مراجعة كتب > آذار/مارس > 2007

عبد الرحمن الوابري

في غابة الملذّات السردية

ولد آلان مابانكو قبل أربعين عاماً في بوانت آ بيتر، الكونغو برازافيل. أصدر هذا الكاتب الغزير الإنتاج ست روايات، ومرويّةً وأربعة دواوين شعريّة. فبعد دراسته وعمله طويلاً في فرنسا، بات يدرّس اليوم الآداب الفرنكوفونيّة في جامعة كاليفورنيا، في لوس أنجلس حيث تُعار هذه الآداب كبير اهتمام. وكان قد أثار المشاعر في الأوساط الباريسية مع صدور روايته "الزجاج المكسور"، المكتوبة باسلوب الأديب الفرنسي الشهير رابليه لجهة لغتها المتبهرجـة والتي تروي السيرة الغريبة لأحد روّاد البارات الشعبيـة في مكانٍ ما بين الكونغو والكاميرون.

إنّها أكثر من روايةٍ هزلية، إنها فعل إيمان بالكتابة وتمجيدٌ للأدب العالمي. غالباً ما يسعى هذا الكاتب الطالع من الأطراف إلى ردم الهوة التي تفصله عن المحاور الأدبيّة الكبيرة، وهذا ما ينجزه بمهارة وثبات. وبالرغم من إنكاره، فإن الروائي يقدّم لوحةً اجتماعيةً سياسيةً لإفريقيا الاستوائيّة عموماً وللكونغو برازافيل خصوصاً. ويؤدّي ذلك في خلفية المشهد، ومن خلال بورتريهات لأشخاصٍ من لحمٍ ودمٍ يعانون البؤس أحياناً ولا ينسوا أبداً كرامتهم الإنسانية.

في روايته "أحفاد فرسنجيتوريكس من الزنوج" [1] كان قد تناول الحرب الأهلية بدورها. وفي أسلوبٍ آخر، يروي قاتلٌ متسلسلٌ تفاصيل جرائمه (African Psycho). أما "مذكرات شيهَم" فتقترب من تلك الرواية إذ يرمينا آلان مابانكو في خضمّ الملذّات السرديّة باعتماده أسلوب الحكاية الواقعية والسحرية. شيهّم (قنفذ) يروي كيف تحوّل إلى "البديل المؤذي" لشخصٍ يُدعى كيباندي، وكيف خدم أسوأ نزعات معلّمه.

تأخذنا هذه الرواية في سلسلةٍ من الجرائم الرهيبة أو الغريبة، بين المأساة والملهاة. والأفضل، أن الرواية تتحوّل إلى تساؤلاتٍ فلسفيّة حول الوجود والمصير، وحول الهويّة والآخر. بوضوح الرؤية والحلم الأبدي الذي يرافق شخصيات الروايات السابقة، يحفر شيهّم آلان مابانكو المفكّر في غياهب الأنا الحميمة والمتناقضة لكلّ منّا. روايةٌ تُقرأ بلذّةٍ وتأمّل.


[1] أعيد طبعه في سلسلة الجَيب، سوي، Points، باريس، 2006.

"مذكّرات شَيهَم" Memoires de porc-epic ، آلان مابانكو. دار سوي، باريس 2006، 228 صفحة، 16،50 يورو.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان