدر تمييزٍ إضافي، فإنّها تُنتجُ اختلاطاً في المدارس أكثر منه في الأحياء السكنية، وذلك من خلال مزج مختلف الفئات على المستوى المحلّي. فالفروقات في الأوضاع السكنية بين المجمّعات الشعبية الكبيرة والشقق الفخمة موجودة غالباً داخل حيّزٍ جغرافيّ موحّد لجهة ارتياد المدرسة، ومن النادر أن نشهد تطابقاً بين حدود الخارطة المدرسية والفروقات الاجتماعية الكبيرة بين الأحياء السكنية. نرى إذاً، أنّه من السهل اتهام الخارطة المدرسيّة تفادياً لمناقشة آثار المنافسة التي تُدخِلها المدارس الخاصة، والمدعومة أصلاً بقوّةٍ من قبل الدولة.

في بعض جوانبه، يتّسم الانتقاد للخارطة المدرسية بالانزياح عندما يدّعي أنّ من يستطيعون ذلك سيفرّون من المدارس "الصعبة"، وأن الظلم يقوم على كون التنظيم القطّاعي الجغرافي لا يضع أيّ إلزامٍ على النافذين، بينما يُسجَنُ الضعفاء. وفي الواقع، إن الظلم يكمُن أولاً في التوزّع الاجتماعي لأماكن السكن، حيث الأكثر امتيازاً قادرون على الوصول إلى "أفضل" المدارس، كونهم يقطنون خارج المناطق التي توجد فيها المؤسسات التربوية الشعبية. ضِف إليه، أن خارطة نتائج "التفادي" المدرسي تبرهن على أن دفق التلامذة الذين يغيّرون مدارسهم في المناطق الثريّة، أكبر عدداً بكثير من عددهم في المناطق المحرومة. ما يعني أن الحركيّة المدرسية تطال الأكثر امتيازاً على الصعيدين الاجتماعي والسكني. لذا لا يمكن حصر التفادي للمدارس بالهرب من المدارس الشعبية: إنّه قبل كل شيءٍ بحثٌ عن أفضل المدارس بالنسبة للعائلات التي لم تتعامل أبداً مع "الأسوأ" منها.

وعلى العكس، فإن التلامذة المحرومين يميلون إلى تعديل "خياراتهم المدرسية" باتجاه مؤسساتٍ "أقلّ" امتيازاً من تلك التي يَسمَحُ لهم التنظيم القطاعي بالدخول إليها. ذلك أن التوظيف المدرسي لا يعني فقط اختيار أفضل مدرسة، بل أيضاً الوقوف عند "الحدود المسموح بها" واقتراب التلميذ من المستقبل المدرسي المحتمل له. فيصار بالتالي إلى تفادي المدارس حيث السقوط أو البقاء في آخر قائمة التلامذة يكون مؤكّداً.

في الواقع تتميز الخارطة المدرسية بالكثير من الليونة وهي تفرض نسبياً القليل من القيود في الأحياء الأكثر بورجوازيةً. في المقابل، وضمن المناطق الأكثر تمييزاً وحرماناً، حيث للسياسة القطاعية معانٍ أخرى، فإن هذه الخارطة تمنح امتيازاً لبعض الطلاب. فالمدارس القائمة في أحياءٍ فقيرة، أمثال القسم الغربي من دائرة ساين-سان دوني، قد اعتمدت سياسةً فعالةً نسبياً لاجتذاب العائلات القليلة الثريّة المقيمة في هذه القطاعات: تقديم خياراتٍ جذّابة، صفوفٌ خاصة محميّة الخ. ويستفيد من هكذا آليات جمهورٌ يتجاوز العدد الضئيل من الطلاب "المستحقّين"، الذي يدّعي معارضو الخارطة المدرسية الاهتمام بمصيرهم.

الإقامة الجبريّة

في مناطق السكن القليلة التنوّع اجتماعياً، وحيث يندر وجود التلامذة من أصول بورجوازيّة، يضمن التنظيم القطاعي حدّاً أدنى من المنتسبين يبرّر عرضاً مدرسياً مُغرياً، ويردع العائلات الميسورة عن البحث في أمكنةٍ أخرى: وهكذا إذا كان عرض القطاع مقبولاً، فمن المناسب أكثر البقاء فيه، ولو توفيراً لكلفـة الانتقال والمعاملات الضرورية لتفاديه.

أخيراً لا يمكن قبول الحجة القائلة بأن التلامذة "المستحقّين" من الأحياء الشعبية سيجِدون أنفسهم "عالِقين"، وذلك لسببين. من جهة، هناك تجاهلٌ للبعد الجغرافي للمشكلة، وخصوصاً لأنّه في المناطق التي تعاني التمييز تكون كلفة الانتقال إلى مدرسةٍ أخرى مرتفعة جداً، لجهة الوقت والاندماج الاجتماعي. فتشجيع الحركيّة الفردية لا يشكّل حلاًّ جماعياً، ولا أحياناً حلاًّ شخصياً، إذا كان غير مسموحاً إقامة هؤلاء الطلاب في مكان انتقالهم الدراسي، ما يجعل إلغاء الخارطة المدرسية دون فائدة... ومن جهةٍ أخرى، يؤدّي الاهتمام المُعلَن بالطلاّب "المستحقّين" القاطنين في الأحياء الشعبية إلى التخلّي عن الآخرين من "غير المستحقّين"، في سياق إيديولوجيا الاستحقاق الفردي التي لا تُناقّش من منظار العدالة الاجتماعية.

فحصر النقاش في انعدام المساواة بين المدارس بإلغاء الآلية "الإدارية" للخارطة المدرسيّة، يحيل الموضوع إلى خياراتٍ سياسية أكثر عموميّةً، وخاصةً إلى معرفة "من" له "الحقّ في المساواة". وهكذا ليس بالاكتفاء بالمناداة بتجهيزاتٍ أفضل للمدارس المحرومة، يمكن معالجة فروقات السكن ونتائجها على ظروف التعليم.

فهل يكون إلغاء الخارطة المدرسية إذاً أكثر فائدةً من المحافظة عليها؟ يفترض أنصار الحريّة التامة لخيار العائلات بأنّ من نتائج المنافسة تحسين أداء المؤسسات الطامحة إلى اجتذاب أفضل التلامذة. لكن للتربية خصوصيتها؛ ويمكن المراهنة أنّنا سنشهدُ ارتفاعاً في رسوم الدخول للمدارس المرغوبة أكثر من غيرها. فكلّما عمدت المدرسة إلى اختيار جمهورها، كلما صارت أكثر جاذبيةً، وبالتالي نزعت إلى رفع متطلباتها. هكذا ستنشأ عمليّة اختيارٍ على مستوى العرض لن تؤمّن بالتأكيد حريةً أفضل لاختيار للعائلات. ولن تشجّع سوى المتميّزين اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً (سهولة الانتقال، السكن، والوصول إلى المعرفة).

في الطرف الآخر من التراتبيّة المدرسية، ستُضطرّ عندها المدارس غير القادرة على المنافسة بسبب موقعها الجغرافي (لا سيّما لابتعادها عن مركز المدينة) إلى القبول بمستوى متدنٍّ، أي استقبال الطلاب غير المرغوب فيهم في المدارس الأخرى، مما سيضاعف من نشوء المؤسسات "القمامة".

يبدو إذاً أن السجال حول إلغاء الخارطة المدرسية سيُفضي إلى خطرٍ أكبر من المشكلة المنوي حلّها، وأولاً بطرد الطلاب المحرومين اجتماعياً من المدارس المتميّزة بسبب آليات المنافسة البسيطة على الصُعد الاقتصادية والثقافية (الوصول إلى المعلومات، المسافة بين المسكن والمدرسة، تأثيرات حيّ السكن). وعلى العكس، فإن الطلاّب الميسورين، الأقلّ انزعاجاً اليوم من الخارطة المدرسية، سيُمنَحون تسهيلات أكبر للتجمّع في نفس الأمكنة، لا سيّما في الأحياء المركزيّة النازعة نحو الـ"برجزة" والتي تشهد انتقال الطبقات الوسطى إليها.

يدعو البعض إلى إقفال المؤسسات الأقلّ جاذبيّة، ما يؤدّي إلى تضخّم الأعداد في المؤسسات المركزيّة، بسبب إقبال الأطراف على المركز. ومن أجل تفادي الزحمة، يجب إمّا مضاعفة عدد المؤسسات النخبويّة، ولهذا كلفةٌ ماليةٌ واضحة، وإما التخلّي عن إيصال الفئة العُمريّة بأكملها إلى التعليم الثانوي المجاني... الخيار الآخر هو التسويق لعرضٍ تربويٍّ نوعيّ في أحياءٍ سكنيّة محرومة، بحيث يمكن للعائلات القادرة على الوصول إلى مدارسٍ جيّدة وبعيدة، أن تُبقي أبناءها في الجوار. لكن المطالبة بتحسين تجهيزات المدارس المحرومة اجتذاباً للتلامذة الأقل حرماناً ليس فقط تناقضٌ بحدّ ذاته، بل أن إجراءً من هذا النوع يلغي ضرورة وضع حدٍّ للخارطة المدرسية، مع زوال الرغبة في البحث عن مدرسة أخرى. ويحوّل هذا الحلّ قضية المدرسة إلى مشكلة إمكانات بينما المسألة هي أكثر عمقاً وتتّصل بعلاقة الحيّز السكني بوجود المؤسسات التربوية.

وضمن إطارٍ سياسيّ غير موآتٍ كثيراً لزيادة النفقات العامة في باب التربية، ما هي إذاً التحديات الحقيقية وراء مسألة الخارطة المدرسيّة؟ ففي غياب زيادة الإنفاق، لن يعني إلغاء التنظيم القطّاعي منحَ حريّة اختيار المدارس للعائلات، بل الحريّة للمدارس في اختيار العائلات. بمعنىً من المعاني، فإن النقاش الراهن يسمح بعدم مقاربة أسس التفاوت بين المؤسسات التربويّة، وخصوصاً مسألة الفروقات المتزايدة بين الفئات الاجتماعية التي تجد الأكثر حرماناً نفسها موضوعةً في "الإقامة الجبريّة".

ويأتي الضغط الاجتماعي على الخارطة المدرسيّة في الوقت الذي تُضطَرّ فيه الطبقات الوسطى، التي تعاني من ارتفاع أسعار العقارات، إلى الإقامة في أحياءٍ أكثر شعبيّةً تشعر فيها بأنّ التنظيم القطّاعي المدرسي أمرٌ لا يُطاق. فتجسّد عندها الخارطة المدرسية عملية إقصاء أكثر عموميةً لفئاتٍ اجتماعية لم تعد تملك الإمكانات المناسبة لطموحاتها. وضمن هذه الشروط، لا يعود موضوع إلغاء هذه الخارطة دفاعاً عن حريّةٍ وهميّةٍ في النتيجة، بقدر ما هو تماثلٌ مع التطوّر الدولي الكبير المُجسِّد لسياسة "النجاح الفردي".

ويجدد السجال حول التنظيم القطّاعي مسائل الاستحقاق الشخصي القديمة والتي من وظائفها، كما هو معروفٌ، تشريع الفروقات المدرسيّة والاجتماعيّة. فنجِدُ بالتالي في مجال التربية الآليات نفسها التي لاحظناها في النقل والبريد والصحّة والتقاعد: خفض الموارد (العامة) لنظامٍ سيتداعى أكثر إذا افتقر؛ تشجيعٌ، من جهة أخرى، للـ"خيار الحرّ" الذي يسمح للميسورين بالخروج من الدائرة العامة، ما يزيد من تدهور الخدمة العامة ولا يترك المجال سوى أمام سياسةٍ "خيريّة" تجاه الأكثر حرماناً، الذين لن يبقى أمامهم سوى الالتحاق بمدرسة "العلاج" [5]. لذا نُدرِك كيف جعل الليبراليون من اليمين واليسار من تفكيك الخارطة المدرسية إنجازهم التالي على طريق "حريّة الاختيار".


* أستاذٌ محاضر في جامعة باريس السابعة

* باحثٌ مقيم في المعهد الفرنسي للدراسات الأندينية ((La Paz. ألّف كتاب Une Sociologie d’Etat. L’école et ses experts en France. Raisons d’Agir. Paris. 2003.

[1] جورج فيلوزي وجويل بيروتون: " "عقد جديد" من أجل المدرسة"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، كانون الأول/ديسمبر 2006، http://www.mondiploar.com/article.php3?id_article=354

[2] Gabrielle Fack & Julien Grenet, Libération, 21 septembre 2006 ; Marie Duru-Bellat et François Dubet, Le Monde, 8 septembre 2006.

[3] Commission du débat national sur l’avenir de l’école, avril 2004, “ Quel est l’impact des politiques éducatives ? Les apports de la recherche ”, Synthèse rédigée par Marie Duru-Bellat.

[4] Jean-Christophe François et Franck Poupeau, “ Espace résidentiel et espace scolaire : une polarisation sociale différenciée ”, Annales de la recherche urbaine, n°99, 2006.

[5] Sandrine Garcia & Franck Poupeau, “ Pour une approche systémique de la crise de l’école ”, Revue du Mauss, “ Penser la crise de l’école ”, n° 28, 2006.

مقالاتنا السابقة

فريديريك لوردون: " "أخيراً إجراء ضدّ الإفراط الماليّ: الـSLAM"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، شباط/فبراير 2007، http://www.mondiploar.com/article.php3?id_article=845

فرانسوا روفان: "تخطيط المدن تسهيلاً لحياة الأثرياء"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، كانون الثاني/يناير 2007، http://www.mondiploar.com/article.php3?id_article=812

لوران كوردونييه: " الحرب على العاطلين عن العمل!"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، كانون الأول/ديسمبر 2006، http://www.mondiploar.com/article.php3?id_article=764

نويل بورجي: " "الحدّ الأدنى للاندماج" من الحقّ المكتسب الى الصدقة الممنوحة"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، تشرين الأول/أكتوبر 2006، http://www.mondiploar.com/article.php3?id_article=672

إنياسيو رامونه: " هل فرنسا مريضة؟"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، نيسان/إبريل 2006، http://www.mondiploar.com/article541.html

فلورانس لوفرين: " معيار المستقبل، العمل المؤقّت للجميع"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، آذار/مارس 2006، http://www.mondiploar.com/article556.html

آن داغير: "وظائف اجبارية للمستفيدين من المساعدة الاجتماعية"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، حزيران/يونيو 2005، http://www.mondiploar.com/article178.html

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان