
مراجعة كتب > آذار/مارس > 2007إفلين بياييهحلمٌ مستحيل
يتّفق الجميع تقريباً على أنّ زمننا قد شهد نهاية "الايديولوجيات"، وربّما هذا أفضل. فأحلام الثورات كانت كوابيس، والمثل العليا قتلةٌ جذّابون، فيما الأبطال دائماً مُفتقِدون إلى الطهارة. ما من حقيقة مُطلقة بعد اليوم، فالمنطق اليونانيّ الجميل قد ولّد البربرية... هذا "الإحباط" الجذريّ هو ما يشير إليه، حرفيّاً، كلوديو ماغريس في هذه المُناجاة الذاتيّة وما تصعّده من حمّى جليديّة. وماغريس معروفٌ حتى اليوم بمؤلّفاته التحليليّة الواسعة والحماسيّة، ومنها "دانوب" الذي لا مفرّ من الإطّلاع عليه. لكنّه لا يقدّم لنا هنا بالتأكيد مجرّد استنكارٍ إضافيّ للفظائع الشموليّة والتيه الثوريّ. لا، فإنّه يقودنا إلى التدرّب، منذ رواية المأزق الدمويّ الذي قادتنا إليه دروب تاريخنا المشترك، على الأمل الساخر والعنيد والهشّ، بالرغم من كلّ شيء، نعم، بالرّغم من كلّ شيء. ففي إحدى مستشفيات مدينة ترياست، يُجيب عجوزٌ مقاتل على أسئلة المحلّل النفسي. يعتقدونه مجنوناً. لكنّ حياته هي التي ضربها الجنون حيث ضاع ما كان قد حمّلها من معنى. فعندما التزم إلى جانب من أرادوا تغيير العالم، في إيطاليا واسبانيا ويوغوسلافيا، بين الثلاثينات والخمسينات من القرن الماضي، كان يعتقد أنّ خياراته صائبة وواضحة: فرأى الحدود تختلط، الشيوعيّون ضدّ الفوضويّين، الشيوعيّون ضدّ الشيوعيّين، وعانى الخيانة المبرّرة باسم "القضيّة" ووافق هو أيضاً على الخيانة. اعتبر سلفاتوري سيبيكو نفسه "مُخلِّصاً" فخَسِرَ كلّ شيء، معاركه وقناعاته وحتى المرأة التي أحبّ والتي اضطّر للتخلّي عنها تماشياً مع مبادئه. لم يعُد العالم سوى "غابةً من المعلَّقين على المشانق"، وكلّ شيءٍ يصبحُ "قصّة ضجيجٍ وصراخٍ يرويها أبله"... ربّما، لكن عندما يقوم الأبله بإخبارها بالكامل، عندما يحاول العجوز سلفاتوري إعادة رسم مسيرته، عندها تتحوّل القصّة إلى مزيجٍ مركّزٍ من المآسي، ومن تلألؤ للمغامرات، ومن دروسٍ أخلاقيّةٍ ووشوشات، ومن روعةٍ مجنونة. لأنّه عندها يرويها كما تستحقّ، على قياسه، من قلب حلم الأخوّة القديم الذي أنعشها. هكذا تتعقّد الأمور في جمال الأحلام المُكهرَبة بمعاناة الأيام. لا يمكن أن تُروَى هذه الحياة إلاّ بما يعجّ فيها من أشباحٍ لمن لا صوت لهم، من الفقراء المستعمَرين ومن المهجّرين، وهي مسكونةٌ أيضاً بأشباح فرسان الخير، أشباه "جازون" المُبحِر فوق سفينة "أرغو" ليواجه التنّين الحارس للـ"جزّة الذهبية" في "كولشيدا" البعيدة التي ستصبح ذات يوم جزءاً من... الاتحاد السوفيتي. هذا "الجازون" الذي ينسى حبّه للساحرة التي ساعدته، فتفقد "ميديا" عقلها وتقتل الأطفال التي رُزِقَت بهم منه. هذه الحياة، لا يمكن سردها على حقيقتها إلاّ بجنونٍ وتفخيمٍ وسخرية، لأنّ "المخبول" الذي صدّق وعد الغد المُشرق يعود ليرتبط بالملحمة القديمة للتمرّد على قوانين "التفكير السليم"، ويقبل بمحاولة تحقيق إنسانيّته بالإقرار أنّه متواصلٌ مع سائر البشر، منذ الأزل، وأنّ ذلك مستحيل، وأنّ ذلك ضروريّ. ويثابر، العجوز المجنون. لأنّه، وخلافاً لما يعتقده الطبيب النفسيّ، هو لا يكتفي هنا بسرد حياته، بل ينحت بالكلمات، سرّاً، صورةً رمزيّةً جديدةً لـ"أرغو" جديدة، يُدرك ربّانها أخيراً أنّ السعي إلى "الجزّة الذهبية" لا يكتسب معناه إلاّ إذا تركّز في قصّة حب. ولو أنّ "جازون" ينسى ميديا مرّةً أخرى، يجب مع ذلك، وتلك هي وصيّة سلفاتوري، الإبقاء على الحلم المستحيل، وهذا ربّما دور الخيال الأدبيّ و"أكاذيبه الحقيقيّة"... إنّها رحلةٌ بحريّةٌ عجيبة لا تقودنا إلى المرفأ، بل تنفينا عن قناعاتنا لتذكّرنا بأنّ الإنسان أسطورةٌ تجدر إعادة ابتداعها على الدوام.
* كاتبة، من مؤلّفاتها Dick, le zappeur des mondes, La Quinzaine litteraire, Paris, 2005 و L’Almanach des contraries,Gallimard, coll. « L’Arpenteur », Paris, 2002
|